الرئيسية / ملف العدد / الإملاء بالمنظور المعرفي

الإملاء بالمنظور المعرفي


1. ما الإملاء ؟
لا يمكن الحديث عن الإملاء كموضوع معرفي أو  كنشاط تعليمي يطبّق في المدارس بأهداف مسطّرة دون الحديث عن اللغة من حيث هي منظومة متكاملة تحكمها قواعدُ وضوابطُ تعاقبت عبر الأزمانِ وترسَّخت في أذهانِ وألسنة الأقوامِ والمجتمعاتِ حتى غدتْ لديهم سليقةً ثم ارتقت إلى مستوى البديهة أو ما اصطلح عليها اللغوّيون واللّسانيون –القدامى والمعاصرون-من حيث تقعيدُها وتأسيسُها ليستقيمَ بها الفكرُ والتفكيرُ والتواصلُ والتعبيرُ. واللغةُ هي القدرة على اكتساب واستخدام نُظمٍ معقّدةٍ من الاتّصالات والتواصل بين البشر، لا سيّما بسبب قدرة الإنسان على استخدام تلك الأنظمة المعقّدة في الاتصال، واللغة المنطوقة والمقروءة هي المقصود بهذا النظام وتُسمّى الدراسة العلميّة للغة باللغويات، واللغة كنظامٍ وُجدت لتساعد الإنسان على التعبير ونقل أفكاره ومشاعره وهمومه إلى الأفراد الآخرين، فهي بذلك طريقةٌ قويةٌ وفعّالةٌ لخدمة التواصل.
اشتُّقت كلمةُ “لُغَة” في العربية من اللَّغَا واللغْو وهو الكلامُ غير المفيد الذي لا يُعتدّ به، أما في اللغات الأخرى فقد أخذ لفظ ( langage) من الأصل اللاّتيني  lingua ومعناه اللسان أو الكلام.
وقد عرّفها لسانيون كثيرون تعريفًا علميًّا مثل سبير إدوارد Sapir Edward الذي وصفها بأنها منهجٌ بشريٌّ صِرفٌ غير غريزي لإبلاغ الإملاء بالمنظور المعرفي الأفكار والعواطف والرغبات بواسطة نظام من الرموز ( signes) المحْدثة ؛ ويعتبرها ستيوارت هول  Stuart hallمؤسسةً اجتماعيةً يتفاعل بها الناسُ عن طريق الرموز الشفهية السمعية المستخدمة بحكم العادة. ولكلّ لغة إنسانية أربعةُ أسسٍ تنْبني عليها -وبدونها لا يمكن أن تُسمّى “لغة”- وهي النظامُ الصوتي والنحوي والصرفي والدلالي الخاصُّ بها( 1).
الإملاء هو فنّ رسم الكلمات في العربية عن طريق التصوير الخطّي للأصوات المنطوقة برموزٍ تتيح للقارئ أن يعيد نطقها طبقا لصورتها الأولى، وذلك على وفق قواعدَ مرعيةٍ وضعها علماءُ اللغة( 2).
كما يُعتبر الإملاءُ بعدًا مهمًّا من أبعاد التدريب على الكتابة في إطار العمل المدرسي، فهو يدربُ التلميذ على كتابة الكلمات بالطريقة التي اتفق عليها أهلُ اللّغة وإلا تعذَّرت ترجمتُها إلى معانيها. والإملاء علمٌ يهتم بالقواعد الاصطلاحية التي بمعرفتها يقوم بحفظ قلمِ الكاتبِ من الزيادة والنقصان، كما يهتم بالأحرف التي تُزاد والتي تُذف من الألفاظ، والتنوين وأنواع اللّم ومواقع الهمزة وغيرها من العوامل التي ترقى بمستوى الكاتب إلى الصحة اللغوية المنشودة بحيث تخلو كتابتُه من الأخطاء الإملائية التي تشبع في الكتابة إذْ أن الخطأ الإملائي له آثار سلبية على الكاتب وقد تحدث خللاً في التعبير لدى القارئ، فالإملاء عالم تتغيّ معاييره من حرف واحد وتقلب معايير النحو من تشكيل خاطئ وموازين الجمل والإعراب والتعبير في آن واحد، لأن الخطأ الإملائي يشوّه الكتابةَ ويعوق فهمَ الجملة( 3)َ.
