الرئيسية / ملف العدد / الخطأ الإملائي والتعلّم الضّمني وطرائق تعليم القراءة والكتابة

الخطأ الإملائي والتعلّم الضّمني وطرائق تعليم القراءة والكتابة


إن ما يُثار حول مسألة إعادة العمل بطرائق القراءة المسماة ب “المقاطع الصَّوتية الصِّرفة” أن لها ارتباطًا بالإملاء، فمثلما أشارت إليه مؤخرا إيفلين شارمو Eveline Charmeux : “فبوضعنا الطفلَ أمام جمل خالية من العلامات الإملائية ذات الصّلة، نحن في الحقيقة نعوّده على عدم إعطاء أية أهميّة لمثل هذه العلامات، حتى في الوضعيات التي يجد فيها نفسه أمام نصّ به الكثير منها”. مثل هذا النوع من الطرائق يضع الطفل مبدئيا ضمن نظام يتمّ فيه تبسيطُ الكتابة الإملائية إلى أقصى حدّ مما يعود بالسّلب على العديد من التلاميذ. ولا شكّ أن الانشغال الكبير الذي تطرحه مثل هذه المنهجية مرتبطٌ بتحقيق الهدف التعلّمي الخاص بالقراءة المسترسلة الخالية من التلعثم.
غير أن بعض الأعمال التي تمّت مؤخرا في علم النفس (تلك الخاصة بالتعلّم الضمني) بيّنت أنه ثمّة علاقة وطيدة بين التحكّم في ضوابط الإملاء والقراءة المسترسلة ؛ وهذا هو الموضوع الذي سأتناوله في هذا النص وذلك بربط تعلّم القراءة بتعلّم التعبير الكتابي ووضع الخطإ الإملائي.
يقدم مشال فَيُول Michel Fayol في كُتيب موجّه للأساتذة الجدد المقبلين على مهنة التعليم النصيحةَ الآتية: “يجب دائما الحرصُ على ألاَّ يترسّخَ في ذهن الأطفال كتابةٌ إملائيةٌ خاطئةٌ، حتى لو كان ذلك في النشاطات الأخرى الخارجة عن ميدان اللُّغة”. ولكن ماذا عن الخطإ الإملائي لدى الطفل حديث العهد بتعلّمه القراءة والكتابة ؟ يدعو بعض البيداغوجيين وبخاصة جاك ديفيد Jacques David الخطأ الإملائي والتعلّم الضّمني وطرائق تعليم القراءة والكتابة صاحب المقال: ريمي بريسيو، ترجمة: عبد السلام عزيزي إلى تطبيق ما يسمّونه ب “الكتابات المبتكرة”، لكن “ابتكار” نمط إملائي معيّ انطلاقا مما هو يُسمع، أي إنتاج نصّ مكتوب من وجهة نظر صوتيّة- خطّية، يؤدي بالطبع إلى أخطاء إملائية: فمثلا الكلمة ” cadeau ” يمكن كتابتها خطأً ” ،”cado أو مثل الكلمة العربية المنوّنة “أمَلٌ” يمكن أن تكتب “أمَلُنْ”، أو”قُضاَةٌ” تكتب بالتاء المفتوحة “قُضَاتٌ” بشكل معقول عند السمع. هل توصية فَيُول تتناسب حقيقة مع حالة الطفل المبتدإ الذي دخل في أيامه الأولى في تعلّم الكتابة ؟ يُستحسن في هذه الحالة التشجيعُ من البداية على الإنتاج الكتابي من دون ارتكاب الخطإ مثلما علّمنا بيداغوجيون آخرون القيامَ به ومنهم على وجه الخصوص دانيال دوكيزر Danielle De Keyzer وميشلين دوما .Micheline Dumas
يبدو اليوم من غير الممكن تناولُ نقاش مثل هذا من دون الرّجوع إلى الأعمال التي أُقيمت حول التّعلّم الضمني، فقد حدث تغيير هام منذ 15 سنة في كيفية التنظير لمسألة التّألية أو الآلية automatisation في ميدان الكتابة (أي كيفية الوصول إلى قراءة مسترسلة أو إلى تعبير كتابي خالٍ من الأخطاء الإملائية من دون بذل مجهود كبير مثلا). قام علماءُ النفس على ضوء الأعمال التي قام بها الباحث الأمريكي لوغان Logan بالربط بين قطاعيْ اثنيْ من الأبحاث تمَّ تطويرُهما بشكل مستقل في البداية: أبحاثٌ حول التّألية أو الآلية، وأبحاثٌ حول التّعلم الضِّمني. وبحوزتنا اليوم نصٌّ جدّ رائع لجان إيميل غامبير Jean-Emile Gombert حول مكانة التعلمات الضمنية في تعلّم الكتابة من دون أخطاء إملائية، صدر في مجلة Cahiers pédagogiques في عددها ال 422 ، مارس 2004 ، والذي سأرجع إليه مرارا في بحثي هذا.
