الرئيسية / ملف العدد / الإملاءُ العربيّ: كفاءاتُه وصعوباتُه

الإملاءُ العربيّ: كفاءاتُه وصعوباتُه


تمهيد
الإملاءُ هو أحدُ الطّرقِ الأساسية للوصول إلى مهارة إتقان اللغة، فالمعلِّم الذي يريد النهوضَ بمستواه اللُّغوي، ومساعدةَ مُتمدرسيه على حبِّ اللغة  والتَّماهي مع قواعدها وأسرارها عليه أن يُتقن فنَّ تدريس الإملاء في جملة ما يقدم من فروع لغوية إلى تلاميذه، لأن معطياتها التدريسية محدودةٌ مقارنة بمعطيات النحوِّ والصرف. وتطبيقاتها باهرةُ النتائج في مجالي القراءة والكتابة، وما يدور حولهما من تحليل سليم لأيِّ شيء يُقرأ، وقدرة موازية عن أي خاطر أدبيٍّ أو علميٍّ يدور في الذهن بطريقة كتابية أو شفوية، وهو ما يَشدّنا إلى هذه الزاوية من خلال الكفاءات التي تنْبني على تحقيق الإملاء، وكذا الصعوبات التي تعتري إتقان هذا الفنِّ.
أولا: الإملاء والقراءة: مفهومهما والعلاقة بينهما
أ. مفهوم الإملاء: الإملاء هو نظامٌ لغويٌّ معين، موضوعه الكلماتُ التي يجب فصلها والتي يجب وصلها، والحروف التي تُزاد والحروف التي تحذف، والهمزة  بأنواعها المختلفة، سواء أكانت منفردة أم على أحد حروفِ اللّين الثلاثة، وهاء التأنيث وتاؤه، وعلامات الترقيم.. والتنوين بأنواعه، والمدّ بأنواعه، وقلب الحركات الثلاث، وإبدال الحروف واللاّم الشمسية والقمرية ؛ ووظيفةُ الإملاءِ أن يعطي صورًا بصريةً لكلمات تقوم مقامَ الصوّر السَّمعية عند تعذر الإسماع. والإملاءُ فرعٌ مهمٌّ من فروع اللغة العربية، وهو من الأسس المهمة في التعبير الكتابي وإذا كانت قواعدُ النحوِّ العربيِّ والصرفِ وسيلةً لصحة الكتابة من الناحية الإعرابية والاشتقاقية فإن الإملاءَ وسيلةٌ لها من حيث الصورة الخطية( 1). أو هو “وسيلة لتنمية قدرة المتعلمين على الكتابة السليمة إملائيا لتمكينهم من نقل أفكارهم والتعبير عن مشاعرهم وحاجاتهم بطرق سلمية”( 2). 
 ب. مفهوم القراءة: “هي عمليةٌ عقليةٌ تعني إدراكَ القارئِ الرموزَ المكتوبةَ والنّطقَ بها وصولاً إلى فهم المباني التي قصدها الكاتبُ واستخلاصها وتنظيمها والتفاعل معها والإفادة منها في حلِّ مشكلاته”( 3). وعند النظر في هذين التعريفين يتبين لنا الكثيرُ من الروابط التي تجمع في الإملاء والقراءة. -1 إن الإملاء والقراءة كل منهما عمليةٌ عقليةٌ ونشاطٌ فكريٌّ، يتحتَّم على كل من يكتب أن يكون حاضرَ الذِّهن في تصوير الكلمات وكتابتها بطريقة صحيحة. كما أن الإملاء والقراءة ينتميان لنظام واحد هو نظام النحو والصرف، فإذا كنا لا نستطيع تشكيل الكلمات العربية خارج أطرها المنشئة لها فلا يمكننا أيضا قراءةُ ما كان مخالفًا لذلك. -2 موضوع كل من الإملاء والقراءة هي الكلماتُ في كيفية رسمها وتصويرها في الشقّ الأول، وكيفية نطقها وفكّ رموزها في الشقّ الثاني ؛ ما يوحي بتكامل النشاطين، وبأن الحواجزَ التي وضعت بين فروع اللغة هي حواجزُ مصطنعة في أكثرها، وبهذا صار الوقوف عند كل اختصاص لغويّ دون دمجه مع نظرائه غير  مساعد ولا مجدٍ البتّة في امتلاك السليقة اللغوية. -3 الإملاءُ والقراءةُ هما الفرعان المتقاربان