2. الإملاءُ التقعيدُ والإملاءُ التطبيقُ
نقصد ب الإملاء التَّقعيد كلَّ تلك القواعد والضوابط النحوية والكتابية والشكلية والرقمية التي تقوم عليها تراكيبُ الجمل والعبارات من أجل أداء وظيفة التواصل والتّعبير الشفهي والكتابي السليميْ، فالإملاءُ بهذا المعنى منظومةٌ علميةٌ معرفيّة تبحث في الأُسس والمرتكزات التي اصطلح عليها سلفًا في كل ما يتّصل باللغة الشكلية الرسميّة (الرسم الكتابي) وباللغةِ المضمونِ النحويِّ (القواعد). يهتم الإملاءُ أكثر –من حيث المبدأ- بحروف الهجاء من حيث هي عناصر  أساسية لتكوين الكلمة والجملة والفقرة والنص عموما.. ما من شأنه أن يولّد المعنى لكل مكتوب، ولا يستقيم هذا المكتوب إلا بالتقيّد بالشكل والحركات المتفق عليها اصطلاحًا، بحيث لو يتَّبع الكاتبُ (عمدًا أو خطأً) شكلاً آخر غير متفق عليه فإنه يخلّ بالمعنى (المستقرّ في الأذهان) أو يفسد على اللغة  رسمَها فينقصُ ذلك من قيمة ما يكتب. وكذلك هو الحال بالنسبة لقواعد النحوّ إذْ هي شديدة الارتباط بالإملاء، فبقدر ما يهتمُّ هذا العلمُ بالحروف في ارتباطها الرسمي لتشكيل الكلمات وعلامات الوقف والشدّة وكتابة الهمزة بكل أنواعها والتّاءيْن المفتوحة والمربوطة وأَلْ القمرية والأخرى الشمسية والألف اللّينة والتذكير والتأنيث.. ، بقدر ما يهتمّ بتأثير القواعد والنحو على الشكل النهائي للكلمة المكتوبة والجملة عموما فبالإضافة إلى الصورة الشكليّة أو التشكيلية الثابتة لهذه الأخيرة تأتي المؤثراتُ الخارجية الأخرى لتغيِّ من حركتها وشكلها نسبةً إلى المؤثرِ النّحويِّ الجديدِ الذي يطرأ عليها رفعًا أو نصبًا أو جرًّا.
إن الإلمام بقواعد النحوِّ يعني الحفاظ على سلامة اللغة المكتوبة بنسبة كبيرة مما يزيدها جمالاً وذوقا إذا أدّت المعنى. وقواعدُ النحوِّ كثيرةٌ وأحيانا نجدها معقّدةً تتطلب جهدًا وتركيزًا كبيرين لتحصيل فهمِ تَباينها ومُبهمها. أيّهما أسبقُ النحوُّ أمِ الإملاءُ ؟ أمْ هما متلازمان ؟ المعلوم أن العرب نطقت وتكلمت بلغتها العربية على السليقة وتأسست ضوابطُ الكلمِ عبر العصور على ألسنتهم وترسّخت في أذهانهم فأضحت بديهة بين القبائل، ثم جاء القرآنُ الكريمُ وتجلّى عليها عن طريق الوحيِّ ونطق بها مشرفًا إيّاها فزادها ضبطًا وإصلاحًا وثراءً وتنقيحًا وسموًّا وعلوًّا ؛ وكان أولُ من وضع الضوابطَ للحروف العربية أبا الأسود الدؤلي بأمر من عليّ كرّم الله وجهه حيث رسمها أول الأمر نُقطًا بلون غير المداد الذي تُكتب به الكتابة. ثم جاء من بعده الخليلُ بن أحمد الفراهيدي أستاذُ إمامِ النُّحاة سيبويه بحوالي ثمانين سنة ليضع الضوابطَ التي تُستعمل حاليا في لغتنا العربية، وبذلك أُلغيت ضوابطُ الدؤلي لما فيها من المشقّة بتنويع الألوان المختلفة.
