الرئيسية / ملف العدد / العلم أنبل صنعة إنسانية وأخطرها Science is both noble and harmful project for humanity

العلم أنبل صنعة إنسانية وأخطرها Science is both noble and harmful project for humanity


الملخص: العلم أعظم ملكات الإنسان، وأكبر إنجازات العبقرية الإنسانية العاقلة تجلت في العلوم والتقنيات، فهي نموذج للتفكير العقلاني المنهجي والموضوعي الهادف إلى فهم قوانين الكون والتحكم فيها والتنبؤ بها، أما التقنية فهي التطبيق العملي للعلم. وقد اختلفت وجهات نظر المفكرين إزاء قوة الإنسان المعاصر وهي التزاوج والامتزاج بين العلم والتكنولوجيا بين متفائل ومتشائم.
ذهب المتفائلون إلى أن هذا التزاوج أفضل أداة امتلكها الإنسان لحل مشاكله وتحقيق سعادته فقد حررته من كل عبودية وجعلته سيد هذا الكون. وأعلن المتشائمون أنّ التزاوج بين العلم والتكنولوجيا أعظم تهديد للإنسانيّة، لأنّ سوء استخدام المعرفة العلمية والتقنيات الحديثة والأسلحة الفتاكة والآلة الصماء… وسائل تعجل بالفناء. فهل ستنعم الإنسانية بالسعادة في ظل التطور العلمي والتقني المتزايد، أم أننا على شفا حفرة من الفناء حضّره لنا عقلنا المستنير؟ هل يحافظ المجتمع العلمي والصناعي على توازنه كما حافظت عليه الحضارات الفرعونية والعربية قرونا طويلة؟ هل العلم والتقنية يزيد من حريتنا ويحقّق كمالنا؟ أم أنّ السحر قد انقلب على الساحر، وأصبحنا مهددين من طرف العلوم والتقنيات، ونعيش تحت رحمتها؟

Mind is our greatest innate property and the noblest producing of mind is science.
The most précised; objective and methodological human knowledge enable us to understand the law of nature .domination and prediction science is the theorical knowledge faced technology.
Thinkers disagreed about this power owned by modern man which is a mixture between science and technology.
Between optimists and pessimist :
Optimists consider it as the greatest mean to slow man’s problems, the interest of stereotypes and the most determination and affirmation ,this power made man the vicegerent of god on earth .
As far as pessimism with high capacities which our day they turn against man and be his solve; as a result ;we will be living in the machine epoch.
Will humane enjoy a good life with science and technology as scientist and philosopher hoped or is it in the way way of the global destruction prepared by the lucid mind
Is it possible to the science society to be stable?
Is it possible to society with thinkers and techniques to live for longtime as pharaonic civilization used to be ?.

العلم: Science الإنسانية :Humanity أعظم إنتاج: Greatest production
اخطر إنتاج : Harmful production التقنية: Technique

العقل أعظم ملكات الإنسان، صَنَع حضارته وتاريخه وجعله سيد الكون، فهو النّور الذي يبدد ظلمات الجهل، ويفتح أنوار الحداثة والمدنية، و”إذا غاب العقل ظهرت الخرافة، وإذا سادت الخرافة ضاع العقل” ، وأكبر إنجازات العقل هي العلم الذي خلق عالمًا إنسانيّا عالِمًا وتقَنيًّاـ وأصبح “الحقيقة الأساسية في عالم اليوم وهو المحور الذي تدور حوله كل مظاهر حياة البشر” . بل هو نموذج للتفكير العقلاني الهادف إلى فهم الظواهر والتحكم فيها والتنبؤ بها، وأكثر معارفنا دقة وموضوعية، قال لالاند:”هو مجموعة معارف وأبحاث على درجة كافية من الوحدة والعمومية، ومن شأنها أن تقود البشر الذين يتكرّسون لها إلى استنتاجات متناسقة، لا تنجم عن ارتجالية بل تنجم عن علاقات موضوعية نكتشفها بالتدرج، ونؤكدها بمناهج تحقق محددة” .

ربطت الثورات العلمية الحديثة ربطا وثيقا بين العلم والتقنية، فالعلم “معرفة نظرية، والتكنولوجيا هي تطبيق لهذه المعرفة النظرية في مجال العمل البشري” . والتقنية إجراءات محددة بدقة وهادفة إلى تحقيق أهداف عملية نفعية معينة، قابلة للتعليم والتعلم والتطوير والتداول، أي”مجموعة طرق محددة بدقة وقابلة للتوصيل، مخصصة لإحداث بعض النتائج المعتبرة النافعة” ، وهي ليست ترفا فكريًّا ولهوا ذهنيًّا، بل ضرورة وحاجة، والحاجة أم الاختراع، وخاصية إنسانية فالإنسان كائن صانع وهي جزء من وجوده.
وإذا كانت”ظاهرة العلم أخطر ظواهر الحضارة الإنسانية، وأكثرها تمثيلا إيجابيا لحضور الإنسان في هذا الكون” ، فقد اختلف المفكرون إزاء قوة الإنسان المعاصر التي تكمن في المزج بين العلم والتكنولوجيا بين متفائل ومتشائم.

ذهب المتشائمون إلى أن”التّزاوج بين العلم والتكنولوجيا سيخلق آلات ذات قدرات تزداد تعاظما على الدوام حتى يأتي الوقت الذي يفلت فيه زمامها من يد الإنسان فتنقلب عليه… ويسود عهد الآلة الصماء التي تحكم العالم بقوة “الحديد والنار” . وذهب المتفائلون إلى أنّ هذا التّزاوج أفضل أداة امتلكها الإنسان لحل مشاكله وتحقيق سعادته، حيث”يمثل العلم الحديث العقل النقدي البنّاء في أبهى صوره وأكثرها حسمًا وجزمًا وفعالية” . وجعله سيدا في هذا الكون. أمّا الآلة فقد حرّرته من كل أشكال العبودية، لأنّ “تقدم التكنولوجيا هو في ذاته ضمان ضد كل أنواع القهر، سواء أكان ذلك هو قهر الطبيعة للإنسان، أم قهر الإنسان للإنسان” .