يتطرق غامْبير في حديثه عن التعلّم الضّمني إلى دور القياسات الخطّية-الشّكلية في معالجة المنتوج الكتابي لدى المتعلّم المبتدإ. وللتذكير فإننا نسمي هذا بالإستراتيجية التي يعتمدها الطفل الذي يكتشف مثلا المقطعَ الأوّلَ في قراءة كلمة ” matin ” لأنها تبتدئ مثل الكلمة ” maman ” ؛ ومثالنا في ذلك في العربية الكلمة “مَاء” التي يكتشفها لأول مرة دون صعوبة لأنها تبتدئ مثلَ “مَامَا” الكلمة التي يعرف قراءتها بل ويعرف كتابتها ؛ ذلك أن بداية الكلمتيْ matin” ” و ” maman ” أو “مَاء” و”مَامَا”، تشكّل تماثلاً أو تشابهًا خطّيًا ما يجعل الطفل يستنتج من ذلك تشابهًا صوْتميّا فونيميّا (فكما أنه يعرف كتابة “مَامَا” فهو لا يستعمل فقط “مطابقة زوجية شكلية” وإنما أيضا مطابقة ثنائية مدمجة للحرفين “م” و “ا” بشكل منظم).
هذا وقد كان موضوع مكانة القياسات الخطّية- الشّكلية في بيداغوجيا الكتابة والتعبير الكتابي في لبِّ نقاش سابق حاولنا إبرازه قبل ثماني سنوات مع أنْدري أوزُولياس André Ouzoulias أثناء صدور أحد كتب المرصد الوطني للقراءة ( ONL ): لمساعدة الأطفال على اكتشاف المبدإ الأبجدي (الذي يقوم على قاعدة B => A= BA ، بما يقابله بالعربية: ب ا = باَ، أو ب و = بوُ)، هل نحن متأكّدون أن تعليمًا مباشرًا للغاية يقوم على هذا المبدإ هو الحلّ البيداغوجي الوحيد الذي يمكن اعتماده ؟ من جانب آخر، فإن النقاش الخاص بمسألة الخطأ الإملائي ليس إلا امتدادا للنقاش السابق وأن النقاشيْ سيشهدان من دون شك تطويرا مميزا في السنوات القادمة.
ظهر نقاشٌ آخر هذه الأيام حول هذا التوجّه البيداغوجي المسمّى عموما ب “الكتابات المبتكرة”، وجاك ديفيد الذي اجتهد كثيرا في دراسة عملية إدخال هذا الأسلوب والعمل به في القسم مع التلاميذ، يدافع عن هذا التوجه انطلاقا من تجربته الخاصة. واعتراضا على هذا الموقف، يظهر لي من الواجب وضع تحذير لورانس ريبان Laurence Rieben بعين الجديّة إذْ تقول: “مثلما نشكّ فيه، فإن الأعمال الموجودة حاليا لم تثبت مصداقية الفرضية التي تقول بأن اعتماد الكتابات المبتكرة يمكنه أن يكون له لاحقا أثرٌ سلبيٌّ على الإملاء وبخاصة على الكلمات غير النظامية “mots irréguliers”.
ولماذا يجب الأخذ بعين الجديّة مثل هذا التحذير ؟ أولاً لأن الرّهان كبير: فالأمر لا يتعلّق فحسب بمعرفة إذا ما كانت الكتابات المبتكرة يُفضّل تطبيقُها في هذه البيداغوجيا أو تلك، وإنما بمعرفة إذا ما لم يكن للمربي -وهو يطبق هذا الأسلوب- أثرٌ سلبيٌّ على تعلّم قواعد الإملاء ؛ فالخطر يكمن إذًا في منع التطور، ومثل هذا الخطر لا يمكن لمعلم أن يقبل به إلا في حالة ما إذا كان التطور المنشود يظهر ثانويا، بمعنى يمكنه أن يؤجّل إلى وقت لاحق. وهذا ما يأتي تلقائيا إلى ذهن العديد من البيداغوجيين لما نكلّمهم عن تعلّم قواعد الإملاء، كما أن هذه الكلمة الأخيرة تثير لديهم جملة من المهارات التي تسمح بتطبيق إملاء بيفو Pivot من دون ارتكاب “أخطاء” كثيرة.
لما يتكلّم بيداغوجيون مع علماء نفسانيين بخصوص قواعد الإملاء، فهم غالبا من يكونون ضحية سوء تفاهم هؤلاء وأولئك، إذْ لما يُنطق بكلمة “إملاء” يثير ذلك لدى علماء النفس خاصيات جدّ مختلفة عن تلك التي تأتي تلقائيا في ذهن أي شخص آخر وهو يتذكّر الكيفية التي تعلّم بها “قواعد الإملاء المدرسية” ؛ فالعالم النفساني لا يرى أن الضبط الإملائي مهم بالنسبة للكتابة فحسب، بل يراه مهما أكثر بالنسبة للقراءة !.