يبدو لنا أن النحوَّ والإملاءَ متلازمان بحيث لا يمكن الفصل بينهما أو تقديم هذا عن ذاك، فهما يمثلان ركيزتين أساسيتين من بنيوية اللغة: فإذا كانت اللغة عبارة عن بناء مرصوص ومتكامل وجوبًا (وإلا لتعذّر على أصحابها الحديث بها) يتألّف من مفاهيم وألفاظ صورةً ورسمًا وكلمات من أسماء وأفعال وحروف تُصى وتُمع معجمًا وقاموسًا بمنهجية معينة، فإن النحوَّ والإملاءَ يقومان مقام الرّكائز التي يقوم عليها هذا البناءُ الذي يبقى متماسكًا ما بقيت هاتان الركيزتان قائمتيْن.
أما الإملاءُ التطبيقُ فهو تلك المادة المقررة في البرامج التعليمية الابتدائية تُدرج كنشاط مكمّل لنشاطات اللغة الأخرى من قراءة وتعبير (شفهي وكتابي) وكتابة (خط) ومحفوظات، توزّع بمنهجية على طول فصول السنة الدراسية بمعدل 45 دقيقة في الأسبوع لدروس الإملاء. وأهم هذه الدروس أو لنسميّها المعارف التي تقدم للمتعلمين تتمثّل في همزتيْ الوصل والقطع، الهمزة وسط الكلمة (كتابتها على الألف وعلى النبرة وعلى الواو)، الهمزة المتطرفة، الألف اللينة، الأسماء الموصولة، أسماء الإشارة، التنوين، التاء في آخر الكلمة، ألْ الشمسية وألْ القمرية، علامات الترقيم، الحذف، الزيادة، المدّ وأنواعه.. ؛ وطرائق تعليم الإملاء قليلة لا تستدعي تقنيات ديدكتيكية عالية، لأن طبيعة النشاط يحتمّ علينا اتباع الطرق القديمة في تناول هذه المادة مع المتعلمين، بحيث يقوم المعلم بتقديم درسه في موضوع معين من الإملاء (التاء في آخر الكلمة مثلاً) ثم يأمر تلاميذه بكتابة الاستنتاج مع الأمثلة، ثم يملي عليهم جملاً أو فقرة تحتوي على كلمات بها تاءٌ مربوطة أو مفتوحة تمرينًا أو تقويمًا لمدى استيعابهم للدرس، ثم تصحح الإجابات فرديا وجماعيا. والإملاء أربعة أنواع على الأقل فيما هو معروفٌ وشائعٌ بين الأوساط التعليمية والمعلمين على وجه التحديد:
أ) الإملاء المنقول: ويكون بأن يُلي المعلم على المتعلمين كلمات وجملاً مشكولة من كتاب أو سبورة أو بطاقة أمامه، بعد قراءتها أو فهمها وتدرّبٍ كتابيٍّ عليها. ويقوم المعلم فيه بالإملاء جملةً جملةً، وينتظر حتى يكتب الجميعُ الجملة الواحدة معا، وينتفي عن الإملاء صفة النسخ. وهذا النوع ء يلائم تلاميذ السنة الأولى والثانية ابتدائي في الفصل الدراسي الأول.
ب) الإملاء المنظور: وهو يكون بأن تعرض الفقرة على المتعلمين لقراءتها وفهمها والتدرب على كتابة بعض كلماتها، ثم تحجب عنهم وتُلى عليهم وهم لا يرونها. يلائم هذا النوعُ الصفين الثاني والثالث ابتدائي وبداية الرابع، ولكن يبدأ التدريب عليه في نهاية الصف الأول كأن يكتب التلميذ اسمَه واسم مدرسته.
جـ) الإملاء غير المنظور: ويكون بأن يقرأ المعلم الفقرة على التلاميذ ويناقشهم في المعاني الواردة فيها وفي كتابة كلماتها، ويعرض عليهم كلمات مشابهة لما فيها من كلمات جديدة عليهم، وهذا النوع يلائم الطور الثاني.