ولنا أن نتساءل: هل سَمَت الإنسانية المستنيرة بنور العلم نحو الكمال كما حلم بيكون؟ هل حرّرنا العلم من كل الحتميات وخلّصنا من كل عبودية؟ أم أننا على شفا حفرة من الدّمار الشامل حضَّرهُ لنا عقلنا العلمي المستنير؟ “هل يظل المجتمع العلمي والتقني مستقرا لفترة طويلة كما استمرت مصر الفرعونية أو العربية؟”هل يمكن الحديث بالفعل عن أزمة للعلوم رغم نجاحاتها المطردة؟” . ما هو مستقبلنا في ظل التطور العلمي والتقني الرهيب؟
العلم أنبل صنعة إنسانية: “ودليل عظمة الإنسان في الكون وخلافته في الأرض، و”الامتزاج والتأثير المتبادل بين العلم والتكنولوجيا هو المصدر الأول لقوة الإنسان المعاصر” . أكد على ذلك رنييه ديكارت( 1596-1650) وفرانسيس بيكون(1561-1626) وفلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر الذين آمنوا بقدرة العقل على فض كل مغاليق هذا الوجود”.

أصبح العلم في العصر الحديث وسيلة للسيطرة على الطبيعة وتسخيرها لصالح الإنسان، لأنّ المعرفة التقنيّة تمكننا من جعل الإنسان سيّدا ومالكا للطبيعة، وهو ما أكد عليه ديكارت، أما بيكون فيرى أنّ الطبيعة هي مملكة المعرفة، وملاحظة ظواهرها وإدراك قوانينها بالمنهج الاستقرائي، يجعلها مسخّرة للإنسان، وآمن”بالعلم وبقدرته على تحسين أحوال البشر فجعل العلم أداة في يد الإنسان، تعينه على فهم الطبيعة والسيطرة عليها” ، فالمعرفة قدرة وقوة، وسلطة كما أصرّ على أنّ “العلم الذي لا يقبل التطبيق العملي بصورة من الصور لا يسمى علما فهدف العلم عند بيكون هو أن يجعل الإنسان سيدا على الطبيعة ومسيطرا عليها” .

لا يمكن للإنسانية أن تسمو نحو التطور والكمال إلاّ إذا استنارت بنور العلم واهتدت بهديه وإن “نحن أخذنا بيد العلم فسرنا به في الطريق السويّ، وملكنا زمامه وبسطنا عليه سلطاننا كان ذلك كفيلا بالمدينة الفاضلة التي تسمو فيها الجماعة الإنسانية إلى مرتبة الكمال” . وصدقت نبوءة بيكون وأصبحت حياة المجتمعات المعاصرة قائمة على العلوم والتكنولوجية “في سياساتها وحربها وسلمها وجدها ولهوها، منظمة تنظيما علميًّا منظمًا ودقيقًا. ولم يعد في وسع مجتمع لديه أدنى قدر من الطموح أن يسير في أموره بالطريقة العفوية التي كانت سائدة في عصور ما قبل العلم” .

إنّ الثورة العلمية والصناعية غيّرت أوروبا والإنسانية جمعاء، وكل تطور عرفه الإنسان أساسه المعرفة العلمية، و”كل تقدم أحرزته البشرية في القرون الأخيرة إنّما كان مرتبطا – بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالعلم. وإذا كان من المعترف به أنّ وجه الحياة على هذه الأرض قد تغيّر خلال الأعوام المائة الأخيرة بأكثر مما تغيّر خلال ألوف الأعوام السابقة فإنّ الفضل الأكبر في ذلك إنّما يرجع إلى المعرفة العلميّة” . تغيّرت المجتمعات الغربية تغيرا جذرياً، وارتقت من العهود المتخلفة الحالكة إلى عصور الأنوار المتحضرة بفضل العلم، و”كان عصر الطباعة يعني من النّاحية العملية هدم مبدأ السلطة بوصفه أساسا للمعرفة وبداية عهد جديد من الإعلام الواسع النطاق المتحرر من كل القيود” . وخرجت أوروبا من ظلمات العصور الوسطى الحالكة إلى أنوار العصر الحديث بعدما “حلت كلية الفلسفة والعلوم محل كلية اللاهوت والشريعة فهذا يعني أن المجتمع قد خرج من مرحلة العصور الوسطى ودخل في مناخ العصور الحديثة” .
سيطرت أوروبا صاحبة السواعد القوية، بفضل ثورتها العلمية والصناعية وبسطت سلطانها على العالم بأسره حتى”غدا أوروبيو الغرب أغنى وأغنى، وأصبحوا ملاكا للعالم كله. لقد غزوا أمريكا الشمالية والجنوبية، وكانوا أقوياء في إفريقيا والهند، محترمين في الصين ويُخشون في اليابان” . بعدما كانوا مجتمعات متخلفة ومتناحرة فيما بينها.

يمثل العلم روح العصر الحديث وحقيقته الأولى، فكل ما يميّز”العالم الحديث من العصور القديمة ينسب للعلم الذي حقق أعظم انتصاراته في القرن السابع عشر” . ولازالت البشرية تنعم بحقائقه وتستفيد من خدماته الجليلة، والشواهد على ذلك لا حصر له يقول طه عبد الرحمن:”قيمة كل علم تكون على قدر تعلقه بالعمل” .

العلم أرقى ما وصلت إليه العبقرية البشرية من معارف، وأفضل أداة لفهم الكون والتحكم والتنبؤ به، لقد”كان النّاس يفكرون على أنحاء متباينة. يتصورون أنّها كلها تهديهم إلى الحقيقة. ولكن كثيرا من أساليب التفكير اتضح خطؤها فأسقطها العقل البشري خلال رحلته الطويلة، ولم تصمد في النّهاية إلا تلك السّمات التي تثبت أنّها تساعد الإنسان على فهم نفسه والعالم” .
قال بوانكاري:”إنّ التعبير عن هذا النظام الداخلي للعالم هو القانون، والقانون هو واحد من الفتوحات الأكثر حداثة التي قام بها العقل البشري” . فالعلم مساهمة عقلية عميقة وجادة لفهم الكون، ولا يمكن لأي معرفة أخرى أن تحقق ذلك يقول رسل إنّ المقدرة على استخدام التجريدات هي لباب العقل وكلما زاد التجريد، عظمت انتصارات العلم العقلية” .