هل نتعلّم الكتابة السليمة من أجل أن نتعلّم القراءة ؟
بالنسبة للعديد من علماء النفس فإن تعلّم القراءة وتعلّم الكتابة )السليمة إملائيا( هو الشيء نفسُه. كما أن علماءَ النفس أنفسَهم يستعملون صفةَ “الخطّي” أو”الشكلي” لتوصيف قراءة الخبير، بمعنى “القراءة الخطّية-الشّكلية” ؛ ولأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن القراءة المؤيَّلة lecture automatisée بالنسبة للخبير هي قراءة خطّية شكليّة، يكفي ملاحظةُ أنه مقابل كلمة مجهولة لا يستعمل هذا الخبيرُ التحويلاتِ غرافِيم/فُونِيم أو روْسم/صوْتَ – graphèmes phonèmes ، وإنما يستعمل المطابقات الممكنة بشكل أوسع على مستوى الوحدات الخطيّة الرسمية الهامة.
ومثلما بيّنه غامْبير في مقاله، فإن اعتماد القياسات الخطّية يظهر بداية من الطور الابتدائي لدى الأطفال (وغالبا ما يكون ذلك مع الوحدات الخطّية القصيرة: فَتَ، بِئْر..). أضف إلى ذلك أنه لما لم يتم تعليم استعمال القياسات الخطيّة في قسم من الأقسام الابتدائية، إلا أننا نلاحظ وجوده لدى تلاميذ هذا القسم، فهم يعتمدون هذه القياسات من دون وعي منهم ! وبما أنه يجب اعتبارُ أن تلاميذ الأقسام الابتدائية هم متعلّمون مبتدئون في القراءة، يجب أيضا وفي الوقت نفسه التأكيد على وجود جزء من الخبرة لدى هؤلاء المبتدئين )أي ينتهجون في هذه الحالة نوعا من المعالجة المؤيَّلة -نسبة إلى الآليّة- التي تتمُّ بشكل تلقائي لاشعوري(. وعليه فلما نهتمّ بدور الإملاء في طرائق تعليم القراءة، فإنه يمكن لهذه الأخيرة أن تصنّف حسب اقترابها مع أحد القطبين المتطرفين التاليين:
– من جهة، الطرائق التي وصفناها مع أوزُوليَاس وفيشِر ب “الطرائق الشكليّة-الخطّية” méthodes orthographiques ، تلك التي تفضّل استعمالاً صريحًا للقياسات الخطّية وتهدف إلى “تنمية روح المعاينة والكشف” التي نجدها لدى كل متعلم مبتدئ في القراءة والكتابة. تهدف هذه الطرائق أساسا إلى أن يكتشف الأطفال في النهاية المبدأ الأبْدي، وتتيح من جانب آخر لهؤلاء بأن يفكّروا أكثر أثناء مختلف الوضعيات في الكتابة الصحيحة إملائيا (تشجيعا على اتباع المنهج القياسي !)، كما أنها لا تفرض على الأطفال أن يكتشفوا جميعُهم المبدأ الأبْدي في نفس الوقت أو وقت قصير جدّا. أما لغرض انتاج كتابة خطيّة سليمة من الأخطاء الإملائية، فإن الأطفال مدعوون ليجدوها في النصوص ذات المرجعية الدلالية أو عند المعلم بعد طلب مساعدته.
– ومن جهة أخرى، الطرائق الأكثر شيوعا وهي “الطرائق الفُونيمِيَّة” méthodes phonémiques ، أي نسبة إلى الصوت أو الصّوْتَ، التي تهدف إلى أن يكتشف الطفلُ بأسرع ما يمكن المبدأ الأبْدي بمعنى يتصوّر أو يكوِّن مفهومًا بأسرع ما يمكن عن هذه الكيانات المجرّدة التي هي أصواتُ الحروفِ منطوقةً. لا يهم كثيرا في هذه الطرائق أن تؤدّي تصوراتُ الطفل أثناء النشاط أو التطبيق إلى أن يرتكب في كل مرة أخطاء فيما يكتبه، فالضبط الإملائي ليس أولوية من وجهة نظر هذه الطرائق، كما أن تطبيق بيداغوجيا الكتابات المبتكرة له مكانته في هذا النوع من الطرائق، وهذا يساعد على اكتشاف تفكيك المقاطع الصَّوتية-اللفظيّة إلى فُونِيمات وتطبيق عملية التفكيك هذه وتقوية الجمع بين فونِيم وغرافِيم (صوت الحرف وصورته الخطيّة). كما يؤدي هذا التطبيق بالمبتدئين على الأقل إلى ارتكاب عدد كبير من الأخطاء الإملائية لأنهم يعتقدون أن لكل صوتَ أو فونِيم معيّ تمثيلاً خطيًّا ؛ ومع ذلك فإن هذه المنهجية البيداغوجية تندرج بكل بداهة ضمن البيداغوجيا النشيطة بل وحتى البيداغوجيا التفاعلية، مثلما أنها تبيّنت ناجعةً في تمكين عدد كبير من الأطفال من أن يكتشفوا سريعا المبدأ الأبْدي، فاستعمالها يبدو منسجما خصوصا مع خيار الطريقة الفُونِيميّة.