من ناحية التطبيق، والجديران بأن يؤخذا في شكل مجموعات صغيرة يعتمد فيها التلاميذُ على ذواتهم من جهة وعلى بعضهم البعض من جهة أخرى، كأن يقرأ تلميذٌ بصورة بطيئة، وآخرُ بدرجة متوسطة، وثالثٌ بسرعة، والباقي ينْصت ويصحّح، ثم تنتقلُّ المجموعةُ إلى مناقشة أفكار النّصّ المقروء، وتحليلِ كلِّ عنصرٍ حسبما فهم كلُّ تلميذ، أو إجراء نصّ إملائيٍّ في ذات المجموعة كأن يملي واحدٌ على بقية زملائه ثم يقرأ كلُّ تلميذ ما كتب هو أو ما كتب زميلُه، وبعدها يجرون تصويبًا لأخطائهم الإملائية، فيخرج النصُّ من جديد كتابة ثم مناقشة. وبهذا ننتقل من المعرفة الملقنة أو المكتسبة من المعلّم إلى المعرفة المنتجة من المتعلّمين فيكون ذلك أدعى لامتلاك الشجاعة الأدبية. 4. مما يؤكدُ اعتمادَ القراءة في إتقانها على التّمكّن من الإملاء، أن المكوّنيْ الأساسيين للقراءة هما فكُّ الشّفرة )تحويل المخطوط على الصفحة إلى كلمات( والفهم )استخدام المهارات اللغوية للفرد في سبيل فهم المخرجات الناتجة عن فكّ الشّفرة(، ويرى جوف وتومر Gough-Tummer في وصفهما لعناصر القراءة أنه يمكن ضمُّ تلك العناصر الأساسية التي تدخل في القراءة في صيغة بسيطة كما يلي: R = D x C بمعنى أن القارءة = فكّ الشفرة x الفهم والاستيعاب. R تعني Reading أي القراءة. D تعني Decoding أي فكّ الشفرة. C تعني Comprehending أي الفهم. فالذي لا يُسن الإملاء من خلال عدم إدراك قواعده واستثناءات تلك القواعد لا يمكنه أن يفكّ شفرة الكلمات التي يراها بعينيه، ومن ثمة لا سبيل لفهم ما يرى من مفردات وعبارات( 4).
ثانيا: الإملاء والكتابة قد سبق أن عرّفنا الإملاء عند التطرق لعلاقته بالقراءة، والآن نعرّف الكتابة لبحث علاقتها هي الأخرى بالإملاء، لأن التقاء هاذين (الإملاء والقراءة) في قلمٍ واحدٍ صورة ومحتوى ينتج لنا إنشاءً لغويًّا أو بالأعمِّ تعبيرًا كتابيًّا مقبولاً.
أ- مفهوم الكتابة: الكتابة هي مجموعة من الطرق والأساليب التي يعتمدها الكاتبُ للتعبير عن أفكاره وآرائه ومواقفه، وذلك بأسلوب أدبيّ أو تقريريّ مباشر، وفقا لغاية المرسل وموضوع إنتاجه، وإذا كان الأثرُ الفكريُّ بمجمله يقوم على عنصر الشكل والمحتوى، فإن غلبة خصائص أحدهما على الآخر هي التي تحدِّد نوعية هذه الكتابة( 5). وتكمن أهمية الكتابة في كونها وسيلة من وسائل الاتصال التي بواسطتها يستطيع التلميذ أن يعبّ عن أفكاره، ويقف على أفكار غيره، ويبْز ما لديه من مفهومات ومشاعر، ويسجِّل ما يودُّ تسجيله من حوادث ووقائعَ، وكثيرا ما يكون الخطأُ الكتابيُّ في الإملاء أو في عرض الفكرة سببًا في قلب المعنى، وعدم وضوح الفكرة، ومن ثمَّ تعتبر الكتابةُ الصحيحةُ عمليةً مهمّةً في التعليم على اعتبار أنها عنصرٌ أساسيٌّ من عناصر الثقافة، وضرورةٌ  اجتماعيةٌ لنقل الأفكار والتعبير عنها، والوقوف على أفكار الغير والإلمام بها( 6). إن تأثير الإملاء على التلميذ في تعامله مع اللغة يكون من ثلاث محطات هي: الخطّ، والتّهجّي، والإنشاء( 7). فالخطُّ الحسنُ هو الخالي من الأخطاء الإملائية، لأن إتقان شكل الكلمة هو