الرئيسية / ملف العدد / الإملاء مشكلةٌ عالمية

الإملاء مشكلةٌ عالمية


لكلّ لغة صعوبات يعاني منها مستخدموها، رغم محاولات التبسيط والضبط من طرف مدافعيها. لنقم بجولة قصيرة غير شاملة حول صعوبات اللغات الأوروبية والنقاشات الدائرة حولها، وذلك بدءً من الإصلاح اليوناني المُجهض إلى إصلاح الكتابة الإملائية في اللغة الألمانية.
لتكن الأمور واضحة: “لا وجود لأخطاء إملائية متشابهة ومتكرّرة من لغة لأخرى”، هذا ما يؤكّده سيلفستر فانوكسم Sylstre Vanuxem ، رئيس جمعية أساتذة اللّغة الحيّة ( APLV ). لكلّ نظام لغوي صعوبات معلومة وكلّ مجتمع يبحث عن حلوله الخاصة لمواجهة الأخطاء الإملائية الناجمة عن التعقيد أو عن كثرة الاستثناءات الموجودة في لغته.
وعلى أية حال هناك مستوى معيّ لصعوبات قواعد الكتابة للّغات الرسمية العشرين للإتّاد الأوروبي، دون حساب اللغات الأخرى غير الممثّلة ببروكسيل مثل الإرلندية أو الكتالونية، مثلما توضّحه العالمةُ اللّغوية هُنريات وَالْتر Henriette Walter في أحد مؤلّفاتها: ” le français et l’anglais “. بالمقابل فاللّغات اللاّتينية -الإيطالية والإسبانية- والألمانية واللّغات الإسكندنافية بالإضافة إلى اللّغة الفنلندية، لا تطرح إشكاليات إملائية كبيرة. فكونها منتظمة، تُكتب هذه اللغاتُ غالبا كما تنطق وتسمع. فمثلا في اللّغة الإيطالية والإسبانية يكون التنغيم الصوتي فيها غير مضلّل. إذْ نحصي 600 كلمة بالإسبانية و 400 كلمة بالإيطالية فقط تختلف كتابتها الإملائية عن نطقها.
إلا أن هُنريات وَالْتر تؤكّد على وجود استثناءات مهما قلّ عددها: “لا زالت بعض المشكلات قائمة في اللغة الإيطالية مع إدغام الحروف الساكنة، التي لا ينطق بها في بعض مناطق شبه الجزيرة. مثلما هو الحال بالنسبة للغة الإسبانية وصعوباتها مع الحروف: v/ / و / b/ أو / ç/ و / z/ التي تنطق كلّها بنفس الطريقة تماما، الشيء الذي يؤدّي بالأطفال والراشدين إلى تكرار الأخطاء” ؛ ممّا يستلزم عودة ظهور وتطبيق برنامج التبسيط في كلّ مرّة. فما يحدث في إسبانيا هو إثارة فكرة تسوية مشكلة اللفظين / v/ أو / /b بانتظام، دون إقناع أبدا الحريصين على صفاء لغة الكاتب الإسباني سيرفانتيس Cervantès ، إلى درجة أنّ بعض الملاحظين يجدون في قضية الدفاع عن التفريق بين / v/ و/ b/ صراعًا قديمًا تديره نخبةٌ تودّ الاحتفاظ بخاصيّة لغوية للتّفرقة الاجتماعية. فالعمل يقوم من أحد جوانبه على مبدإ مكافحة كلّ تمييز اجتماعي ذي طابع لغويّ، ولهذا عمدت اليونان في بدايات الثمانينيات إلى تبسيط قواعد الكتابة الخاصة بها. وفي هذا تقول مارينا أريتاكي Marina Aretaki أستاذة اللغة اليونانية بجامعة ريتيمون بجزيرة كريت اليونانية: “لا تعتبر اليونانية الحديثة لغة واضحة سهلة، فقواعدها الإملائية صعبة ؛ فالحرف الصوتي i/ / مثلا يمكن كتابته بخمس أشكال: بحيث يتمّ رسمُ ثلاث أشكال منها بحرف واحد، والشكلين الآخرين بحرفين”. وفي فترة 1983 – 1982 قرّرت الحكومة اليسارية الجديدة تبسيط نظام النبرات الصوتية.