د) الإملاء الاختياري: ويكون بأن يملي المعلم على التلاميذ نصا من غير الكتاب المقرر بقصد الاختبار وتشخيص الأخطاء الشائعة، لذا فإن النص يُلى عليهم دون مساعدة على الفهم والوقوف على القضايا الإملائية فيه. وهذا النوع يناسب أقسام الطور الثالث، حينما يراد قياس التحصيل، ولذلك فقد يوضع في طرائق التقويم.
يأتي تطبيقُ الإملاء هنا من حيث هو نشاط تعليمي له مادته (الدروس المبرمجة) والطرائق المستعملة في إيصال المعارف وأساليب التصحيح والتقويم،غير أن الممارسات في الأقسام تختلف باختلاف مستوى المعلمين من حيث ثقافتهم اللغوية وميولهم الأدبية وتذوقهم للحرف العربي ومدى الأهمية التي يولونها لهذه المادة ذاتها. وتطبيق الإملاء لا يقتصر على حصة الإملاء فقط وإنما يتعدّاها إلى المواد التعليمية الأخرى، لأن العلوم تُكتب وتدوّن على الكراريس بلغة لها ضوابطها وهنا بإمكان المعلم أن يتدخل في وضعيات معينة حيث يجد المناسبة للتطرق إلى إحدى قواعد الإملاء بمساءلة تلاميذه وبهذا نجعل الإملاء نشاطًا في خدمة المواد الأخرى بطريقة غير مباشرة.
3. الأخطاء الإملائية الأكثر شيوعا
تختلف الأخطاء التي يرتكبها التلاميذ باختلاف صفوفهم ففي الطور الأول من المرحلة الابتدائية نلاحظ الأخطاء الآتية: * حذف بعض الحروف من بعض الكلمات عند كتابتها ؛
* زيادة بعض الحروف ؛
* تكرار بعض الحروف ؛
* حذف النقط من الحروف المنطوقة ؛
* الخلط بين الحروف المتشابهة من حيث الشكل كالسين والشين والضاد والطاء والظاء والعين والغين، إلخ ؛
* الخلط بين الحروف المتشابهة من حيث النطق كالتاء والطاء والثاء والسين ؛
* عدم وضوح الفرق بين اللاّمين الشمسية والقمرية.
أما في مرحلة الطور الابتدائي الثاني فنلاحظ –إضافة للأخطاء السابقة- الأخطاءَ الآتيةَ:
* الخطأ في التنوين ؛
* الخطأ بين السين والصاد والزّاي والذال والسين والثاء ؛
* الخطأ في همزتيْ الوصلِ والقطعِ ؛
* الخطأ في الهمزة بمختلف ضروبها ومواضعها ؛
* الخطأ في التاء المربوطة والمفتوحة ؛
* الخطأ في الألف اللينة، إلخ.
ولقد كانت الأخطاء الإملائية موضعَ اهتمام عدد من الباحثين، فثمة دراسات كثيرة جمعت الأخطاء الإملائية التي تنتشر في الصحف والمجلات، وهناك أبحاثٌ عن تيسير قواعد الإملاء ودراسات حاولت أن تحدد من الأخطاء التي يقع فيها التلاميذ في المراحل المختلفة بما في ذلك المرحلة الجماعية. ألقت تلك الدراسات والأبحاث الأضواء على الأخطاء الشائعة في الإملاء لدى طلبة المرحلة الابتدائية، وفيما يلي بعض النتائج التي توصّلت إليها( 4):
– ظهورُ أخطاءٍ إملائيةٍ في مصطلحات المواد الدراسية، وقلب الحركات الثلاث، وإبدال الحروف، والحروف التي يجب أن تُزاد إصلاحا، والكلمات التي تفصل عما بعدها،والكلمات التي توصل بما بعدها. وهذا كله يدعو إلى ضرورة إعادة النظر في مقررات الإملاء بحيث لا يقتصر درس الإملاء على المقررات الحالية بل يتّسع ليشمل هذه القواعد الجديدة.