زعم الفكر السكولائي أنّ الحقيقة لا توجد إلا في الكتاب المقدس والعقل عاجز عن إدراكها لكن العصر الحديث قلب الآية وأعاد للعقل سلطته، و”أصرّ العلماء على أنّهم هم الآخرين أقدر البشر طرًّا على قراءة كتاب آخر لا يقل عن الإنجيل عظمة ولا دلالة على قدرة الربِّ وبديع صنعه إنّه كتاب الطّبيعة المجيد، وأصبح تعبير(قراءة كتاب الطبيعة المجيد)-ومنذ أن استعمله جاليليو قائلا إنّه مكتوب بلغة الرياضيات- تعبيرا شائعا في تلك المرحلة للدلالة على نشاط العلماء” ولازالت إنجازات العلم متواصلة وشاهدة على عظمته وعلى تهافت كل من يقلل من شأنه، إنّ”انتصار العلم هو نتيجة لتعويض الملاحظة والاستنتاج بدل المرجعية (النقل) إنه يساعد على العيش بدون ذلك الإسناد الخادع للوثوقية الوهمية” . فالعلم أسمى صنائع الإنسان وأكثرها تعبيرا عن حقيقته، وأقوى وسيلة لحل مشاكله، ومنهجه العلمي التجريبي”أنجع وسيلة امتلكها الإنسان للتعامل مع الواقع وحل المشكلات” . أما المنهج الفرضي الاستنباطي فقد كشف عن عظمة العقل في فهم الكون، لأنّه “إذا كان الفرض هو الأسبق فإن العقل الإنساني المبدع للفرض هو الذي يخلق ملحمة العلم المجيدة… ولا يعود نسق العلم بناء مشيدا، بل فعالية إنسانية حية نامية ومتطورة دائما” .

لم يتوقف الطموح الإنساني، ولن يتوقف تطوره العلمي إلا إذا انتهت حياته فوق هذه البسيطة لهذا نرى أنّ”العلم الحديث مرحلة شديدة التميّز والتوهّج من مراحل تطور العلم والعقل والحضارة إجمالا، فإنّ القرن العشرين أتى في إثرها ليضاعف مردودات العلم وحصائله بمعدلات متصاعدة غير مسبوقة وبات العلم العامل الفاعل الحاسم في تشكيل العقل والواقع على السواء” . وفي منتصف القرن العشرين يظهر رسل في صورة نصير للعلم على الطريقة التقليدية، ويعتقد في إمكانية بلوغ الإنسان الكمال عن طريق الفنون الصناعية.

يمثل العلم حقيقة الإنسان العارف بما مضى وما هو آت فهو قوة تفسيرية تساعدنا على فهم الظواهر، والعلماء يغيّرون نظرتنا إلى العالم،و”الأنثروبولوجيا جعلتنا ندرك بوضوح حجم المعتقدات التي لم يكن لها أساس من الصحة والتي أثرت في الكائنات البشرية غير المتمدنة…لقد كان العلم العامل الأساسي في تبديد الخرافات البدائية” . وأكد رسل أيضا أنّ العلم يتيح إمكانية الرخاء ولكن بشروط، حيث يقول:”العلم يتيح للإنسان مستوى من الرفاهية أفضل مقارنة بأي شيء في العصور السابقة. بشرط: التخلص من الحرب واستقرار عدد السكان، وتوزيع السلطة ضمن حكومة عالميّة بصورة عادلة…إنّ الإنسان لابد أن يلجأ إلى خيار العقل بدل خيار الموت” .

كل تقدم علمي هو تصحيح لأخطائنا ومعارفنا السابقة(وكم هي كثيرة جدّا)، وبذلك نقترب من الحقيقة، باعتبارها أشرف ما يصبو إليه الإنسان، والعقل العلمي عقل خلّاق متطور، وهو لا ينتج العلم فحسب، ولكنّه يتعلم من العلم أيضا فالعلم يعلم العقل يقول باشلار:”وبالإجمال فالعلم يهذِّب العقل ويعلِّمه” ، لأنّ العقل يُكيِّف بنيته ويطورها باستمرار تبعا لجدل معارفه المتطورة باستمرار أي أنّ “العقل القويم يمكنه في كل أصوله ومبادئه أن يزداد جدلا بفعل المفارقات والتناقضات” . ومن جهة أخرى فإنّ تقدم أي علم يساهم في تقدم علوم أخرى، فالرياضيات لغة العلم والعصر وسيلة للكشف العلمي فالكون قابل للتفسير الرياضي، وأبدع آينشتاين فيزياءه انطلاقا من هندسة ريمان اللإقليديّة.

العلم أساس كل حضارة، فهما يدوران معا وجودا وعدما، وبينهما تلازم في الحضور وفي الغياب فما من حضارة خلت إلا وفيها علوم، فهو”شريان تاجي من شرايين الحضارة الإنسانية ونبضه مؤشر دال على حيوية حضارة معينة والحضارة بدورها ليست مراحل منفصلة متمايزة بقدر ما هي عملية متصلة وسيرورة متنامية تسلم كل مرحلة فيها إلى الأخرى” . ومن جهة أخرى فقد شكل نموذجًا للتعارف والتلاقح بين المجتمعات البشريّة، فمن”وادي النيل ووادي الرافدين انتقل العلم والتقانة إلى الإغريق، ومن الإغريق رحلا إلى الإمبراطورية الإسلامية ومن غربها الأندلسي انتقلا إلى إيطاليا في عصر النهضة، ومن إيطاليا إلى فرنسا وهولندا حتى حطا في إنجلترا واسكتلندا إبان عصر الثورة الصناعية…وواصل سيره ليصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية، واليابان ومراكز عدة في شرق آسيا” . وكان حوارا رائعا بين خِيرة العقول البشرية المبدعة رغم اختلاف ثقافاتها وأزمنتها ودياناتها، كل مرحلة علمية متقدمة ضرورية ولازمة لمرحلة علمية متأخرة، فالحقيقة العلمية عالمية بطبيعتها، ولا مجال فيها للتفرقة القائمة بين الناس على أسس عرقية أو دينية، إنّ العلم تراث بشري مشترك أبدعته العبقرية الخلاقة المبثوثة بين الأجناس والأجيال ومثال رائع للتكامل بين البشر وهذا يفنِّد الزعم الأوروبيّ القائل بأنه مبدع العلوم وحده و”الطرح المنهجي المتكامل هو أن نعطي كل مرحلة حقها لأن “العلم أنبل مشروع ينجزه الإنسان” ، وأجل خطرا من أن تستأثر بإنجازه من ألفه إلى يائه حضارة معينة، أو مرحلة واحدة من مراحل التاريخ” . فالتاريخ العلمي أفضل بكثير من التاريخ السياسي المدنس بالجرائم والحروب والضغائن ولن تلج أمة ما الحداثة إلا بالعلم، فالحداثة كما يقول طه عبد الرحمن هي:”ممارسة السيّادات الثلاث عن طريق العلم والتقنية:السيادة على الطبيعة، والسيادة على المجتمع والسيادة على الذات” إذا كانت غاية الإنسان هي السعادة فإنّ ذلك لن يتحقق إلا بالعلم ومعرفة قوانين الطبيعة ولهذا فإنّ”كل طبيعة ومنها طبيعة الإنسان ذاتها، ينبغي أن تصير موضوعا للدراسة العلمية بهدف أن تنتج مزيدا من السعادة” . وكلما ازدادت الاكتشافات العلمية للحتميات زاد الإنسان تحررا، لهذا كان الإنسان المعاصر أكثر حرية وقوة من أي وقت مضى، و”الانتصارات العلمية أحيت الكبرياء الإنساني” . إنّ التكنولوجيا ضرورة حياتية تساعد الإنسان على إنجاز أعماله وتقدم له الخدمات والرفاهية وتوفر له الجهد والوقت والأمان وتضيف الراحة والبهجة والقيمة لحياة الإنسان، قال رسل “التقدم العلمي هو شرط ليس للتقدم الاجتماعي فحسب بل حتى لإدامة درجة الرفاهية التي توصلنا إليها” . فكل ما تنعم به البشرية من خدمات جليلة إنّما هي ثمار المعرفة العلمية والتقنية فالعلم “يستطيع إضفاء نوعين من المنافع: يمكن تقليل الأشياء السيّئة(إنهاء الفقر مثلا) ويمكنه الإكثار من الأشياء الجيّدة (لقد وهب العلم البشرية نعمة هائلة في التقدم الطبي)” .