طريقة “خطّية شكليّة” أو طريقة “فونِيميَّة” ؟
يظنّ البعض أنهم قادرون على الإجابة بكل بساطة عن هذا السؤال انطلاقا من الملاحظة الشائعة أنه يوجد قُرّاء يحسنون القراءة بشكل جيد ولكنّهم لا يحسنون الكتابة إملائيا في اللحظة التي يُطلب منهم فعلُ ذلك (تجدر الإشارة إلى أن كل مُيدٍ للقراءة لأي لغة مكتوبة كالفرنسية مثلا يملك بالضرورة كفاءة معالجة المسألة الخطّية في وضعية القراءة !). فتفسيرهم لهذه الملاحظة هو كالآتي: هذا يُثبت أنه أصعبُ على المرء أن يكون خبيرًا في خطِّ أو كتابةِ نصوصٍ خاليةٍ من الأخطاء الإملائية من أن يكون خبيرًا في القراءة. ومثلما يظهر معقولاً البدءُ من أسهل الأمور، فإنه يبقى من الأحسن أن يتعلّم التلاميذُ القراءةَ أوّلا، ويجب التوقف عن خلق التوتر حول الضبط الإملائي ؛ غير أنه من جانب آخر، فالملاحظة التي تقول أنه يوجد الكثير ممن يُسن القراءة ويرتكب أخطاء إملائية بيّنة، يمكن تفسيرهُا أيضا على أن ذلك راجع إلى الاعتماد على الطرائق الفُونيميَّة الأكثر استعمالاً. يبدو واضحا إذًا أن الطرائق الفُونيميَّة هي طرائقُ فعّالةٌ، وإلا لكان قد تمَّ التّخلي عنها منذ زمن بعيد ولمَا تسارع عليها المعلمون لمَّا يشعرون أنهم دخلوا في مرحلة شكّ نظرية.
وإذا كان المعلمون لا يأخذون الضبط الإملائي كركيزة أثناء النشاط الكتابي للمساعدة على المعالجة الخطّية في وضعية القراءة، فيبقى من الطبيعي وجود حالات حيث نرى المعالجةَ الأقلَّ صرامة من وجهة نظر التوظيف المعرفي (الخاصة بالضبط الإملائي أثناء القراءة) هي التي تتأيَّل s’automatise(أي تتمُّ بطريقة آليّة) وليس المعالجة الأكثر صرامة (الخاصة بالمنتوج الكتابي). يمكن للمدافع عن الطريقة الخطّية- الشّكلية الذي يفكّر بهذا الشكل أن يخلُص إلى ما يلي: “يا لها من خسارة كون البيداغوجيين لم يختاروا الطريقة الخطّية-الشّكبية ! لأن هذا الخيار لو تمَّ لكان سمح للنوعين الاثنين من المعالجة من أن يكون لهما كلفةٌ معرفية ضعيفة !”. نرى أنه لما نبحث كيف نتجنّب المعقول لغرض استخلاص النتائج ذات المصداقية انطلاقا من الوقائع، فإن التفسير الأول الذي يأتي إلى الذهن يفقد حينها وضوحه وبداهته.
إذا كنا أثَرْنا موضوع هذا النوع من الملاحظات الشائعة، فيجب أيضا التذكير بالملاحظة الأخرى من نفس النوع التي تقول أن كلّ “المُجِيدين للكتابة من دون أخطاء إملائية هم أيضا قرّاء مُيدون للقراءة”. لم يجد بروكس Brucks وواترز Waters في دراسة لهما ( 1990 ) على 343 تلميذا من قسم الثالثة ابتدائي وعلى 357 تلميذا من قسم السادسة ابتدائي أيَّ إثبات يعارض هذه الملاحظة ! وقد توصّلت إيلسا إيم Elsa Eme وكارولين غولدر Caroline Golder في دراسة أخرى لهما قامتا بها حديثا، إلى نتائج متقاربة مع تلاميذ قسم السنة الثانية ابتدائي. يمكن للمدافعين عن الطريقة الخطّية-الشّكلية أن يستعملوا هذه الملاحظات بالشكل التالي: كما أن كل مُيد للكتابة بدون أخطاء هو أيضا قارئٌ جيّد، بتطوير سلوك “الكاتب الجيد”، فإن هذا يعني أنه سيتمّ أيضا تطوير سلوك القارئ الجيد ! لكن يمكن للملاحظة السابقة أن تُفهم هنا أيضا من وجهة نظر أخرى مختلفة: لتفسير أن كل من يُيد الكتابة (السليمة من الأخطاء الإملائية) هو قارئٌ جيّد، يكفي اعتبار أن كتابة نصّ خالٍ من الأخطاء الإملائية -مهما كانت الطريقة المتّبعة- هي أكثر صعوبة من تعلّم القراءة. مرة أخرى، لصعوبة معرفة ما هو السبب وما هي النتائج المترتّبة عنه، لا يُكننا أن نجزم بالحكم بين هذين التفسيرين.