وسيلةٌ إلى غاية وهي قراءة تلك الكلمة والاستفادة مما تحمل من معنى كمرحلة ثانية، ثمّ تأتي مرحلة ثالثة وهي مرحلة التعبير عمّا يجول في عقل التلميذ من أفكار بلغة صحيحة شفويةً كانت أو كتابيةً، وبتدرج متعمّد في اختيار النصوص. وكلّما أتقن التلميذُ إنشاءَه، كلّما قوِيَ على التحكُّم في مواد تعلُّمه، وأمكنَ المعلِّمَ التعاملُ معه بطريقة واضحة ومؤديّة لهدفها التربوي ؛ فاللغةُ هي مجموعةٌ من المهارات يُراد للمتعلِّم أن يتحصّل عليها خلال أطواره التعليمية الثلاثة (الابتدائي والمتوسط والثانوي) وِفقَ بناءٍ تراكميٍّ منظّمٍ بحيث ينتج في الأخير مستوى من الفهم والتذوُّق لهذه المهارات، وما دامت الكتابة هي إحدى المهارات المبتغاة من تدريس اللغة فإنَّ لها حتْما عددًا من الآليات مبدؤها الإملاءُ ومنتهاها الفهمُ الثقافي، وهذا ما يوضّحه الهرم الآتي:

ثالثا: مهارات الإملاء لقد ذكرنا بأن هناك علاقة قوية بين كلّ من الإملاء وبين القراءة والكتابة مما يوحي بمرجعيَّة هاذين بأنها تلك ؛ لذا كان الاهتمام بالإملاء كثيرا باعتبار ما تفضي إليه، أولا: وهو القراءة، وليس المراد بالقراءة تهجيةَ الكلمات، وإنما المطلوب هو القراءة المنهجيّة التي تتّبع فيها خطواتٌ أساسيةٌ، حيث تكون في البداية قراءةً استكشافيةً للنصِّ، وبعد ذلك تحليليّة أو تأويلية، ثم ما بعد القراءة بإعادتها واستخلاص ما في النصِّ من أفكار واستنتاجات( 8). وقد حاولت الجريدة  الرسمية للتربية (الصادرة عن وزارة التربية الفرنسية) المؤرّخة في 25/20/1987 مقاربةَ مفهوم القراءة المنهجية كالآتي: “إن القراءة المنهجيّة قراءةٌ مدروسةٌ ومعدّةٌ بإحكام تمكِّن التلاميذَ من إثبات أو تصحيح ردود أفعالهم الأولى كقراء ويستدعي اختلافُ أنواع النصوص منهجيَّاتٍ قرائيةً متعدّدةً تتبلور من خلال سير العمل، وتسمح القراءة المنهجية بمنح قدر أكبر من الصرامة لما كان يُسمى عادة شرح النص أو تفسيره( 9). ويمكن أن يتحول الفعل القرائي إلى فعل نقديٍّ من خلال المقابلة بين ما يحمله القارئ من رؤى وتصوّرات، وبين ما في النص من ذلك فيقع شيءٌ من الحوار البيْنيّ تظهر فيه توافقاتٌ أو اختلافاتٌ كلية أو جزئية، لكن الذي يلزم حضوره في حالة القارئ النّاقد أن تكون قراءتُه صادرةً عن رؤية وأن يكون له منهجٌ لتحقيق أهداف ما يقرأ( 10 ). وممّا تجسّده الإملاء عند إتقانها القراءة الحرة، وهي تمسُّ سائر المتعلمين صغارًا وكبارًا، وسائر النصوص أدبية وعلمية، بسيطة ومعقّدة، كلٌّ يقرأ حسب ذوقه وقناعاته، وهكذا بإمكان الإملاء أن تُبقى المتعلّمَ مثقّفًا معتمدًا على ذاته. أما ما تفضي إليه الإملاءُ ثانيا ككفاءة منشودة فهو الكتابةُ ؛ وبداية الكتابة ما كان وظيفيا ككتابة الطلبات، وتدوين الرسائل الإدارية، وهذا يحتاج إلى لغة خاصة تعتمد على تشخيص الرغبة من ذات الطلب أو الاستفسار مع استعمال ألفاظ واضحة ودقيقة، ومن أمثلة هذا النوع كتابة الرسائل والمذكرات ومحاضر الاجتماعات، وملء الاستمارات والنشرات والتقارير( 11 ). أما كفاءة الكتابة فما كان إبداعيا، بأن يكون للكاتب أسلوبٌ يميّزه