وفّرت الآلة الجهد العضلي والفكري، وفتحت آفاقا هائلة أمام المعرفة البشرية(الانفجار المعرفي) وأحدثت”تحولا هائلا في ميدان الإنتاج المادي، إذ أن كفاءاتها كانت أعلى بكثير من كل أنواع الآلات السابقة، فضلا عن أنّها توفر نسبة كبيرة من الأيدي العاملة، أي كانت تحقيقا فعليا لحلم بشري قديم، هو حلم الآلة التي تقوم بكل أعمال الإنسان وتعفيه من مشقة العمل وهذا ما حدث إلى حد بعيد، في عصر الآلية الذاتية. ولكنّ الإنجاز الأكبر هو العقول الإلكترونية” . وقد أصبحت الحركة المتبادلة مستمرة بين العقل البشري والعقل الإلكتروني: فالعقل البشري اخترع العقل الإلكتروني لما بلغ مستوى من التّقدم، والعقل الإلكتروني ساعد العقل البشري على إحراز المزيد من التقدم، إنّ”العقول الإلكترونية المتطورة ترتفع بعقول العلماء إلى مستويات جديدة وهكذا تستمر الحركة الحلزونية في صعودها، فاتحة بذلك آفاقا لم تكن البشرية تحلم بها في وقت من الأوقات” .

كما شكلت أكثر العلوم نجاحا نماذج للفلسفة المعاصرة: فالعلم جعل الفلسفة تغيّر بنياتها العقلية وتركيباتها المنطقية. وفتح آفاقًا للتفلسف، فبعدما تطورت العلوم الرياضية والفيزيائية، أعادت الفلسفة البحث في بداهاتها وثوابتها وتوصّلت إلى نظريات جديدة تتّفق مع المعرفة العلمية الجديدة، فظهرت فلسفات تنطلق من اللاثبات ومن النسبية. لقد ازدهرت فلسفة التنوير في فرنسا وألمانيا “بوصفها انعكاسا لنجاح العلم الحديث الباهر فرفعت كل وصاية عن الإنسان انطلاقا من الإيمان المطلق بقدرة العقل على فض كل مغاليق هذا الوجود” ، خاصة إذ استعان بالتجريب والمنهج الرياضي باعتباره القوة الإثباتية للحقائق العلمية. وظهرت علاقة الفلسفة بالعلم مبكرا مع”ديكارت الذي استخلص على المستوى الفلسفي النتائج العميقة لهذا الحدث العلمي الكبير، وكان هو الذي عرف كيف يستخلص الدرس الفلسفي الأكبر من اكتشاف نيوتن لذا انتشرت العبارة القائلة : لولا نيوتن لما كان ديكارت وهذا دليل على مدى ارتباط الفلسفة بالتقدم العلمي في الغرب” . أما جون بياجي (1896-1980) فقد أكد أنّ المعرفة العلمية شكلت المجال الخصب للبحث الفلسفي، فلكي تولد الفلسفة أو تُجدد نشأتها لا بد من وجود العلوم و”أكبر المشاريع في تاريخ الفلسفة تكوَّن من
التفكير في المشروع العلمي المطروح في عصرها، مما يعني أنّ فلسفة العلم هي أخصب فروع الفلسفة” . أي أن مهمة الفلسفة هي تحليل المعرفة العلمية. فالعلم وسّع من دائرة الفلسفة ولم يقلص منها. لأن الفلسفة بحسب الوضعية المنطقية “ما هي إلا تحليل للغة العلم، وأنّ منهج الفلسفة منهج علمي صارم” .

إنّ تاريخ العلم هو تاريخ العقل وهو التاريخ الحقيقي للإنسان، فقد عكس ثقافة الشعوب وطريقة تفكيرها واستجابتها للتحديات، حيث ارتبط العلم في الحضارات الشرقية بالاحتياجات العملية (ظهرت الهندسة في مصر لبناء الأهرام) وتجلّت إنجازات الإغريق في العلوم الاستنباطية(الفلسفة والرياضيات) لأنّهم دأبوا على تمجيد النظر، وجمع الفكر العلمي الإسلامي بين النظري والتطبيقي وفيزياء نيوتن والمنهج التجريبي أكبر معبر عن روح العصر الحديث المتحرر من الميتافيزيقا أمّا ثورة الكوانتم والنسبية أعظم انقلاب في التاريخ “إنّ تاريخ العلم وليس تاريخ العروش والتيجان والحروب والمؤامرات هو التاريخ الحقيقي للإنسان وصلب قصة الحضارة في تطورها الصاعد” .

كشف العلم عن التناسق والنظام في الكون وهذا دليلا على عظمة صانعه، ومظهرا من مظاهر قدرته وهذا يعزز الإيمان والتوحيد، يقول ابن رشد:”إن كان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع أعني من جهة ما هي مصنوعات فإنّ الموجودات إنّما تدل على الصّانع لمعرفة صنعتها، وإنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم” . فالرب لا يٌدرك ولا يٌعبد إلا بالعلم، قال تعالى:”إنما يخشى الله من عباده العلماء” فاطر الآية 28. وشتّان بين معارف الإنسان في القرون الوسطى الظلامية ومعارف الإنسان المعاصر لأن “العلم يمنحنا المعرفة بسخاء” ، وسيظل كذلك إلى نهاية الإنسان.