– اختلافُ الأخطاءِ الإملائيةِ باختلاف الصفوف الدراسية، فبعض الأخطاء تقلّ تدريجيا تبعا لانتقال التلميذ إلى مستوى أعلى، وبعضها يرتفع باستمرار خلال سنوات الدراسة، وبعضها يختصّ بمستويات دراسية معيّنة، ولعلّ هذا التحسن في بعض الأخطاء يرجع إلى نضج التلميذ بانتقاله إل مستوى دراسي أعلى أو إلى الأثر الذي ينجم عن تكرار تدريس القواعد الإملائية في السنوات الدراسية، في حين أن الأخطاء التي ترتفع باستمرار قد ترجع إلى زيادة مطالب الكتابة للتلاميذ، أو لعدم وجود امتحانات تحريرية في تلك الصفوف.
– ظهورُ بعضِ الأخْطاءِ الإملاَئيةِ التي لم تتعرض لها المقرراتُ الدراسيةُ، واشتراك الكتابة الموجهة والكتابة المقيدة في بعض أنواع الخطإ واختلافها في بعضها الآخر، واختلاف مستويات الخطإ باختلاف نوعي الكتابة، ووجود فرق له دلالة إحصائية في أخطاء التلاميذ من ذوي المستويات الاقتصادية والاجتماعية، ووجود مثل هذا الفرق بالنسبة للجنسين.
4. الإملاء وتطور وسائل الإعلام والاتصال
ما موقع الإملاء من وسائل الإعلام المتطورة حاليا كالإنترنيت والهواتف الذكية والشبكات الإلكترونية الاجتماعية وغير الاجتماعية مثل الفيسبوك والتويتر والعناوين الإلكترونية والإيميلات.. ؟ عندما نقول ما موقعه نعني ما مدى تأثير هذه الوسيلة المتطورة على اللغة الكتوبِ بها. فلمّا تريد مثلا أن تقوم بشبه إحصاء أو لنقلْ استطلاع علمي على عينة من أفراد المجتمع المتعلم ونطلب منهم أن يكشفوا لنا عن رسائلهم الإلكترونية لغرض الاطلاع على “اللغة” التي يكتبون بها، فإنك لن تجد لا لغة بحروفها العربية ولا ترقيما ولا فاعلا ومفعولا به ولا جملة اسمية ولا أخرى فعلية.. بل تجدهم يستعملون الحروف اللاّتينية (التي يظن أغلبهم أنها فرنسية !) ليكتبوا رسائلهم معبّين ب “عربيتهم اللاتيناويَّة” (خليط من الحروف اللاتينية مع التركيب الشفوي التصوري الدّارج) ؛ وهذه الظاهرة تجدها عامة بل أصبحت قاعدة يجب على الفرد احترامها لأنه لو بعث المرسلُ برسالة إليكترونية يوظّف فيها لغة سليمة تحترم القواعد المعمول بها في النحو والإملاء والصرف (سواء العربية أو الفرنسية)، فإنه يصبح مسخرة لدى المرسل إليهم: “إنه قديم !”.
تأمّلوا مثلا هذه الرسالة الإلكترونية بعث بها متعلم إلى متعلم آخر: “win rak ? mazalni nassana fik qoddam l’arrêt ta3 el-jamia.. esm3 ki talhak bipé li .. ” ويقصد صاحبنا برسالته هذه  ما يلي: “أين أنت ؟ أنا لا زلت أنتظرك أمام الموقف المقابل للجامعة.. بلّغني لما تصل عن طريق هاتفك”.
لست أدري إن كان المرسل مستعجلاً ليبلغ صاحبه عن تأخره ما اضطره ليبتكر هذه “اللغة”، أو أنه لا يعرف الكتابة بالفرنسية وحتى بالعربية، أم أن هاتفه لا يحتوي حروفا عربية ؟ فقد كان عليه بكل بساطة أن يكلّمه مكالمةً (شفوية) فيبلغه ما أراد أن يقوله ويجنب نفسه كل هذا العناء ! كذلك لغة الإشهارات المستعملة لدى المؤسسات التجارية لما تقوم بالترويج لبضاعتها وسلعتها، فهي تفضل الطريق الأسرع و”الأجمل” والمبهر في جلب الزبون على حساب اللغة عربية كانت أم فرنسية.
