الرئيسية / ملف العدد / مسألةُ قواعد.. ومؤثّرات

مسألةُ قواعد.. ومؤثّرات


لا يُعتبر العاملُ المعرفيّ وحده المسبِّب للإخفاقات الإملائية. فلنلقِ نظرة حول الأبعاد الرمزية والعلائقية.
مسألةُ قواعد.. ومؤثّرات صاحبة المقال: سيلفي بوييو -محلّلة نفسانيّة-، ترجمة: ليندة بن بسّي يلاحظ الأساتذة عند معالجة مسألة الكتابة بضوابطها الإملائية في حصص التكوين الخاصة بتحليل الممارسات، أنّ تلامذتهم يرتكبون أخطاء دون غيرها. فبعض التلاميذ لا يطابقون الأسماءَ بصفاتها أو الأفعالَ بفاعليها وفقًا لصيغ الجمع والتذكير والتأنيث، وإنما يستعملون آليا الكتابة الإملائية المألوفة. والبعض الآخر يرتكب أخطاء مألوفة لكن بمراعاتهم المطابقة التي تبدو لهم أكثر منطقا ؛ ويتردّد آخرون خاصة في الكتابة الصحيحة لأسماء الأعلام. ويكتفي بعضهم الآخرُ بالكتابة الرمزية للرسائل القصيرة ) sms ( ؛ وهذا التنوّع لا يمكن تفسيره بالعوامل المعرفية فقط..
إنّ واجب التطرّق لتصحيح الأخطاء الإملائية يثير ردود أفعال مختلفة، فمعظمُ المتعلّمين الصّغارِ منهم والكبارِ يجدون قواعدَ الإملاء اعتباطيّةً كيفيّةً (تعترضها الكثير من الاستثناءات)، بينما تجد البعض الآخر يهتمّ بشغف بالكتابة، ربّا لسبب طابعها الاعتباطي هذا. ذلك أن القواعد التي لا يوجدُ لها أيُّ مَعلم منطقيٍّ واضح، خارج تاريخ اللّغة، تتطلّب ذاكرة أوسع ويكون في مقدورها إغراء التلاميذ الذين يعتمدون هذه القواعد. ومع ذلك فإنّ هذا الإغراء يمكن أن يمارس على بعض الاعتبارات النفسانية: فبالنسبة للأشخاص الذين يعانون إشكالات معقّدة، فإن “عقيدة تطبيق القانون” من أجل القانون لها معنى خاصّ.
في الحقيقة فالامتثال الدقيق لقاعدة اعتباطية معيّنة يؤدّي إلى إقصاء المعيار وإظهار بشكل مُفارق أنّه لا يوجد أكثر عقلانية في القاعدة المتّبعة (أي الضبط الإملائي) ممّا هو موجود في الثقافة وأخلاق المجتمع.
يظهر لنا هذا المثالُ ببساطة أنّ التصحيحَ المفرطَ وعكسَه أيضا تصاحبه دوما إشكاليةٌ نفسانيةٌ. ولكم هذا المثال الآخر: اختيار الكتابة المناسبة في دينامكية مهوسة، بإمكانه أن يغرق التلميذ في ارتباك يشلّه أو يشعوره بالذنب، مما يدفعه إلى شطب في آخر لحظة الإجابة الصحيحة في آخر. فالإملاء غالبا ما يزيد من هذه التصرفات الانفعاليّة.
علاقةٌ مع متطلبات الآخرين..