إنّ ما قلناه يؤكد على عظمة هذه الصنعة الإنسانية المتميزة، ولكننا نتساءل هل حقق العلم كل آمالنا، وحل كل مشاكلنا، وأجاب عن كل تساؤلاتنا؟
خلق العلم في العصر الحديث ثقة زائدة في العقل وقدراته، لكن العلماء في نهاية القرن التاسع عشر شككوا في ذلك، وأكدوا بأنّه”سيظل لدينا شعور بالشك في قيمة العلم. هل يوجد النظام الذي يظن العقل البشري أنه يكتشفه في الطبيعة خارج هذا العقل الذي يكتشفه؟ كلا لا شك أن الحقيقة المستقلة كليا عن العقل الذي يتصورها، العقل الذي يراها ويحس بها حقيقة مستحيلة وإذا وجد عالم بمثل هذه الدرجة من الخارجانية فإنه سيمتنع علينا إدراكه وإلى الأبد” .

اعتقد فلاسفة الغرب قبل القرن التاسع عشر، أنّ العلم نموذج للمعرفة التامّة والنّهائية، وأنّه يفسّر كل مغاليق هذا الكون، وإنّ”علم الطبيعة كما انتهى إليه العالم الإنجليزي نيوتن هو تصوير صادق مطلق الصدق للعالم وإنّه صورة واضحة للواقع وقد اعتقد المفكرون أنّ مبادئ علم الطبيعة، بل ونظرياتها كذلك صادقة صدقا مطلقا” . وكان الإيمان بصدق المعرفة العلمية ويقينها هو أساس “الفلسفة الديكارتية ورؤية العالم الذي نتج عنها، وهنا أضل ديكارت نفسه، ومنذ البداية ففيزياء القرن العشرين برهنت بغزارة بأنه لا وجود لحقيقة مطلقة في مادة العلم وأن كل المفاهيم والنظريات هي محدودة وتقريبية” . وأزمة علم الطبيعة الحديث أظهرت أن علماء وفلاسفة العصر الحديث أساؤوا التصور على نحو يتسم بالسذاجة، و”إنّنا متيقنون من أن عقلانيّة القرن الثامن عشر والكيفية التي أرادت بها أن تبلغ الرسوخ الذي تتطلبه البشرية الأوروبية كانت ساذجة” . فالعلم ليس يقينا مطلقا، ولا معرفة نهائية، لهذا أكد فيرابند أن العلم ليس”نظاما معرفيا مقدسا يستلزم الكفر بكل ما عداه أو خالفه. إنه نظام عقلاني وجب أن ينمو ويزدهر وسط الأنظمة المعرفية الأخرى. وعلى الرغم من أنّ العلم ليس البتة دينا، فإنّنا نعامله من منطلق الإجلال الديني، من نظرة تقديسية تنظر إليه وكأنه كيان لا يدانيه إلا الحق والخير المطلق” .

لا يطلعنا العلم على كل حقائق هذا العالم، فهو يعرف أشياء وتغيب عنه أشياء، ويعترف عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكنغ أنّ”العلم سيظل عاجزا عن إنتاج نظرية تفسر سبب وجود الأشياء على الحالة التي هي عليها، ولا يمكن أكثر من مجرد القول إنّ الأشياء هي ما هي لأنّها كانت هكذا دائما. كذلك تعجز النظريات عن تأكيد صيرورة الكون، هل سيستمر الكون الحالي بالاتساع إلى ما لانهاية، أم أنّه سوف يتوقف في وقت ما ويتقلص ويعود إلى نقطة الانطلاق أي الصفر؟ هل يكرر الكون نفسه مرة أخرى ؟ هل هناك كون واحد أو أكوان متوازية لا نهاية لها؟” .

إنّ سعادة للإنسان لن تتحقق إلاّ بالتوازن بين الجوانب الروحية والمادية، لكن الثورة العلمية أشبعت الجسم على حساب الروح، و”الصورة ذات الطابع الواحدي والحتمي التي قدمها العلم قبل 1900 عن العالم كانت مثيرة للسخط إلى درجة أنّها استثارت احتجاج عدد من المفكرين، الذين شعروا أنّ من واجبهم النّهوض للدفاع عن حقوق الحياة والشّخص الإنساني والقيم الروحية” ، فما يحققه المجتمع التكنولوجي للأفراد، إنّما هي حاجات وهمية من صنع الدّعاية والإعلان ووسائل الاتصال؛ والإنسان اخترع الآلة كي تساعده وتريحه من العمل الشاق، لكنّها صارت مصدرا لقلقه وعاملا يفقده إنسانيته وإذا فُقدت هذه القيمة فماذا يبقى له؟. إنّ التقدم العلمي والتكنولوجي ترك آثاره العميقة على البيئة والإنسان ولا يمكن إزالتها بسهولة. فهل العلم تخلى عن أهدافه النبيلة؟ قال رسل:”إن العلم الذي بدأ باحثا عن الحق قد صار الآن غير متسق مع الحق” .

من المفارقات أنّ الأمراض والكوارث والصراعات في المجتمعات المعاصرة أصبحت أخطر مما كانت عليه سابقا، وحروب القرن العشرين دقت ناقوس خطر العلم حتى شبه آينشتاين التقدم التقني في فوضويته ولا مسؤوليته الأخلاقية بفأس وضعناه في يد مريض نفسي، يقول رسل: ”هناك شرّان قديمان يمكن للعلم إذا استخدم من دون حكمة أن يفاقمهما وهما:الاستبداد والحرب” هكذا يتحول العلم إلى تهديد خطير، وأصبحت نتائجه كارثية على الإنسان (صانعه) وعلى البيئة وقد كان”تمجيد المجتمع العلماني العقلاني بمعية قيم عصر التنوير هي التي أدت بالحضارة الغربية إلى العدمية والنزعات الشمولية من قبيل الفاشية والنازية” .

إنّ التمثل الميكانيكي للكون والمقترح من قبل فيزياء نيوتن تصور ناقص، لأنّ المادة بدون وعي ليست سوى أنقاض الكون، لأنه”بدون الوعي الشّاهد على نفسه، لا يكون للكون من وجود، نحن الكون نفسه حياته، وعيه وذكاؤه” . والفلسفة البرغسونيّة ترى أنّ العلم الطبيعي لا يدرس الحركة، بل يفتقد بالكلية إلى الديناميّة وإلى الحياة لأنّ العقل عاجز عن”فهم الديمومة الحقّة، وهي الحياة ذلك أنّ العقل مشكل على نموذج المادة ولهذا فإنّه حين يحاول فهم الديمومة فإنّه يقوم بنقل الأشكال والصور التي تختص بها المادة، من امتداد وقابلية للعد والحساب والوضوح، والتحديد الحتمي يقوم بنقل هذه الأشكال إلى عالم الديمومة وهكذا فإنه يقطع التيار الحيوي الفريد ويدخل عليه أللاستمرار والمكان والضرورة” . وعالم الديمومة هو عالمنا الحقيقي لا يدرك إلا بالحدس و”التعاطف العقلي” إننا كائنات واعية حرة ومبدعة.