فأحيانا تبهرك صورةٌ إشهاريةٌ ملصقةٌ في شارع من الشوارع تكلّمك بلغة باتت متداولة بين أفراد المجتمع المتعلم وغير المتعلم لن يكون لك خيارٌ إلا في تهجيتها.
ما دور الإملاء إذًا إزاء هذا كله (أو ما دورُ المدرسة بالأحرى)، بل ما الفائدة من تعليم الإملاء والنحو والصرف إذا كان تطبيقها لا يتمُّ فعلاً إلا في  المؤسسات التعليمية يوم الاختبارات والامتحانات ؟ هل هذا التطور المذهل لوسائل الاتصال الحديثة أضحى يهدد اللغة والكتابة على الأقل في نظامها الشكلي ؟ إن التطوّر مستمّرٌ على أية حال على كل المستويات الاقتصادية والتجارية والإشهارية والإعلامية- الإلكترونية والاجتماعية والثقافية والفكرية..، ونقصد بالتطوّر تلك الحركية الكونية الحتميّة نحو الأمام التي لا تعني بالضرورة انعكاسًا إيجابيا على ما استقرَّ لدى الأفراد والمجتمعات من تصورات ومعتقدات وقناعات تطمئن إليها، وإنما من أثر التغيير أن يحدث العديد من الاختلالات والاهتزازات في حياة الناس اليومية، ومن ذلك المؤسسات التربوية التي ليس عليها مواكبة المستجّدات والسير على موجتها فحسب، وإنما عليها أن تحلل طبيعة هذه المستجّدات -ذات الشأن الاجتماعي التربوي- بوعيّ كبير حتى يتسنّ لها رسم وتخطيط الاستراتيجيات الناجعة التي تمكّنها من البقاء على تأدية دورها –على الأقل- المتمثل في الحفاظ على هويتها وشخصيتها في صناعة الفرد-المواطن المتوازن مع ذاته وهويته ومجتمعه، من خلال المنهاج التربوي الذي يحدّد لغةَ التدريس (العربية عندنا) كأولى الأسس التي يرتكز عليها نجاح المنظومة التربوية من حيث النتائج والمردود ؛ والمقصود باللغة هنا كل تلك المفاهيم والمعارف التي يحتاجها الفرد لبناء نفسه: فلن تستقيم مفاهيمُ المواد التعليمية الأخرى استيعابًا وفهمًا وكسبًا على سبيل التربية العلمية، والتربية الرياضية، والتربية المدنية، والتربية الإسلامية، والتربية الفنية، والتاريخ والجغرافيا..، ولن تجد طريقها إلى المتعلّم ما دام هذا الأخير باقٍ جاهلاً قواعدَ اللغة مفتاحِ العلومِ، اللغةِ التي نتعلّمها حرفًا هجاءً ونكتبها جملةً نصًّا وننطقها تعبيرًا، ولن يُتاحَ لنا ذلك إلا بتعلمّ قواعدها النحوية والصرفية والإملائية قبليًّا.
المراجع:
( 1)- د. سعد ين عبد الله الحميد ؛ د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي ؛ المجلس الأعلى (الألوكة- المغرب).
( 2)- عبد الفتاح حسن، أساليب تدريس مهارات اللغة العربية وآدابها، دار الكتاب الجامعي،العين، الإمارات العربية، 2015 ، ص. 161 .
( 3)- سعد الدين أحمد، “الإملاء في اللغة العربية”، الطبعة الأولى، دار الراية للنشر والتوزيع، عمان الأردن، 2014 .
( 4)- ياسر خالد سلامة، الإملاء العربي: قواعد وتطبيقات، مركز الكتاب الأكاديمي للنشر والتوزيع – عمان، الطبعة الأولى، 2000 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.