عن غيره من الكتّاب والمبدعين، حيث ترى من هذا الأسلوب بصمته تجاه المعرفة فيؤثِّر فيها بأنْ يزيدَ في طرح قضاياها ومعالجة إشكالاتها. ومن خلال هذه الآلية الذاتية يستطيع القارئُ التّعرّفَ على أفكار الغيرِ ممّن حصّلوا بقدراتهم العقلية ملكةَ التعبير. وبين هاذين المستويين )الوظيفي والإبداعي( نجد أعمال التلاميذ في شأن الكتابة، إذْ يكون بعضها قريبا من المستوى الأول عندما يحرّر المتعلّمُ طلباته إلى إدارته المدرسية، أو يملأ استماراتها، والآخر قريبٌ من المستوى الثاني حينما يراسل أصدقاءَه، وينجز أعماله التعبيرية والإنشائية. ولا بأس أن نشير إلى ما توصل إليه مكتب الشؤون الأكاديمية التابع لمجلس الكليات بالولايات المتحدة الأمريكية في دراسة حول الإعداد الأكاديمي لطلاب الكليات، وذلك في سنة 1983 ، حيث انقسمت هذه الدراسة إلى خمسة أقسام: 1) أساليب تحديد نواتج العملية التعليمية ؛ 2) الكفاءات الأكاديمية الأساسية ؛ 3) الكفاءات الخاصة بالحاسب الآلي؛ 4) الكفاءات اللاّزمة لكل مادة دراسية ؛ 5) إجراء تنفيذ مقترحات هذه الدراسة. والذي يخصّنا فيما يتعلّق بالموضوع هو القسم الثاني من هذه الدراسة وهو الكفاءات الأكاديمية العامة، وهي تخصّ اللغة والإملاء أحد مكوّنات هذا الإخراج من أجل النجاح في التعليم الجامعي وهي: القراءة والكتابة والكلام والاستماع وتماشيا مع موضوعنا نكتفي بمهارات القراءة والكتابة( 12 ).
أ. القراءة:
1. القدرة على تعرف وفهم الأفكار الأساسية والثانوية للنص، وكذلك تلخيصه بعبارات يصوغها الطالبُ بلغته الخاصة.
2. قدرة التعرف على أغراض مختلفة، وطرق متباينة للكتابة، وكذلك تعرّف وجهة نظر الكاتب ونغمة حديثه.
3. القدرة على الفصل بين الأفكار الخاصة للفرد، والافتراضات التي تفهم من الكاتب.
4. القدرة على تنويع معدّل السرعة في القراءة وطريقتها وذلك طبقا لنمط المادة المقروءة والهدف من قراءتها.
5. القدرة على فهم واستخدام النّظم والأساليب المتّبعة في الكتب والمراجع والمصادر، مثل جدول المحتوى، مقدّمة الكتاب، العناوين الأساسية أو الفرعية، الفهرس، المسرد اللغوي، الملاحق، قائمة المراجع.
6. القدرة على تعريف الكلمات غير المألوفة لدى الطالب عن طريق فكِّ رموزها واستخدام السّياق والقرائن، والاستعانة بالقواميس.
ب. الكتابة:
1. القدرة على تصوّر الأفكار المناسبة حول موضوع معيّ بهدف الكتابة فيه.
2. القدرة على تصور وتنظيم الأفكار وربطها بالمخطط الذي وضعه الطالب للموضوع الذي يكتبه.
3. القدرة على كتابة اللغة المعياريَّة مراعيا صحّة كل من: تركيب الجملة، صيغ الأفعال، علامات الترقيم، آليات الكتابة.
4. القدرة على تنويع أساليب الكتابة، مفردات وتراكيب، لتناسب قرّاءَ مختلفين ولتحقِّق أغراضًا متباينة.
5. القدرة على تحسين مستوى الكتابة سواءً عن طريق إعادة الصياغة أو تصحيح الأخطاء أو إعادة الكتابة كليّا.
6. القدرة على جمع معلومات من مصادر أولية أو ثانوية، كذلك القدرة على أن يكتب تقريرا وأن يقتبسَ وأن يُعيد صياغة المعلومات، وأن يختصر بدقّة، وأن يذكر المراجع بطريقة صحيحة.