لابد من إعادة نقد الحداثة الغربية الغارقة في فلسفتها المادية، وتطعيمها بفلسفة روحية تعيد للإنسان حقيقته. لابد من التأسيس”لحداثة ذات توجه معنوي بديلة عن الحداثة ذات التوجه المادي التي يعرفها المجتمع الغربي” ، كما أنّ واقع الحداثة الغربية يتعارض نهائيا عن الفلسفة التي قامت عليها، واقع متأزم حتى النخاع، لأنّ “الواقع الحداثي غير الروح الحداثية” ، كما أنّ فكرة سيادة الإنسان على الطبيعة والسيطرة عليها، نكران للجميل لأنّ “الطبيعة أم الإنسان، وليست أمَةً له فقد خرج من رحمها كما خرج من رحم أمه التي ولدته والوالدة لا تكون أمة لولدها” .

هل تحوّل العلم إلى خطر يهددنا؟ نعم وبشهادة المتخصصين والعلماء والتقنيين، إنّ الإنسانيّة صنعت وسائل فنائها بنفسها، وستدمر ذاتها إذا لم تتدارك الأمر، وكم حذّر العلماء ومنهم آينشتاين وأوبنهايمر رسل من ويلات العلم خاصة بعد استعمال الولايات المتحدة لنظرية النسبية في ابتكار القنبلة الذرية. ونحن نعرف أن معادلة آينشتاين”ظلت حقيقة “نظرية” في حاجة إلى التحقيق العلمي التجريبي، وكانت الظروف العالمية الخارجة عن نطاق العلم، هي وحدها التي هيّأت الفرصة لهذا التحقيق العملي، وهي التي جعلت أوّل وأهم تطبيقات هذه المعادلة يحدث في الميدان العسكري” . هكذا تستغل الأنظمة الفاسدة الحقائق العلمية البريئة لتحقيق أغراضها الدنيئة وتتنافس في صنع الشر والذعر بين الأبرياء، و”منذ بدأ العلم كانت الحرب الحافز الأكبر للتقدم التكنولوجي” .
بين العلم والحروب-إذا-علاقة تلازم، فالصراعات تحفز الإبداعات التكنولوجية التي تصنع الموت. وهذا يهدد الإنسان والطبيعة على السواء (تعتبر الأسلحة المتنوعة والخطيرة ونفاياتها أكبر الأخطار) زلزلت الحروب العالمية ثقة الإنسانية بنفسها لأنّ الأسلحة المتنوعة والخطيرة أصبحت أكثر فتكا ممّا كانت عليه في السابق، و”أي تقنية علمية، مهما كانت وحشيّة، سيكتب لها الانتشار إذا كانت ذات فائدة في الحرب” . لهذا تتنافس المجتمعات لامتلاك أكبر قدر من السّلاح أكثر مما تتنافس في مجالات أخرى، فمن “القنابل الذرية إلى القنابل الهيدروجينية التي هي أشد فتكا بكثير ووصلت هذه القنابل الآن إلى درجة من القدرة التدميريّة أصبح العلماء معها يصنفون قنبلة هيروشيما بأنها “لعبة أطفال” . وإذا أصبح العلم أداة تؤجج نار الحرب فمن يحقق سعادة الإنسان؟.

كان من المفروض أن يرتبط “العلم بالسلم لا بالحرب، لأن العلم ِنتاج العقل والعقل لا يعترف بلغة العنف في فض المنازعات بل يحكم المنطق السليم في أي خلاف وكان هذا ما تصوره المفكرون الفلاسفة فقد كان الحلم الذي يراودهم -وعلى رأسهم كانت –هو أن يؤدي انتشار العلم إلى إقرار “سلام دائم” . أليس التّطور السّليم هو أن نضيِّق دائرة العنف ونوسِّع دائرة السلام؟، ، لكنّ الواقع يقول العكس تماما، فقد “كانت عبقرية العلماء تستخدم في زيادة قدرة الإنسان على القتال والقضاء على الخصوم” . والحروب دارت رحاها بمنتجات علمية وتقنية، صنعتها النخبة العالمة، وسُميت ”الحرب العالمية الأولى “حرب الكيميائيين” (إشارة إلى دور الكيمياء في صناعة المتفجرات وتطوير الوقود ثم الغازات السامة في هذه الحرب) والحرب العالمية الثانية حرب الفيزيائيين (إشارة إلى دور الفيزياء في صنع القنبلة الذرية والرادار وغيرهما). أما الحرب الثالثة فستكون–إذا وقعت(لا قدر الله)–حرب الصواريخ والفضاء والإلكترونيات، أي أنّ دور العلماء في هذه الحروب يفوق في أهميته دور الجيوش المحاربة، بل أصبح العلم يتغلغل في عمل الجندي المحارب ذاته” . إنّ الحرب يصنعها الساسة وأصحاب المصالح بوسائل وطرق علمية وتقنية، ولأغراض لا علمية ولا إنسانية. قال فوكوياما:”ما كان لحروب القرن العشرين الشاملة أن تحدث لولا التقدم المهم في الثورة الصناعية” . فهل صنع العقل العلمي المستنير أدوات الفناء؟ لقد كان العلماء”الذين شاركوا في صنع القنبلة هم أشد الناس ذهولا حين فوجئوا بنبأ إلقاء القنبلتين الذريتين” .

أصبحنا نعيش الذعر والخوف أكثر من أي وقت مضى، بسبب ما أبدعته عقولنا العالمة “لأننـا نجـد أنفسنا مسوقين إلى حرب لا يكاد يريدها أحد، وهي حرب كما نعلم جميعاً لابد أن تجلب كارثة للغالبية العظمي من البشر ولكننا مثل أرنب سحرته أفعى تحدق فـي الخطر دون أن تدري ماذا تفعل لتتجنبه ويحكي بعضنا للبعض قصـص أهـوال القنابل الذرية والقنابل الهيدروجينية والمدن التـي محيت مـن عـالم الوجـود والجحافل الزاحفة والمجاعات الوحشية في كل مكان” . والمجتمعات تملك كمًّا رهيبا من الأسلحة الهائلة المتطورة يمكنها أن تفني الحياة في لحظات.

الكثير من المعطيات لا تبشر بخير، ويمكن القول أنّ”القرن العشرين قد غرس فينا جميعا تشاؤما تاريخيا عميقا” . خاصة بعدما امتلكت الكثير من الأنظمة الفاسدة التقنيات الحربية المتطورة قال رسل:”المجتمع لن يكون مستقرا إذا ما شرع الحكام في مغمرات طائشة كتلك التي خاضها قيصر ألمانيا وهتلر” . والطغاة مستعدون دائما لإبادة شعوبهم للبقاء في عروشهم.