والخلاصة تفرض نفسها كما يلي: لا يسمح هذا النوع من الملاحظات بالحكم بالقطع لا لصالح هذا الاتجاه أو ذاك ! ومن أجل أن نحرز تقدما أفضل، يجب أن يكون اهتمامنا بمميّزات وخاصيّات المبتدئين في مرحلة معيّنة من مسارهم التّعلّمي أقلَّ من اهتمامنا بدينامية هذا التعلّم ؛ هذا ويتّفق كل من المدافعين عن الطريقة الخطّية-الشّكلية والمدافعين عن الطريقة الفُونِيميَّة في كون الخبيرِ بالقراءة يستعمل الضبطَّ الإملائي ليقرأَ، مما يعني أن المعالجات الملائمة تأتي بشكل آليٍّ. كما يجدر الاهتمام أيضا بالمسألة الآتية: كيف نتصوّر اليوم تألية المعالجات -أي العملية الآلية الذاتية التي تتمّ- في ميدان الكتابة من وجهة نظر إملائية ؟ فهل العدد الكبير من الأخطاء الإملائية المرتكبة في بداية التعلّم يعدُّ كبْحًا للآليَّة، أم أن سيْورة هذه الآليَّة مستقلة عن عدد الأخطاء الإملائية المرتكبة ؟ يرى معظم علماء النفس أن الآليَّة التي تتمُّ أثناء المعالجات الكتابية الخطّية لها ارتباطٌ كبير مع التعلم الضّمني للتركيبة الإملائية لهذا الذي يُكتب. لكن ما الذي يُقصد بالتّعلّم الضّمني ؟
التعلّم الضمني: ملخص نصّ غامْبير :Gombert
* بعض عناصر تعريف التعلّم الضمني:
– “الفرد الذي يكون في مواجهة محيط مهيكل، سيُدرك بالتدريج هيكلة هذا المحيط من دون أن يشعر بذلك”.
– “هذا النوع من السيْورات الذي يُترجم إلى وضع وتثبيت معارف من دون علم الفرد، يلعب من دون شكّ دورا هاما في تعلّم القراءة”.
– “تتحرّك هذه المكتسبات بمجرد أن يصبَّ الطفل اهتمامه بشكل متكرر حول المكتوب، قبل إصدار التعليمة الشكلية إمكانا”.
* حول الكيفية التي تتَمفْصل بها التعلّماتُ الضمنية والتعلّمات الصريحة:
– “يُكن أن يُتصوّر تعلمُ القراءة بهذا الشكل على أنه عملية تعاونية قائمة بين تعلّمات صريحة وتعلمات ضمنية”.
– “يحمل محرّك التعلّمات الضمنيّة طابعًا تكراريًّا تواتريًّا.
– “على عكس التعلّمات الصريحة التي تتطلب جهدا إراديا لحفظ المكتسبات الجديدة في الذاكرة، يتغذى التعلّم الضمني من التكرار البسيط للانتباه المنصبِّ على مواضيع المعرفة”.
– “ينتج عن تعليم القراءة في الأقسام التحضيرية اهتمامٌ أكبر في التعامل مع فعل الكتابة، وعليه يكون للتعلّمات الصريحة -التي لا يمكنها أن تحلّ محلَّ التعلّمات الضمنيَّة- أثرٌ مباشرٌ على هذه الأخيرة بحيث تقوم بمضاعفتها”.

* حول الكيفية التي يُشارك بها أحدُ التعلُّميْن في الدخول إلى آليَّات القراءة:
– “إن الذي يعدُّ آليًّا في المعالجات على مستوى كل خبرة في القراءة (بما في ذلك مستوى المبتدئين) هو البروزُ السّلوكي للمستوى الفعلي للمعارف الضمنيَّة”.
– “بالموازاة، يكوِّن التعلّمُ الضّمني (الواعي) للقراءة (والإملاءِ) والفرضيّاتُ التي يتمثّلها التلميذ تدريجيًّا، جملةً من المعارف الصريحة التي بإمكان القارئ أن يستعملها عن قصد لتكملة أو ضبط منتوج المعالجات الآليَّة. وبكونها أساسيةً في تطوّر الإجابات الآليّة عن طريق التعلّم الضمني، لا يمكن لهذه المعارف أن تصبح آلية من تلقاء نفسها”.
تعدّ هذه النقطة الأخيرة الأكثر أهمية، لأنه على هذا المستوى تحدث القطيعةُ مع “النظرية المعرفيّة الكلاسيكيّة”. فلما نتبنّ وجهة نظر “النظرية المعرفية الكلاسيكية” مثلا، يُكن أن يُفكَّر في تعلّم القواعد النحوية والصرفية بالشكل التالي: بعد العمل في البداية على دفع التلاميذ إلى التفكير حول جمل تستدعي كتابتها الإملائية قاعدة نحوية أو صرفية، يقوم المعلم بشرح هذه القاعدة للتلاميذ ؛ ثم يقوم هؤلاء باستعمالها ب “شكل مضبوط” أي بمراعاة تطبيقها الجيد. سيسمح هذا الاستعمال للتلميذ ب “صقل” تطبيق القاعدة مما يؤدي إلى كسب “الآليَّة”، أي إلى استعمال هذه القاعدة من “دون كلفة معرفيّة”، وبهذا الشكل يصبح التلاميذ قادرين على كتابة نصّ خال من الأخطاء الإملائية والنحوية والصرفية “من دون جهد”.