رابعا: صعوبات الإملاء
صعوبة الإملاء واقعٌ لا مفرَّ منه، وهذا لا يخصُّ اللغة العربية وحدها، بل يعمُّ سائرَ لغات العالم، لكنَّ السهولةَ الملاحظةَ من لغة إلى لغة عائدٌ أمرُها إلى القواعد والضوابط التي يضعها مختصّو هذه اللغة والمراجعات التي يجرونها عليها حينا بعد حين، بحيث تأخذ هذه التنقيحاتُ المستمرة طريقها إلى التطبيق في مناهج التدريس، وقواميس اللغة التي تصدر تباعًا، حاملةً للمتعلمين في كل طبعة جديدَ الشكلِ والمضمونِ في مجال توليد الألفاظ وكيفية ضبطها، وهو ما ينقص اللغة العربية نقصًا بيّنًا. ومما يزيد من منطق صعوبة الإملاء أن اللغة من حيث هي تتكوّن من مجموعة من الحروف محدودة العدد، فحتّ وإن بدا هذه العدد كثيرا فإنه لا يمكن أن يفي بكل ما يدور في عقول الناس وعواطفهم، بحيث كل من تعلّم يكون كلامه صحيحا ومفيدا في نفس الوقت، وكل من كتب  أصاب في الصورة والمحتوى معا دون تعلّم، وهذا لا يصحّ إلا في اللغة الأولى وهو السّليقة التي فقدت بسبب الاختلاط الشديد للألسن، وبالأخصّ في هذا العصر الذي تعاظمت فيه وسائط الاتصال وبوسيلته الوحيدة وهي اللغة. وحتى نوضّح عدم خصوصية اللغة العربية بصعوبة الإملاء، فلنقرأ هذا النصّ المترجم من الأصل  عن اللغة العالمية الأولى في مجاليْ العلوم والاتصال وهي اللغة الإنجليزية: “نظرا لأن اللغة الإنجليزية غير عادية أو شاذّة في التّهجي الخاص بها، فإنه يبدو من الصعب أن يتعلّم التلاميذُ التّهجّي، إلاّ أن التّهجي سيكون أكثر سهولة ويسرا إذا ما كان كل فُونِيم   phonèmeفي اللغة الإنجليزية يقابله غرَافِيم واحد فقط. والغرافيم graphème كما يرى هول 1981( Hull )هو جميع الحروف والمقاطع الحرفية التي تمثّل الفُونِيمَات، ولكن ذلك ليس هو القضية حيث أن هناك 251 تهجّيًّا مختلفا لعدد 46 صوتًا تتضمّنهم اللغة الإنجليزية، كما أن اللغة الإنجليزية تضمُّ أيضا العديد من الكلمات التي يتمّ تهجيتُها بشكل غير عاد. وهناك على سبيل المثال عددٌ من الكلمات تنتهي بنفس مجموعة الحروف .. ough ولكن نطقها يختلف، ومن هذه الكلمات: , though, tough thorough,  cough, through )والتي تعني من اليمين إلى اليسار: طوَال، سَعَل، شاملٌ، قاسٍ، بالرغم من ذلك(، وفي هذا الإطار فإن المعلمين لا يحتاجون إلى معرفة هذا النطق الغريب لتلك النهايات فحسب، ولكنهم يحتاجون أيضا أن يعرفوا الكثير عنها حتى يتمكّنوا من مساعدة التلاميذ على تعلّم أوجه الشّبه والاختلاف بين الكلمات. ويرى موتس Moats( 1995 ) أنه ليس هناك سوى القليل من البرامج التربوية التي يتمُّ إعدادُها للمعلمين التي تقدّم تعليما كافيا لإعداد معلميّ المستقبل وذلك لتطوير نمط العلاقات بين الأصوات الإنجليزية وما يقابلها في الكتابة”( 13 ). كما أن الكلمات في الإنجليزية من حيث نوعها هي أربعة أصناف: 1) الكلمات العادية ؛ 2) الكلمات كثيرة التكرار والأقل عادية ؛ 3) الكلمات المتماثلة في اللفظ والمختلفة في التّهجّي ؛ 4) الكلمات التي تتطلب البراعة( 14 )، وهي الكلمات التي غالبا ما يُسيء الفرد تهجّيها في اللغة الإنجليزية مثل كلمة misspell (فعل يعني أخطأ في كتابة أو تهجّى كلمة ما). وما يقال عن الإنجليزية في إملائها (orthography) ، يقال عن الإملاء الفرنسي( l’orthographe) ، إذْ فيها الكثير من الكلمات التي يخالف نطقُها كتابتَها،  حيث أشار إبراهيم لعليبي( 15 ) إلى الكلمات الآتية كأمثلة: كلمة oiseauالتي لم يُنطق أيُّ حرف أصليٍّ منها بحيث جُع الحرفان o و i ليُعطيانا صوتًا واحدًا بما يشبه الصوتَ ،waوحُوّل الحرفُ s (س) إلى الحرف z (ز) نطقًا كون حرف ال s يتغيّ نطقه فيتحوّل إلى z إذا وقع بين اثنتين من الحركات الستِّ المعروفة في الفرنسية ب