تناولت دراسات كثيرة أخطار الإشعاع في المدى المباشر القريب والبعيـد و بيّنت هذه الدراسات أن خطر الإشعاعات ليس بأقل من خطر الأسلحة ذاتها، وحتى لو”استطعنا تفادي هذه الكارثة فإن الفضلات النووية التي تنتجها المراكز النووية قادرة على الإشعاع (أي إنتاج التلوث النووي) مدة تزيد عن نصف مليون من السنوات…بالإضافة إلى أنّ البلوتوينوم لا يتحلل بعد موت الجسم المصاب بالإشعاع، أي أنّه إذا مات حيوان مصاب، وأُكل من قبل حيوان آخر فسوف يصاب هذا الأخير بدوره كذلك لو تحلل وتحول إلى غبار، فهذا الغبار أيضا ملوث. وهكذا فسوف يبقى البلوتونيوم موجودا وقائما بعمله المميت متنقلا من جسم إلى آخر مدة 500 ألف سنة” . فهل تتحمل الأجيال البريئة القادمة نتائج حماقاتنا التي صنعتها عبقريتنا العلمية ؟.

إنّ التلوث الذي تسببه الآلات والغازات السامة المتطايرة في الجو، والمياه الملوثة بالنفايات المشعة تسـبب كثيـرا مـن الأمراض الخطيرة، وهذا الوضع المتردي آخذ في الازدياد، وفي”انتظارنا كوارث لم تٌعهد من قبل، بداء من الشتاء النووي نتيجة استخدام الأسلحة النووية أو الإحرار العالمي بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض تدريجيّاً” . لقد قضى الإنسان على عوالم كثيرة وبتأثير أفعاله أصبحت أنواع حيوانية تختفي كل عام دون أن تترك وراءها أي أثر وهناك أمكنة طبيعية اختفت نهائيا، كل ذلك “يبرهن لنا التأثير السلبي للتنافس المدفوع لحده الأقصى. وهناك لابد من التّشديد على أنّ الكائن الإنساني نفسه سوف يكون الضّحية النّهائية لهذا التنافس المتنامي” .

قبل أكثر من ربع قرن، وبعدما تقدمت العلوم كثيرا قرر حكام العالم أن”يستعملوا الذرة من أجل السلم وقدموها على أنّها منبع للطاقة الأكيدة، النّظيفة والرّخيصة للمستقبل. وها نحن اليوم نكتشف أنّها للأسف ليست أكيدة ولا نظيفة ولا رخيصة. هناك 360 مفاعل تعمل حاليا في العالم (لا بد أنها زادت أضعافا)وقد أصبحت تشكل تهديدا عظيما لسلامتنا. العناصر المشعة النّشطة التي تنبعث منها هي نفسها التي تطلقها القنابل الذرية. هذا بالإضافة للتلوث الذي يجتمع في الهواء ونتنفسه ونأكله مع الطعام والشراب مما يساعد على انتشار السرطان والأمراض الوراثية” . إنّ استخدام الذرة في المجالات السلمية مازالت في مستوى أقل بكثير من القدرة على استخدامها في الأغراض عسكرية، و”الإنسان مازال يثبت أنّه أقدر على استخدام عقله وعبقريته من أجل الموت منه على استخدامه من أجل الحياة” . أي أكثر الكائنات إفسادا وسفكا للدماء.

وهناك جريمة أخرى صنعتها السياسة باستخدام العلم دائما: لقد كانت الانثروبولوجيا وسيلة بيد الاستعمار الإمبريالي يوظّفها لفهم ثقافة الشعوب ليسهل عليه فيما بعد السيطرة عليها، لقد”كانت
العلاقة بينها وبين الاستعمار علاقة تبادلية وطيدة. فالاستعمار احتاج إليها لترسيخ سيطرته على الشعوب المقهورة بأن يزداد علما بأوضاعها وأحوالها ومعارفها، ففتح المجال للأنثروبولوجيين وأتاح لهم منحا وتسهيلات لم تتح سابقا للباحثين، فكان لابد أن ترد الانثروبولوجيا الدَّين للاستعمار وتسير نحو العمل على تبريره عن طريق الحط من شأن الحضارات المستعمرة وتهوين قيمة معارفها وإنكار دورها في قصة الحضارة” . وتبقى قصة العلم غربية خالصة، ويبقى الغرب هو صانع الحضارة من المعجزة الإغريقية إلى المعجزة الغربية الحديثة، إنها العنصرية النتنة.

تحولت المعرفة العلمية إلى صنم تحرم أي تفكير خارجه وقضينا على حرية فكرنا، قال فيرابند أنّه لو”خُيّر بين الصدق والحرية لفضّل الحرية، وانتقادي موجه إلى العلم المعاصر هو أنه يخنق حرية الفكر وإذا كان التبرير هو أنّنا عثرنا على الصدق، وعلينا أن نتتبعه، لكان ردِّي هو أن ثمة أشياء أفضل يجدر بنا أن نعثر عليها أولا” . فهل يكرر العلم الحديث حماقات الفكر السكولائيّ؟. وهذه الوثوقية في العلم وفي قدراته على حل جميع المشاكل حتى الاجتماعية منها جعلته دينا مقدسا من غير وحي، قال الجابري:”على أساس العلم النيوتيني –الدوغماتي النزعة – والفلسفة الوضعية التي شيّد صرحها أوجست كونت، والتي رفعت العلم إلى أسمى ألدرجات، قامت نزعة علمَويّة انتشرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر خاصة وكان زعماؤها في الغالب فلاسفة لا علماء وكثيرا ما كان هؤلاء الفلاسفة متخلفين عن ملاحقة تقدم العلم…وهكذا نشأت ديانات وضعية تعتبر”العلم دين المستقبل”سان سمون، أوجست كونت هربرت سبنسر” .

أزمة العلوم الحالية ليس في عجزها عن تفسير الكثير من الظواهر، ولكنّها عجزت عن الإجابة عن أسئلة متعلقة بالإنسان لأنّ “رؤية الإنسان الحديث للعالم تحددت كلها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من قبل العلوم الوضعية وحدها، وهذا ما أدى إلى الإعراض في لامبالاة عن الأسئلة الحاسمة بالنسبة لكل البشرية حقّة. إن علوما لا تهتم إلا بالوقائع تصنع بشرا لا يعرفون إلا الوقائع” .

