الرئيسية / كلمة العدد / تعّلم الفلسفة وتعاطي الفلسفة

تعّلم الفلسفة وتعاطي الفلسفة

تمرين شاق

مهما كانت مشاريع التلاميذ وتوجهاتهم، سواء أكانت نحو الرياضيات أم التجارة العالمية أم القانون المقارن، أم التسيير الفندقي، أم تاريخ القرون الوسطى، أم التعليم، سيمرون حتما بتجربة مشقة تمرين التفكير، الذي تستدعيه ممارسة الفلسفة.
تمرين عسير ومتعب، أقول، إذ يجب ألاّ نستكين ولا نخاف من هذا الشرط. إنّكم تعلمون مثلي أنّ من يرفضون المنطق موجودون في كل عصر، مقنعين كانوا أو متنكرين، أيّ أستاذ، أقول أو أي محبّ للإنسانيات –وأنا واحد من هؤلاء- لم تتردد على مسمعه العبارات التالية “إنّها لا تصلح لشيء” ، “إنّها غير مجدية في الحياة”. ولذا، وهل علينا التذكير أنّه لا ينبغي أن يحكم التعليم الثانوي بقانون المنفعة المباشرة، خاصّة في ميادين تكوينية كالتوجه العام أو التكنولوجي والتي ليس من وجهتها الحصول على عمل أو شغل في زمن قصير. أمّا التربية الوطنية في جذعها المشترك، فقد أكّدت مؤخرا، وبصفة رسمية أنّ الثقافة الإنسانية، شأنها شأن اللّّغة، وأهم عناصر الرياضيات، هي جزء من الرصيد الثقافي الذي يجب أن يملكه كل تلميذ، ليستكمل بنجاح دراسته، ويتمّ تكوينه، ويبني مستقبله الخاص، وفي الأخير، لينجح في حياته داخل المجتمع.
إنّ الثقافة الإنسانية تساهم في تكوين الحكم، والذوق، والإحساس، وتثير الانفعالات الجمالية. فالفلسفة إذا لها كل موقعها في تكوين معاصرينا. والدفاع عن تعليمها، هو دفاع عن مكانة الإنسانيات، في نظامنا التربوي، وبالتالي، فهو دفاع عن الثقافة في بلادنا، وحتّى داخل الإنسانيات فهي تحتل المكانة الخاصة والضرورية، لأنّها تدعو إلى تمرين نقدي في الحكم، ولأنّها تدعو أيضا إلى تمرين حرّ في التفكير، نافية بذلك شتى أنواع الأحكام المسبقة.
إنّنا في حاجة و-بلدنا في حاجة- للارتكاز على هذا الموروث الثقافي، ووظيفة الفلسفة نفسها هي إيصال الموروث إلى الأجيال، لأنّ شبابنا الذي ارتوى حتى النخاع بالصور، والأصوات، والمعلومات، هو في حاجة ماسّة إلى التمرّن على ما يسميه ديكارت “الحس السليم” ،أو التفكير السليم، أو بمعنى آخر استقامة الدراية، أو رجاحتها، حتّى لا يتحوّل العقل إلى مستوعب لأفكار جاهزة أو محتويات إشهارية.

تعلّم الفلسفة وتعاطي الفلسفة.
كيف يمكن لنا أن ننفي القيمة البنيوية والتركيبية لهذه المادّة؟ كيف لنا أن ننفي الاهتمام الأساسي لتمرين كتحرير مقاله؟
عندما ترتب العروض، وتتقدّم من عرض لآخر اعتمادا على تعميق الفكرة، هل هنالك شيء أصلح من هذا لذاتك، بل للحياة الاجتماعية؟
ولكن ومعارضة لبعض التوجهات الثقيلة، كما يقال في مجتمعنا “الإعلامي” ، حيث العروض و”الرسائل القصيرة” تتداخل بدون استحياء في محيط الفضاء الافتراضي، يجب اليوم على تعليم الفلسفة أن ينجح في قلب المعادلة لصالحه، ليكون أداة لتلقين المحتويات، والمذاهب، وتاريخ المعتقدات، والأفكار، وفي نفس الوقت، عليه أن ينجح في تلقين المنهج، والإطلاع على أسس المقالة، التي غالبا لا تباشر إلاّ في السنة النهائية.
تمرين شاق، أكرّر. لكن هذا ليس القصد من مداخلتي ولن أجازف أكثر من ذي قبل في ميدان هذا التخصص الجميل.
وفيما يعني الفلسفة بالخصوص، فهذه الجدلية تدفع إلى هدفين متلاصقين لاانفصام لهما “اكتساب ثقافة فلسفية” والتمرّن بتمعّن على الحكم أو التمييز.
فتدريس الفلسفة كبقية المواد الأخرى أو أكثر، يستلزم من الأستاذ القدرة على التبليغ والتعاطي، وهو أمر ليس بالهيّن، لاستدراج ثلاثين أو خمسة وثلاثين شابّا من عشر سنوات إلى سبعة عشر سنة، تشغلهم أوليات ورغبات ظاهرية ويطلب منهم التحدّث مع أرسطو أو التساؤل حول جدلية الأنا واللاشعور.
ولكن هذا واجب المعلمين، وهم يؤدّونه، وإلاّ فإنّه غير معقول على أستاذ في الفلسفة ألا يتساءل حول المبادئ الأساسية لمهنته.
وأكثر من ذلك، فإنّه ينتظر من الأساتذة معرفة قيادة التفكير المستقل، البعيد عن آفاق المجتمع المعاصر، للذهاب بعيدا، بل للسمو إلى الأعلى، كما يجب عليهم أن يضعوا أيضا في حسبانهم وأستسمحكم على العبارة- حرية الفيلسوف،والتمرّن- التأملي في الحكم وما تتطلبه البرامج من التلاميذ، وهو مطلب على عاتق الذين يطبقون هذه المناهج.
وأخيرا أصرد لكم هذا القول: “ليست هنالك هوّة في الفلسفة بين البحث والتدريس، فمكتسبات الواحد تساعد مباشرة الآخر وكأن هنالك علاقة حميميّة، تشبه إلى حدّ ما الرابطة النظرية، بين من يدرسون الفلسفة، وبين الذين يتعاطونها.”