تقليد أو تحديث
هذا التغييرُ في قواعد الكتابة اليونانية كان يطبَّق باستمرار في المدرسة المتشبّثة بلغة اليونان القديمة -خاصة المناصرين الغلاّة للغة المتداولة- التابعة لجامعة تيسالونيك في شمال البلاد. غير أنه في الجنوب، في العاصمة اليونانية تحديدا تناضل جامعة أثينا من جانبها من أجل احترام التقاليد التي تتميّز بها اللغة اليونانية على مستوى الضبط الإملائي. على كلّ، هذه الجامعة هي التي كان لها القول الفصل بعد عشرين سنة بقدوم حكم اشتراكي جديد أراد تبسيط اللغة بتقريب الرسم الخطّي اليوناني مع نطق الحروف والكلمات ؛ وكان مقرّرا في هذا الإصلاح الجديد حذف الحروف الصوتية المزدوجة التي تكتب ولا تنطق ؛ وحسب كاترين تولر Catherine Teuler أستاذة اللغة اليونانية بالمركز الوطني للتدريس عن بعد( CNED) فإن “هذا التبسيط الجديد كان يعادل ما يشبه التخلّي عن تاريخ اللغة، ولم يكن قابلا للتسيير ولا معقولا”.
أمّا في ألمانيا فقد أدّى هذا الصراعُ نفسُه القائمُ بين مؤيّدي التقليد وبين ذوي الاتّاه العصري المهتمّين بتحسين النقل الكتابي والخطّي، إلى زعزعة تنفيذ إصلاح قواعد الكتابة المعتمدة من طرف الحكومات الألمانية والنمساوية والسويسرية عام 1996 ، أحد أهمّ إصلاحات اللّغة الألمانية، ووصل إلى حدّ دفع الكثير من المثقّفين للاحتجاج بقوة ضد هذه المبادرة. وبعد انتهاج الإصلاحات المقترحة، قرّرت الجريدة اليومية الكبرى لمدينة فرانكفورت Frankfurter Zeitung العودة إلى قواعد الكتابة القديمة عام 2000 . كما رفض الكاتبُ الألمانيُّ غونتر غراس Günther Grass الحاصلُ على جائزة نوبل في الآداب تطبيقَ هذا الإصلاح الجديد ومنع ناشرَه من ترجمة كتبه بالكتابة الجديدة.
مع أنّ هدف هذا الإصلاح كان يتمثّل في “جعل اللغة أكثر منطقية وتنسيقا”، مثلما يقول الأستاذ غودرن رومر G u d r u n R ö m e r بمعهد غوتيه ، Goethe فمن بين 212 قاعدة كان معمولا بها سابقا، لم يبقَ منها سوى 112 ؛ ومن بين 52 قاعدة محدِّدة لكيفية استعمال الفواصل، لم يقبل منها إلاّ تسعٌ ؛ ومن بين 12.000 مفردة قاعدية تمَّ استبدالُ كتابة 185 مفردة. أمّا التغيير اللاَّفت للانتباه فيتعلّق بالحرف / ß/ )المسمّى ب eszet (، فعند وقوع هذا الحرف بعد الحروف الصوتية القصيرة يُستبدل بالحرف s/ / مضاعفًا مثل: Fluss ويعني “تدفّق”، و muss ويعني “يجب” ؛ أمّا الكلمات ذات الحروف الصوتية الطويلة فهي تبقى تكتب كما كانت في السابق. فإذا لم يعمل الإصلاح على إدخال الحروف الصغيرة les minuscules عند بداية الأسماء غير العَلم، فهو مسموح اليوم بوضع حرف كبير majuscule عند بداية الصفات الاسمية. من الآن فصاعدا، يجب على كل المدارس والإدارات تطبيق هذه القواعد.