les voyelles  وهي: a, e, i, o, u, y ؛ وفي الأخير جُعلت الحروف الأخيرة الثلاثة e,a,u لتعطينا نطقا أو صوتا واحدا شبيها بال o. والكلمات ,  vers, vert, ver, vair verre, vers , التي لها نفس النطق ولكن  تختلف في المعنى إذْ تعني بالترتيب: أَخْضَرُ، نَوَ، بَيتٌ شِعْرِيٌّ، زُجَاجٌ، دُودَةٌ، فراءُ نَوعٍ منَ السَّنَاجِب ؛ ومثل أيضا sceau, seau, saut, sot التي تُنطق بنفس الصوت ومعانيها تختلف فهي تعني حسب الترتيب بدءً من اليمين: غَبٌِّ، قَفْزٌ، دَلْوٌ، خَتْمٌ. وقد حاول إريستزيبال سنة 1938 جمع قائمة من 4329 كلمة مشتقّة من مفردات البالغين بالإضافة إلى كتابات الأطفال ورتّبها حسب تكرارها ثم أعاد ترتيبها أبجديا، كما حاول ديبوا في نفس السنة بالاعتماد على القائمة السابقة أن يبني سلمّا تدريجيا يسمح بإلقاء الضوء على صعوبة الكلمات، ثم أتى لاَمبير سنة 1947 ليحدد مواطنَ الخطإ في كل كلمة وبناء على ما سبق صمّم بيرن سنة 1950 مقرَّر الإملاء للمدارس الابتدائية على أساس التكرار والصعوبة ثم قامت المجموعة الفرنسية السويسرية المكوّنة من تيروماير وريشنباخ بأبحاث لعمل بيرن، وأضافوا إليه 955 كلمة دعت الحاجة إليها( 16 ). وإذا قارنا الكتابة بضوابطها الإملائية في اللغة الفرنسية بالكتابة في كل من اللغات الألمانية والإيطالية والإسبانية فإن الأصعب هو الكتابة الفرنسية، حيث يؤكد كل المختصين أن الكتابة الفرنسية الأكثر تعقيدا في العالم ( 17 ) وعليه فإن إملاء اللغات اللاَّتينية يركّز كثيرا على حفظ صور الكلمات مع حفظ طريقة نُطقها، والمحدّد الوحيد بين معاني الألفاظ في الغالب هو السياقُ الذي ترِد فيه الكلمةُ، وإذا تعددت السياقاتُ كانت عملية الفرز صعبة بين الكلمات المتشابهة، بينما إملاء اللغة العربية قائمٌ على قواعدَ علميةٍ وضوابطَ جدّ دقيقةٍ تسمح للناطق أو الكاتب أن يوزّع ما شاء له من مفردات على هذه الشبكة من غير عجز من جهة اللغة. وبالعودة إلى صعوبات الإملاء العربي فإننا نجدها محصورةً في الإشكالات الآتية: الشكل، وقواعد الإملاء (الفرق بين رسم الحرف وصورته، وارتباط قواعد الإملاء بالنحو والصّرف، وتعقّد قواعد الإملاء وكثرة الاستثناءات فيها، والاختلاف في قواعد الإملاء)، واختلاف صورة الحرف باختلاف موضعه من الكلمة، والإعجام،  ووصل الحروف وفصلها، واستخدام الصَّوائت القصار، والإعراب، واختلاف هجاء المصحف عن الهجاء العادي. وقد تمّت مناقشةُ هذه الإشكالات من عديد المختصّين بناء على دراسات فردية قاموا بها وذلك منذ سنة 1938 ولا زالت الأعمال جارية إلى يومنا هذا، كما أن للمجامع اللغوية جهدًا في هذا، وعلى سبيل المثال فقط ما توصّل إليه مجمعُ اللغة العربية في القاهرة حول إشكالات الإملاء العربي، إذْ انقسم الباحثون للموضوع إلى ثلاثة اتّجاهات: – اتجاهٌ محافظ، دعا إلى ترك ما كان على ما كان أي إبقاء القديم على ما هو عليه، حيث يقول حسنُ الغاياتي في هذا الشأن: “لقد ألِفنا الرّسمَ الحالي،  وكتبنا  به مؤلّفاتنا، وطبعنا به كتبَنا، وأرى أن من الخير الإبقاءُ عليه دون تغيير أو تبديل”، ويقول زكي المهندس: “إن موضوع الهمزة لا يصحُّ أن يناقش، لأنها بوصفها الحالي مرشدةٌ للقارئ في القراءة”. والاتجاه الثاني يذهب إلى أن تتطابق الكتابةُ مع النطق، فما يُنطق هو الذي يُكتب، وما لا يُنطق فلا يُكتب، وأن من حسن الطالع عندهم أن علماء الإملاء لم يتّفقوا على أيّ قاعدة من قواعد هذا العلم، وهو ما سمح بوضع قواعد مطابقة لما يريدون الوصول إليه من تذليل وتيسير وبالأخص فيما يتعلّق بالهمزة وما قاربها من الصعوبة. أما الاتجاه الثالث فإنه يدعو إلى اقتراح جزئي فيه إصلاح القديم وفيه تجديد، فهم يريدون أن تُمع الألفاظُ المختلفُ فيها، ويتّفق على طريقة ميسّرة في كتابتها على أن يصدر ذلك في صورة قرار علمي مجمعيّ، وهذا الاقتراح هو خلاصةُ أداء المدرسين الذي يباشرون عملهم ويعرفون مواقع الصعوبات كما يقول حسن شحاتة( 18 ). ولنا مثالٌ في الزعيم الكوري سيجونغ  Sejong  الذي قرّر سنة 1443 استبدال حروف اللغة الصينية التي كانت مستعملة وقتها في كوريا الجنوبية بحروف اللهجات المحلية المتداولة بين قبائل بلاد كوريا، فأحدث ذلك حركة كبيرة في محو الأمية بين أوساط المجتمع لتتعمّم اللغة الجديدة في كامل كوريا نهاية الحرب العالمية الثانية، وبذلك استدركت كوريا الجنوبية تأخرها العلمي والاقتصادي ولحقت  بالبلدان المتقدمة، فهذا الذي ينبّه إلى مدى مساهمة اللغة عند إخضاعها للإصلاح والتجديد في تسريع عجلة التنمية وتطوير المجتمع( 19 ).
خامسا: مقترحات
وبعد هذا فما نقترحه كمساهمة في علاج إشكالات الإملاء يأتي في نقطتين:
أ. من النحو الوظيفي إلى الإملاء الوظيفي
اللغة العربية لغةٌ مرنةٌ، حيث يتسع وعاؤُها اللّسانيّ إلى كل الإبداعات مهما كانت دقّتها، وحيويةٌ في قدرتها الاتصالية، فهي لا تضيق بأيّ كاتب ولا أيّ متكلّم أو مخاطب، لكن صبّ الثروة اللغوية في أوعية القواعد النحوية والصرفية، وكذا الإملائية والبلاغية جعل إتقانها ليس من السهل تحصيله، لأن كل النشاط اللغوي من مراحله الدنيا إلى مراحله العليا قد وُضعت مناهجُ اللغة فيه، وأيضا كتبها على هذا المنوال وأصبح التلميذُ والأستاذُ يتخبّطان مع هذه العقبات بين ناجحٍ وراسبٍ، نظرا للخلط بين قضايا النحوِّ سهلِها مع صعبِها، بسيطِها مع مركّبِها، الموظّفِ منها في حياة الناس العامة وفي وسائل اتصالهم المقروءة  والمسموعة والمكتوبة، وغير الموظّفِ، ومن ذلك تكرّر مواضيعه بالالتفات إلى ما يضاف في كل تكرار، وكيف يتمُّ تقديمُ تلك الزيادة حتى لا يقع التلميذ في دوّامة الملل فيرفض المادة كليّة. وممّا أشار إليه اللغويون والمتابعون منهم بالخصوص لمسار تعلّم اللغة وتعليمها أن الضرورة أصبحت تقضي بنقل المعارف اللغوية وعلى رأسها النحوُّ والصّرفُ من طريقة التدريس التقليدي إلى الطريقة الوظيفية، وذلك بأن يقسّم كلٌّ منهما إلى جزءيْن كبيرين، أحدهما وظيفي والآخر تخصّصيّ، ويُقصد بالنحوّ الوظيفي مجموعة القواعد التي تؤدّي الوظيفة الأساسية للنحو، وهي ضبطُ الكلمات، ونظامُ تأليف الجُمل، ليسلم اللسانُ من الخطإِ في النطق، ويسلم القلمُ من الخطإِ في الكتابة، أما النحوُّ التخصّصيّ فيشمل المسائلَ المعقّدة والدقيقة التي يحتاج فهمها إلى جهد أكبر ووقت أكثر ليس بإمكان المتعلّمين والمعلمين توفيره( 20 ). وهذا ما يسهل عملية نقل اللسانيات من الوصف اللغويِّ المحضِّ إلى القطاعات الاجتماعية والاقتصادية وفق ما يذهب إليه أحمد المتوكّل في مشروعه الخاص بالنحوِّ الوظيفي( 21 ). وقد خطا التأليف في هذا المجال خطوات موفّقة، حيث روجع فيه تبويبُ مواضيع النحوّ بجمع المتشابه منها وتقريب المتباين، وحصر القواعد غير المثيرة للاختلاف مع إرفاق كل قاعدة بعديد من الأمثلة الموضّحة، وفتح باب التدريب والتطبيق أكثر فأكثر حتى يدخل التلميذ والمعلم وسائر الشرائح المتعلمة إلى ساحة الاستعمال ليوظّفوا ما تدرّبوا عليه، ومن هذه المرحلة يبدأ المستوى اللغويُّ للثقافة الشفوية والمكتوبة بالارتفاع والتّحسن التدريجي( 22). وما دام الإملاء العربي مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بعلميْ النحوِّ والصّرفِ في كثير من قواعده، فما جرى لهما من مراجعة سيجرى على الإملاء حتمًا وما أحوجه إلى ذلك، فقواعد الإملاء كثيرة وكل قاعدة فيها من الشروط ما فيها وعليها استثناءات عديدة، ومن الألفاظ ما لا تردّ كتابتُه إلى أية قاعدة.