وحسب الكيفية الجديدة في التنظير للآليَّة، فليس بهذا الشكل يصبح الأطفالُ خُبراءَ في كتابة نصٍّ خالٍ من الأخطاء الإملائية والنحوية والصرفية، وإذا كانت التمارين المتكرّرة في القواعد النحوية والصّرفية تؤدي بشكل جيّد إلى “صقل” استعمالها ونقص من “تكلفتها المعرفية”، فهي لا تؤدي مع ذلك في الوقت نفسه إلى الآلية. إن استعمال القواعد يحفظ دائما “كلفة معرفيّة” لا يُستهان بها، ومثلما يقول غامْبير في حديثه عن المعارف الصريحة: “هذه المعارف، لا تصبح آلية من تلقاء نفسها”. نرى اليوم أن “الذي يعدُّ آليًّا في المعالجات على مستوى كل خبرة في القراءة (بما في ذلك مستوى المبتدئين) هو البروزُ السّلوكي للمستوى الفعلي للمعارف الضمنيَّة”. فليس لأن استعمال القاعدة له “كلفة معرفية” معدومة، يعني ذلك أنه ثمة آليّة، وإنما اللقاء المتكرر مع الكتابة الإملائية الجيدة في السياق الكتابي الذي له تركيبة نحوية وصرفية مشتركة، هو الذي يؤدي إلى أن تأتي هذه الكتابة الإملائية الصحيحة إلى الذهن من دون استعمال القاعدة.
يسيء معظمُ البيداغوجيين فهمَ مفهوم التعلّم الضمني، فهم يجهلون أن هذا الشكل من أشكال التعلم “يلعب من دون شكّ دورا هاما في تعلّم القراءة”. فلمّا نكلّمهم عن التعلّم الضّمني ترى أغلبهم يبدي تحفظا من الموضوع مباشرة، ربما يشعرون أن حقّا من حقوقهم قد سُلب ! والطريقة لرفع هذه التحفظات يجب تناول هذه الأخيرة مباشرة وفي آن واحد بالحرص على الإجابة على الاعتراضات كما هي أو مثلما يأتي معبّرًا عنها في الغالب. أول هذه الاعتراضات يقول أن التعلّم الضّمني قد يكون غير ديمقراطي، والثانية مفادها أن هذا المفهوم لا يأتي بشيء جديد: نحن نعلم منذ زمن بعيد أن الكتابة المعجميَّة أو المفرداتيَّة يتمُّ تعلّمُها بصفة ضمنيّة، بينما يتمّ تعلّمُ الكتابة النحوية والصرفية بصفة صريحة. وبما أن الأخطاء الإملائية ليست جسيمة عموما (ما عدا في نظر متطرّفي الإملاء)، فلماذا نولي كل هذه الأهمية لمفهوم التعلّم الضّمني ؟.
هل يمكن للتعلّم الضّمني أن يكون غير ديمقراطي ؟
في الحقيقة ليس من السهل استعمال مفهوم التعلّم الضّمني، وعادة ما نعطي صياغات غير مناسبة في الموضوع، وهكذا تبيّ أن هذه الفكرة التي تقول أن “التعلّم الضّمني قد يكون غير ديمقراطي” لا معنى لها ! فهي تكاد تتساوى في المعنى كالذي يقول: “المحيط الأطلسي غير ديمقراطي”، أو “الفخّار غير ديمقراطي”، إلخ. التعلّم الضمني مثله مثل المحيط الأطلسي أو الفخّار، ليس مخلوقًا خلقه الإنسان، وعليه فهو لا يخضع للأحكام من مثل: ديمقراطي أو غير ديمقراطي، محبّذ أو غير محبّذ، إلخ. إن الخاصيّة الأساسية التي يتميّز بها التعلّم الضّمني تتمثّل في المقولة الآتية: “لا يُكننا أن لا نتعلّم بصفة ضمنيّة !” فهو جزء من الطبيعة مثلما هو المحيط الأطلسي والفخّار جزآن منها. لما يصبّ المرءُ انتباهه نحو عناصر لوضعية ما، يملك حينها الاستعداد لأنْ يتصرّف لاحقا أمام الوضعيات المماثلة كما لو كان “الْتقط” الخاصيات البنيويَّة لهذه الوضعية ؛ ويبقى هذا صحيحًا لما تكون الخاصياتُ البنيويّةُ المذكورةُ شديدةَ التعقيد! فالتعقيدُ البنيويُّ الذي تتميّز به اللغةُ الفرنسيةُ مثلا على مستوى التركيبة الإملائية لا يشكّل إذًا عائقًا: يبدأ التعلّم الضّمني في الوقت الذي يبدأ فيه الطفلُ صبَّ انتباهه حول المكتوب (أي الكلمات والجمل التي يعاينها ثم يحاول كتابتها).