لكنّ العلم في الحقيقة لا يهدد أحدا، وإنّما هو منهج وأسلوب منظم لرؤية الأشياء وفهم العالَم ولم يكن قط سببا لأي شرّ”ولم يكن العلم ولا أصحابه هم المسئولون عنها، وأعظم خطأ يرتكبه المدافعون عن مبدأ معين أو عن ضرب من ضروب النشاط الروحي للإنسان، هو أنّهم يعتقدون أن العلم مصدر خطر عليهم. ويضعوا مبدأهم أو نشاطهم الروحي في خصومه مع العلم. فعلت هذا الكنيسة في مطلع عصر النهضة” . والتقنية العلمية” هي الأداة الممتازة” التي استغلتها النظم الفاسدة لتحقيق خبثها ومكرها، و”يمكن للتقنية العلمية أن تكون طيّبة لولا بعض الخبثاء الذين يبعدونها عن مقاصدها الحقيقية. إنها وسيلة يستعين بها الإنسان لتكملة ما ينقصه فالحاجة أم الاختراع” .

يمثل العلم الوجه المشرق للإنسانيّة، أبدعه عقلها المستنير، وتبقى ظاهرة العلم أنبل صنعة إنسانية، و”ليسا شكلا ثقافيا عرضيا، بل غاية تحملها البشرية في ذاتها وتتجه نحوها ولا تتحقق كونها بشرية إلا بانبثاقها” . ونجاحات عالمنا المعاصر أساسه النظرة العلمية في تدبير شؤون الإنسان، و”تضاؤل المعاناة الإنسانية نتيجة تقدم في العلوم الطبيعية لا يقيم بثمن” .

شكلت الثقافة العلمية نمط المجتمع والفرد وخلقت عالما إنسانيّا عَالِما، ولكن لابد من إعادة بناء الإنسان روحا وجسدا حتى يشعر بذاته ويحقق ماهيته، والحداثة الحقيقية يجب أن تستوعب الإنسان ككل، إن “قدرة التكنولوجيا على الارتقاء بحياة البشر تتوقف بشكل حاسم على حدوث تقدم مواز في أخلاق البشر” . نحتاج، إذا، إلى تجربة علمية دينية وأخلاقية وفنية …، فالإنسان هو الباحث عن الحقيقة وعن الإله وعن الخير والجمال، لهذا “يجب التمييز بين الفلسفة الطبيعية (الفيزياء) وقوامها التجارب وقوانين الحركة ومجال العلم الأسمى الذي يسعى إلى معرفة خالق الطبيعة. وهذا العلم لا يمكن أن يستقى من الظواهر لأنّها مجرد إحساسات بل إنّ منبعه ومصدره التأملات الميتافيزيقية واللاهوتية والأخلاقية” .
وأخيرا هل لنا أن نتفاءل بمستقبل سعيد ينعم فيه الناس بالحرية والخير والحق والجمال؟ يُضيِّق دائرة الحرب والعنف ويُوسِّع من دائرة السلام والتسامح؟ هذا ليس بمستحيل على الإنسان( خليفة الله في الأرض) فهو”القادر على التغلب على أكثر غرائزه الأساسية الحيوانية، وأهمها غريزة حب البقاء، في سبيل مبادئ وأهداف أرقى وأكثر تجريدا” .

المصادر والمراجع :
القرآن الكريم

ابن رشد أبو الوليد محمد بن أحمد، فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من اتصال، دار المشرق، بيروت للبنان،دط، دت
إ.م.بوشنسكي، الفلسفة المعاصرة في أوروبا، تر: عزت قرني، عالم المعرفة، الكويت ،1992
الجابري محمد عابد، مدخل إلى فلسفة العلوم،العقلانية المعصرة وتطور الفكر العلمي،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، ط5، 2002
الغزالي أبو حامد، مجموعة رسائل الغزالي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع –بيروت –لبنان، دط،2006
الخولي يمنى طريف، فلسفة العلم في القرن العشرين،عالم المعرفة، دط ،2000
باشلار غاستون، فلسفة الرفض مبحث فلسفلي في العقل العلمي الجديد، تر: أحمد خليل أحمد، دار الحداثة ،ط1، 1985
بوانكاري هنري، قيمة العلم، ترجمة الميلودي شغموم، دارالتنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2006
جورج سارتون، تاريخ العلم والإنسية الجديدة، ترجمة إسماعيل مظهر، دار النهضة العربية، القاهرة،1961
هوسرل إدموند، أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترانسندنتالية، ترجمة إسماعيل المصدق، المنظمة العربية للترجمة، بيروت–لبنان، ط1، 2008،
طه عبد الرحمن، العمل الديني وتجديد العقل، المركز الثقافي العربي، ط2، 1997
طه عبد الرحمن، روح الحداثة المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء –المغرب، ط1
ماكس بيروتز، ضرورة العلم، تر: وائل أتاسي وبسام معصراني، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1999
ماهر عبد القادر محمد علي، فلسفة العلوم، ج2، دار النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت، دط ،1984
محمود زكي نجيب، قصة الفلسفة الحديثة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ،1936
مغنية محمد جواد، مذاهب فلسفية، دار ومكتبة الهلال، بيروت لبنان ،2003،
عبد القادر محمد ماهر،الاستقراء العلمي في الدراسات الغربية والعربية ، دار المعرفة الجامعية، دط، 1998
فؤاد زكريا، التفكير العلمي،عالم المعرفة ،الكويت، دط، 1978
فوكوياما فرانسيس، نهاية التاريخ وخاتم البشر،تر:حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر،ط1، 1993
فياض منى، العلم في نقد العلم دراسات في فلسفة العلوم، دار المنتخب العربي بيروت –لبنان، ط ، 1995
صالح هشام، مدخل إلى التنوير الأوروبي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، ط1، 2005
رسل برتراند، أثر العلم في المجتمع، تر:صباح صديق الدملوجي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان،ط1، 2008
رسل برتراند، النظرة العلمية، ترجمة عثمان نويه، دار الهدى للثقافة والنشر، ط1، 2008
رسل برتراند، تاريخ الفلسفة الغربية، ترجمة محمد فتحي الشنيطي، مطابع الهيئة المصرية للكتاب، دط ،1977

الموسوعات والمعاجم
أندي لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية،ج3، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات بيروت -لبنان،ط1، 1996
مراد وهبة، المعجم الفلسفي، دار الثقافة الجديدة، ط3، 1979

المجالات والدوريات
بن سعيد محمد، سؤال الحداثة في فكر طة عبد الرحمن من النقد إلى الإبداع ،مجلة دراسات إنسانية واجتماعية، جامعة وهران العدد 05، جانفي 2015
عثماني عي، “بنية المعرفة العلمية عند غاستون باشلار” رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في الفلسفة، جامعة منتوري قسنطينة، كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، قسم فلسفة، 2007/2008