ب. تفعيل التوصيّات المجمعيّة
ما دامت قواعدُ الإملاء لم يحصل عليها اتّفاقٌ، وما دامت المجامعُ اللغويةُ قد فتحت ورشات علمية لمعالجة صعوبات هذا الفنّ، وقدّمت في ذلك دراسات عديدة، ومن تلك الدراسات ما أنجزه بعضُ خبراء اللغة العربية وبمفردهم، حيث قدّم الجميع جملةً من المقترحات والتوصيات بشأن تصحيحِ وضعِ الإملاءِ، فالذي يبدو صوابًا هو أن تعرف هذه المقترحاتُ طريقها إلى التطبيق لتصبح واقعًا مدرسيًّا وتعليميًّا عامًّا، ولو على مستوى البلد الواحد، لأن صعوبات الإملاء ليست كثيرة ولا متنوّعة مما يسهّل على المجامع اللغوية وبمعية الهيئات المرافقة إيجادَ حلولٍ عمليةٍ لهذه الصعوبات.
المراجع:
( 1)- حسن شحاتة، تعليم الإملاء في الوطن العربي، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الثالثة، 1991 ، ص. 11 .
( 2)- علي سامي الحلاق، المرجع في تدريس مهارات اللغة العربية وعلومها، عمان، الأردن، 2010 ، ص. 277 .
( 3)- نفس المرجع السابق، ص. 179 .
( 4)- دنيال هلالاهان وآخرون، صعوبات التعلم، ترجمة عادل عبد الله محمد، دار الفكر، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2007 ، ص. 519 .
( 5)- جورج مارون، تقنيات التعبير وأنماطه بالنصوص الموجّهة، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، لبنان، 2009 ، ص. 13 .
( 6)- حسن شحاتة، تعليم الإملاء في الوطن العربي، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1996 ، ص. 183 .
( 7)- دنيال هلالاهان وآخرون، صعوبات التعلم، ترجمة عادل عبد الله محمد، دار الفكر، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2007 ص. 578 .
( 8)- عبد الرحمان كلموني: .
khatawati.blogspot.com ( 9)- موارد في ديدكتيك اللغة العربية:
a-guelmouni.blogspot.com ( 10 ) عبد الله إبراهيم، القراءة النقدية، جريدة الرياض، 2013 ، العدد 16511 .
( 11 )- موقع وجيه المرسي أبو لبن: الكتابة، وخصائصها، وأهميتها، وأنواعها، وعلاقتها بمتون اللغة.
( 12 )- رشدي طعيمة، الأسس العامة لمناهج اللغة العربية، ص. 68 .
( 13 )- دنيال هلالاهان وآخرون، صعوبات التعلم، ترجمة عادل عبد الله محمد، ص. 589 .
( 14 )- نفس المرجع السابق، ص. 600 .
( 15 )- دنيال هلالاهان وآخرون، صعوبات التعلم، ترجمة عادل عبد الله محمد، دار الفكر، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2007 ص. 578 .
( 16 )- حسن شحاتة، تعليم الإملاء في الوطن العربي، ص. 59 . ( .juin 2003.le monde de l’éducation n° 315-cache-beauté de la langue , (p.72)Diane Gallbaud, L’Orthographe -(17 ( 18 )- نفس المرجع السابق، ص. 17 .
( 19 )- إبراهيم لعليبي، مدير المركز الوطني  للوثائق التربوية، مقال: ” 4 Jours de vacances seulement ! ”   (أربعة أيام عطلة فقط !)
( 20 )- عبد الحليم إبراهيم، النحو الوظيفي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الأولى، من المقدمة.
( 21 )- نظرية النحوّ، ويكيبيديا.
( 22 )- عبد الحليم إبراهيم، النحوّ الوظيفي، من المقدمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.