تشتغل هذه الخاصية الهامة للتعلّم الضّمني فيما هو أحسن وفيما هو أسوء: فلمّا نقرأ كلمةً كُتبت دون خطإ في جملة خالية من الأخطاء الإملائية، نتعلّم الضبطَ الإملائيَّ الكامنَ فيها بصفة ضمنيّة ؛ ولما نقرأ كلمة كُتبت خطأً في جملة بها أخطاء إملائية، فإننا نتعلم كيف نخطئ إملائيا، شئنا أم أبينا. ولما نكتب بشكل خاطئ.. فذلك أمر أسوء ! يكون الانتباه بالطبع منصبّا أكثر على مهمة تقوم على فعل الكتابة منه على مهمة تقوم على فعل القراءة، مما يعزّز من التعلّم الضمني. بإمكاننا أن نبيّ أمام بعض الطلبة الجامعيين باستعمال مفردات لغويّة معجميّة علميّة رفيعةِ المستوى يجهلونها تماما، أن عملا كتابيا واحدا خاطئا يكفي لوحده أن يربك ويخلَّ بتوازن “المعرفة الإملائية” التي بدأت تسعُ قراءات كاملة في تثبيتها (المهم أن تأتي الكتابة الخاطئة مستساغة بخاصة على المستوى الغرافو-فونولوجي، أي الخطّي-الصَّوتي).
يجب إذًا الحذر من ترك الأطفال يرتكبون أخطاء كثيرة في وضعية الكتابة.
يبدو إذًا واضحا أن الفكرة التي تقول أن التعلّم الضّمني قد يكون أسلوبا غير ديمقراطي، قد صيغت صياغة سيئة، فإلى ماذا ترمي هذه الفكرة ؟ لنذكّر أن التعلّم الصّريح لا يُكن الاستغناء عنه لأنه يحفّز ويعزّز التعلّم الضّمني. يصاحب التعلّمَ الصّريحَ تزايدٌ في التواتر (أو التكرار) الذي بفضله يتمكّن الطفل من التحكّم في الكتابة وما دام محرّك التعلّم الضّمني هو هذا التواترُ نفسُه، فإن التعلّم الصّريح يزيد من أثره ومفعوله، حتى وإن كان ذلك يتمّ بشكل غير مباشر.
الحقيقة أن وراء فكرة “التعلّم الضمني قد يكون غير ديمقراطي”، هو أن الغياب الممكن للتعلّم الصّريح هو الذي يجب أن يُعتبر غير ديمقراطي (وليس التعلّم الضّمني نفسه). ولكن مرة أخرى، يمكن لأثرِ الزيادة هذا المتعلقِ بالتعلّم الصّريح أن يشتغل بالإيجاب أو بالسّلب. لنر مثلا حالة معلم واجه تلاميذُه في عدّة نصوص كتابةَ الكلمتين الآتيتين: sapin” ،”lapin” ” ؛ أو بالعربية مثلاً “وِدَاد” و”مِدَاد”. يقوم هذا المعلم بشرح لهم أن هاتين الكلمتين لهما ثلاثة حروف مشتركة، ثم يلفت نظرهم إلى العلاقة الموجودة بين التشابه الخطّي والتشابه الصَّوتي: ففي كلتا الكلمتين نسمع اللفظ ” apin “، واللفظَ “دَاد” في العربية ؛ ثم بعدها يطرح على تلاميذه السؤال الآتي: لماذا هاتان الكلمتان لا تُنْطقان بنفس النّطق تماما ؟ وهذا النوع من النشاط تعبّ عنه الباحثة لورانْس ريبَان بالجملة الآتية: “لا نترك الفرص تنفلت منا” أثناء الوضعيات المعقّدة للقراءة والكتابة. وهذه الممارسة البيداغوجية تناسب تعليمًا صريحًا ثلاثيَّ الأثر:
-1 بإمكان بعض التلاميذ اكتشاف المبدإ الأبْدي.
-2 يستفيد كل التلاميذ الذين تابعوا هذه اللحظة البيداغوجية من التعلّم الصريح لكتابة هاتين الكلمتين إملائيا.
-3 حتى لو كان أحد التلاميذ غير منتبه في هذه اللحظة البيداغوجية، وسبق له أن قرأ هاتين الكلمتين في وقت من الأوقات، فإن كتابتهما الإملائية ستتعزّز لديه عن طريق التعلّم الضّمني.