وفي الجانب الآخر من بحر المانش شمالا لا فكرة لديهم عن الإصلاح، بينما يكثر الحديث حول قواعد الكتابة ؛ تشبه اللغةُ الإنجليزية اللغة الفرنسية من حيث التعقيد والصّعوبة بل وتبعث في نفوس الإنجليز نوعا من الشّك والارتياب. “بعد أحد عشرة سنة من التمدرس، يتّضح أنّ حوالي نصف مجموع الأطفال الناطقين بالإنجليزية ليسوا متأكّدين من الكتابة الصحيحة لهذه اللغة، في حين أنّ الأطفال الإيطاليين يتمكّنون من التّهجية الصحيحة بعد أقلّ من عامين من التعلّم في المدرسة”، هذا ما أكّدته الجمعية الإنجليزية Limplified Spelling Society المناضلة من أجل تبسيط قواعد لغة جلالة الملكة. أكيد أن أطفال الإنجليز الصّغار لا يجدون مشكلة مع الربط والمطابقة (من حيث الأثر النحوي أو الصرفي أو الإملائي في اللغة العربية)، مطابقة الفعل بالفاعل أو اتّباع الصّفة للموصوف مثلا، إلا أنه عليهم تحمّل عبء قواعد إملائية معجمية حيث يبدو فيها الاستثناءُ يحلُّ محلَّ القاعدة. فمن بين 90 لفظا صوتيّا مستعملاً في الإنجليزية، نجد ما لا يقلُّ عن 84 لفظا يمكن كتابته بشكل واحد أو بعدّة أشكال مختلفة. مثلما يُعتبر إدغامُ (أو مضاعفةُ) الحروف الساكنة من عدمه أمرًا متعبًا. فإذا دوّنت 1000 كلمة مع احترام قاعدة ما، إدغام الحرف الساكن بعد حرف صوتي قصير مثلا، فإنّ حوالي 1000 كلمة أخرى تناقض هذه القاعدة الأساسية. وعليه نجد ما يقارب 3500 كلمة تعدُّ حالات خاصة، وهذا لسبب عميق يتجلّى فيما حدث في الزمن الغابر عند الغزو النورماندي لإنجلترا في القرون الوسطى، والذي عمل على فرض اللغة الفرنسية القديمة كلغة محلّية لمدة قرون عديدة؛ ممّا أدّى إلى تشبّع اللغة الإنجليزية بكلمات ذات أصل لاتيني وسكسوني. ونتيجة مراعاة اللغة الإنجليزية لواجبات الاحترام، لم تعمل قطّ على تعديل الكلمات الأجنبية التي أدمجت إليها، بل استخدمتها كما هي ومثالا على ذلك كلمة ” Tchèque ” تكتب بالإنجليزية Czeck” ” كما جاءت في أصلها.
ألفُ نغم صوتي من أجل قواعد الكتابة قليلةٌ هي المحاولاتُ لتحكيم النظام في كل لغة خاصة بكلّ دولة من دول العالم، فالولايات المتّحدة اتخذت إجراءات محتشمة لتبسيط لغتها في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث جاءت في شكل تدابير لتأميم اللغة، دون أن تسمح بإيجاد منافسات كثيرة لها ؛ فإذا أصبح اليوم مسموحا في الجانب الآخر من البحر الأطلنطي كتابة الكلمة ” socks ” بمعنى جوارب على شكل ” ،”xos فإنه لم يُقبل أبدا كتابةُ كلمة ” cigarette ” بمعنى سيجارة على شكل ” cigaret ” ؛ “في الواقع، كما تشرحه اللغوية جيل تايلور رمساي – Jill Taylor Ramsey ، فإن العمل من أجل توحيد معايير قواعد كتابة اللغة الإنجليزية، يتوجّب الأخذ بعين الاعتبار تنوّع نطق الألفاظ الوطنية في اللغة الإنجليزية )إرلندا، اسكتلندا، بلاد الغال، الولايات المتّحدة، كندا، جزر الكارييب، أستراليا أو هونغ كونغ( بغضّ النظر عن الاختلافات المحلّية داخل هذه البلدان أو المناطق، وبالطبع الاختلافات الاجتماعية. إنّ قواعد الكتابة التي تعكس معيار النطق للإنجليزية بإمكانها تمثيل 1 % من سكّان المملكة المتّحدة ! إن مسايرة تطوّر اللغة يتوجّب إصلاح قواعد كتابة اللغة بانتظام. وتبقى مع ذلك قواعدُ الكتابة الراهنة والبعيدة كلّ البعد عن صيغ نطقها في الوقت الحاضر، ديمقراطية لهذا السبب “، فلمَ نلجأ إلى إصلاحها الآن ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.