تنشأ ردودُ الأفعال العاطفية أيضا من أن النقل الخطّي -بضوابطه الإملائية- يتمُّ ضمن العلاقة مع الآخر. وكما يبيّنه التوترُ الذي تُثيره في تربية الأطفال، ترمز الكتابةُ بشكل ما إلى العلاقة التي تربطها بالمعيار. ” الأخطاءُ الإملائيةُ التي يرتكبها الرجلُ أو المرأةُ، هي بصمةٌ أدبيّةٌ لك ل منهما ” ستيفان كينغ فسلوكُ الشخص الراشد الذي يعلِّم الكتابة بضوابطها الإملائية أو وليّ التلميذ الذي ينتظر من ابنه كفاءات معيّنة، يؤثّر على هذا الأخير بشكل ملموس، حيث يطلب منه مثلا القراءة حتى يحسّن كتابته ولا يرتكب الأخطاء: يمكن لهذا الطلب أن يكون معقولاً كما يمكنه أن يكون مفرطا أيضا. وتبقى هكذا مسألةُ الكتابة مشروطةً بمدى تأثير العلاقة التي تربط المتعلّمَ بالآخرين.
وماذا يعني شرطُ صفاءِ الكتابة في إطار هذه العلاقة ؟ قد يخفي ذلك تناقضًا عاطفيًّا: كتجنّب الحاجة إلى تهنئة الطفل أو التلميذ أو الطالب على نوعية محتوى ما (“عمل جيّد لكن هناك أخطاء”).
فعندما يصبح مشكلُ الكتابة السليمة من الأخطاء هاجسًا لدى الأولياء، فذلك يكشف ربما عن وجود بعض الاستياء وعدم الرضا بالابن، شعورا بنقائصَ هي في الحقيقة نقائصُه هو أي وليّ التلميذ، أو عدم الرضا بنفسه، وذلك قلقٌ في الحقيقة يخفيه باطنيا ويرجعه على الآخر. وفي حالات أخرى، يمكن للبحث الدائم عن الأخطاء أن يذهب بعيدا إلى أن يتسبب في بعث الرفض المرضي لكل عنصر غريب مما يؤدّي إلى ارتكاب الأخطاء !
ومن جانب آخر، ينقل المعيارُ الإملائي مثلُه مثل أي معيار اجتماعي قيمًا ضمنية. فلنأخذ مثال مطابقة الاسم بجنسه (المذكر والمؤنث). فقد فرض عالمُ النّحو فوجُولا Vaugelas في القرن السابع عشر مطابقة accord الصفة المذكّرة في صيغة الجمع مع سلسلة من الأسماء المذكّرة والمؤنثة ( Les hommes, les femmes et les filles sont beaux) ؛ رغم أنّ اتّباع الصّفة يكون منطقيا أكثر للاسم الموصوفِ الأكثر قربا منها. هكذا انتشر العمل باتباع الصّفة للموصوف المذكر إذا كانت الجملة تشمل أسماء مذكّرة ومؤنثة في صيغة الجمع، ثم راحت البيداغوجيا في أوائل القرن العشرين تصوغ القاعدة التالية: “يتغلّب المذكّرُ على المؤنث”. وهذه قاعدة تشير إلى وجود تفاضل رتبي بين الجنسين.
مثالٌ آخر حول الألقاب أو الأسماء العائلية: فحملُ المرءِ لقبًا عائليًّا معيّنًا يعني وجود علاقة مع هوية ما والرجوع لأصل ما في المجتمع. فالطابعُ النّغميّ والكتابةُ الحرفية الأجنبية للاسم يمكن أن يعرّضا حامله للإقصاء (مثلما هو الحال بالنسبة للمغاربة الفرنسيين الباحثين عن العمل). هذا ويظهر التحليلُ النفسي العيادي أنّ الثقة في الرمزية (التي تشكّل علاقتها بالكتابة مثالا) تختلف بشكل ملحوظ وذلك حسب ما إذا كان اللقب مصحوبا أو لا بانتقاصٍ قيميٍّ مضمرٍ.
ونقول في الأخير أنّ للكتابة بُعدا عقلانيّا )فهي تجعل الاتصال أمرا مدركا( وبُعدا تاريخيا واجتماعيا (بعض قواعدها تحمل بصمة العلاقات الاجتماعية) وبُعدا علائقيا بما تتضمّنه (ككلّ تعلّم آخر) من تواصل بين الراشد والطفل. ولكلّ هذه الأسباب يمكن للخطأ الإملائي ألاَّ يكون عَرَضيا.