بالمقابل إذا كان التعلّمُ الصّريحُ مثله مثل منهجية “الكتابات المبتكرة” يتيح هو أيضا الإمكانية للأطفال لاكتشاف المبدإ الأبْدي، فليس له مع ذلك نفس الأثر على التعلّم الضمني ؛ إلا أن هذه المنهجية تدفع بالتلاميذ أو بالبعض منهم إلى الاعتقاد على الأقل في البداية أنه بمقدورهم اختراع الكتابة الإملائية، مما يؤدي إلى “تحفيز” تعلّم الأخطاء الضمني لأن التلاميذ سيقعون في كثير منها (“بَيْتٌ” تُكتب “بَيْةٌ”، أو “فُسْتَانٌ” تُكتب “فُسْتَانُنْ”) ! ولهذا يبدو لي من الأجدر الحذر والتّيث قبل ترك التلاميذ يتصوّرون أنهم قادرون على ابتكار الكتابة الإملائية.
هل تعلُّمُ الإملاء المعجمي يتمُّ بصفة ضمنيّة وتعلُّمُ الإملاء النحوي والصّرفي يتمّ بصفة صريحة ؟
الإجابة على هذا السؤال هو بالنّفي: الإملاء المعجمي والإملاء النحوي والصّرفي يُتعلَّمان في الوقت نفسه بصفة صريحة وضمنيّة. أما بخصوص الإملاء المعجمي فيجب التمييزُ بين حالة الكلمات ذات التركيبة التشكيليَّة-المورفولوجيَّة المعقّدة (الأفعال المزيدة مثلا)، وبين حالة الكلمات ذات التركيبة التشكيليَّة-المورفولوجيَّة البسيطة (الأفعال المجرّدة الثلاثية والرباعية مثلا). لكن لنذهب في أول الأمر إلى ما هو أهم: يكفي مثلا جمعُ في قائمة واحدة كتابة الكلمات: “.., lien, bien rien “، بما يقابلها بالعربية جوازًا: “خَيْلٌ، كَيْلٌ، مَيْلٌ، سَيْلٌ..” ثم قراءة هذه القائمة، حتى يحصل تعلّمُ كتابةِ هذه الكلمات إملائيا بصفة صريحة، ذلك أن هذا النشاط يبيّ ويفسِّر خاصيَّةَ التماثلِ أو التشابهِ بين الخطِّي والصَّوتي، القائمةَ هنا على قافية هاتيْ الكلمتيْ أحاديتيْ المقطع .monosyllabiques ولكن في الوقت نفسه نتعلّم هذه الكتابة الإملائية بصفة ضمنيّة لأن مثل هذا التعلّم الضّمني لا يمكن الاستغناءُ عنه في أي حال من الأحوال. وبنفس هذه المنهجيّة المتعلّقة بالإملاء المعجمي دائما، فوضع كلمة ” femme ” في قائمة تحتوي على كلمات مثل: flamme, rame, dame” “، وبالعربية ما يقابله جوازًا وضع الكلمة “دَاوُودُ” في قائمة تحتوي على كلمات مثل: “عُقُودٌ، فُهُودٌ، أُسُودٌ”، يعني أن الطفل يتعلّم هذا الاستثناء بصفة صريحة وضمنية.
أما بخصوص الإملاء النحوي والصّرفي فإنه يبقى من البديهي أن شرح قاعدة نحوية أو صرفية يتمّ عن طريق التعلّم الصّريح. ولكي يأتي هذا الشرح واضحًا، يجب أن تكونَ الأشكالُ أو الصّور الخطّيّة المناسبة حاضرة وتُكتبَ صحيحة: إذْ أن حضورها والانتباه إليها بجدّ يدلاّن على أنه يوجد ثمّة بالضرورة تعلّمٌ ضمنيٌّ. وهنا أيضا نجد التعلّميْ الاثن يْ الصّريحِ والضّمنيِّ حاضريْن في الوقت نفسه.
فالفكرة التي تقول أن الإملاء المعجمي يُتعلَّم بصفة ضمنيّة وأن الإملاء النحوي والصّرفي يُتعلَّم بصفة صريحة، تبدو إذًا أنها قد صيغت صياغة خاطئة. في الحقيقة لما يتعلّق الأمر بالتفكير في الكيفية التي يحدث بها التّمفْصلُ بين التعلّم الصّريح والتعلّم الضّمني لإحراز التقدم في الإملاء، فإن الخاصيّة الأساسية ليست تلك التي تميّز الإملاء المعجمي عن الإملاء النحوي والصّرفي، وإنما هي تلك التي تميّز بين البساطة والتعقيد المورفولوجيين ؛ فلما تكون كلمة ذات تركيبة مورفولوجيّة معقّدة، يُكن لكتابتها -رسمًا وخطّا- أن تُربط علاقةً مع كتابة كلمات أخرى:
( feuillage/feuille, chanteur/chant ; chant/chantent, feuille/feuilles ..)،
أو بما يقابله بالعربية جوازا:
(اسْتَكْتَبَ/كَتَبَ، مُكْتَتِبٌ/ كِتَابٌ ؛ أو أيضا كِتَابٌ/كُتَّابٌ، بَنَاتٌ/بُنَاةٌ..).
وبالنسبة للكلمات البسيطة فإن الأمر يختلف: إذْ أن القياسات الخطّية-الشّكلية نجدها من وجهة النظر هذه عرَضيةً مثلما رأينا في المثال السابق: lapin” “و” .”sapin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.