خطأ إملائيٌّ أمْ هفوة قلم ؟
هذه بعضُ الأمثلة لأستاذة في الموسيقى بإحدى المتوسطات بضواحي باريس: لاحظتْ هذه الأخيرة أثناء تمارين اختباريه أنّ بعض أعمال العازفين كان يشوبها نوعٌ من التشويه. فقد كان التلاميذ يخلطون بين لحن أجاكسْيو لألبينوني واللحن BMW لجون سيباسْتيان بَاخ. وسببُ الخطإ كان مردّه تغيّ محلِّ الفونيمات. لكن هل الأمر يتعلّق هنا أيضا بأخطاء إملائية ؟ ألا يمكن أن يكون ذلك مرتبطا ببدائل غير مقصودة ؟ فالتشويهاتُ تبدو تستجيب لمنطق ما: الكلمات التي تمّ الحصول عليها مرتبطةٌ بالمعنى المعتاد عليه لدى الأطفال (في اليقظة أو في الحلم): ترمز ال BMW للنجاح الاجتماعي، والعطلة في كورسيكا. فقد استبدل التلميذ الرسالة الأولى البعيدة أكثر عن المرجعيات الثقافية بعالمه المألوف الذي ينتمي إليه ربما من دون وعي.
يلعب عاملان اثنان دورهما هنا، الأوّل خاصّ بالبِنية اللّغوية التي تسمح بالتغييرات، والثاني بالرغبة اللاَّواعية التي تبعث فيهم الحياة. يقدّم فرُويد العديد من الأمثلة حول هذه الأخطاء المتعلقة بالكتابة أو بالقراءة في كتابه المعنون ب” La “psychopathologie de la vie quotidienne )علم الأمراض النفسية في الحياة اليومية(، ويكفي الرجوع إلى هذه الدراسة لفهم الظاهرة أكثر.
تعطي فرضيةُ التأثيرات اللاَّواعية في الأخطاء الإملائية معنى خاصًّا للتشوهات التي تطرأ على الألقاب العائلية. وهذه بعض التفسيرات المحتملة: عدوان غير مقصود تجاه الآخر )فرويد، علم الأحلام(، واضطراب في الهوية لدى الشخص فيصبح غير مبالٍ بهوية الآخرين. ويعود سبب الانزعاج هذا إلى الدِّينامية الشخصية كما يعود إلى المصير الاجتماعي )تثمين الألقاب العائلية أو الانتقاص منها(. ولكن التشويه يمسُّ أيضا بعض الخصوصيات المتعلقة بالكتابة حيث يكون المنطق فيها غير مقبول في بعض المواضيع، كمطابقة الصفة بالموصول مثلما جاء ذكره سلفا، الأمر الذي يؤدّي بالمرأة إلى تأييد المنحى الذكوري الغالب على مستوى مجموع أفراد المجتمع، أو تأنيث اسم المهن بالنسبة للمرأة، المسألة التي لا زالت تثير كثيرا من النقاشات. وقد خلُصت دراسةٌ تحليليةٌ للتعلّمات إلى أن هناك علاقة تربط بين التشوهات و”الشعور باللاّأمن اللغوي” ) L.-J. Calvet (. ويؤكّد علماءُ الاجتماع اللغويّون أنّ ظواهر اللاَّأمن اللغوي تمسُّ على وجه الخصوص الجماعات الأقلية أو المهيمن عليها في المجتمع. صحيح أنّ التحفيزات اللاَّشعورية لا تربك دائما تطبيق القواعد المكتسبة وآلية التنفيذ، ولكن لما يظهر التكرارُ والإملاءُ التطبيقية ومختلفُ تمارين المعالجة عجزَها على تصويب كتابة خاطئة على الدوام، يبقى هنالك دائما فرصٌ لأنّ تلعب التحفيزاتُ اللاَّشعورية دورها في التخفيف من عسر الكتابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.