الرئيسية / ملف العدد / الدرس الفلسفي ودوره في بناء السلوك الديمقراطي.

الدرس الفلسفي ودوره في بناء السلوك الديمقراطي.

فرش اشكالي:
ليس من اليسر أن نضع حدوداً بين مجالات أو دروب التفكر الفلسفي – وفق الصورة الهيدغرية الحداثية للفلسفة – فالأمر هنا والآن، أي من جهة المكان والزمان، يشهد تداخلا رهيبا وتعالقا على درجة عالية من التقاطع بين الدرس في صورته الفلسفية، وارتباطه الوثيق بالتربية ممارسة وتنظيرا، بحيث يندرج الدرس الفلسفي ضمن الخطاب التربوي باعتباره ركيزة من ركائزه وفضاء تتشكل في جوفه الرؤية العقلانية التي عليها نعول في ترسيخ الديمقراطية، قبل أن نتحدث عنها كمطلب وغاية منشودة ونلفها داخل جمل محنطة ومتكلسة في الزمان، يشمئز منها كل سامع حاذق ومتمرس في البراكسيس السياسي.

يعني هذا، وبصورة عامة، أن الدرس في الفلسفة، تمييزا له عن الدرس في باقي المواد التدريسية، يأخذ صورة مخصوصة هي انبنائه على مفهوم الحوار ، بحيث لا يتم تحريك الفضاء التدريسي، إلا اعتماداً على إنشاء علاقة تحاورية بين الأستاذ وطلبته أو بينه وباقي أفراد المؤسسة.

إن انتفاء الحوار في الدرس الفلسفي يؤدي مباشرة إلى وأد الدرس في رشيماته الأولى ويتحول بذلك إلى مجرد وصاياً كنسية تنزل من عل و تنتشر في الحجرة فتتحول إلى موطن طقوسي خالص. ومنه تكون كل محاولة إلى الحديث عن درس فلسفي على نحو ما هو معهود في الممارسات البيداغوجية مجرد هرطقة بالمعنى العام لهذه اللفظة، أي أن الحوار هو الذي يمنح للدرس محتواه الديمقراطي الحقيقي كأفق حداثي نريد له أن يتجذر في حياتنا الثقافية والسياسية ، منطلقه الأول هو الدرس الفلسفي سواء في المرحلة الثانوية أو الجامعية ومنتهاه في الفضاء الاجتماعي العام.

تأسيساً على كيف يمكن لدرس فلسفي يجري في فضاء مكاني صغير أن يهندس ممارسة سياسية وديمقراطية على مستوى عال من التعقيد والتركيب؟؟ وإذا كانت الممارسة الديمقراطية التي تتمظهر في أشكال عديدة تتحدث من خلالها عن المواطنة والحقوق والواجبات واحترام الآخر ومراعاة الشأن العام أن ترهن مشروعها لممارسة بيداغوجية بسيطة ويومية ؟؟.

فرش تحليلي:
لا نحبذ في هذا المستوى من التحليل أن تترسخ عند العامة أو المقبلين على تعلم الفلسفة تلك الصورة التي شاعت بينهم حول الفلسفة كمادة تدريسية تقدم للطالب في السنوات النهائية من التعليم الثانوي في أغلب الدول العربية، حيث استقر في أذهانهم أن الفلسفة هي صاحبة العسر ورديفة اللامعنى وأخت المروق والتمرد، أما ولوجها فهي محاولة محفوفة بالمزالق الفكرية والسلوكية وحتى العقدية. نجد هكذا صورة في حديث أدونيس* عن تجربته الأولية مع الدرس الفلسفي، قائلاً: ” أذكر أن الدخول إلى قاعة الدروس الفلسفية في الجامعة، كان بالنسبة إلي، نوعاً من الدخول في بيت أشباح. وكانت النصوص الي ندرسها تبدو لي كمثل جثث عائمة، وكان علي، مع ذلك، أن أصغي بدقة إلى الأستاذ يمليها من دفتره الخاص، لكي أتمكن من سماعه ومن نقلها بدقة-استعداداً لدرسها- أعني لحفظها، وردها إليه في الامتحان مكتوبة بلغته هو، وصياغته هو، وآرائه هو. كنت أدخل إلى القاعة وأخرج منها، كما لو أنني أدخل إلى منفى، وأخرج منه. وكان الوقت الذي أمضيه، مصغياً ناقلاً، يبدو كأنه خارج الوقت. هذا الذي كنت أصغي إليه وأدونه كان بمثابة عازل يفصل بيني وبين ما أعيشه يومياً، في حياتي الأليفة، ولم تكن له علاقة بهمومي الجسدية، أو مشكلاتي الجسدية، أو مشكلاتي الذهنية. كنت أتعلم شيئاً لا يعلمني أي شيء. أملأ عقلي بما لا أقدر أن أستخدمه عقلياً. كانت تلك النصوص الفلسفية تشبه ركاماً من الرمل يتكوم في رأسي إلى أن يحين وقت الامتحان، حيث أفرغه على الورق، صارخاً بعد الانتهاء، بفرح كبير: لقد زال العبء.هكذا كنت أتعلم على النقيض مما يرى كانط: لا نتعلم الفلسفة، وإنما نتعلم أن نتفلسف.” .
تحملنا هذه الرؤية المؤسفة للفلسفة باعتبارها صورة نمطية وثابتة عن الفلسفة لدى أغلب الدراسين المبتدئين، على الدخول في مواجهة معها كونها صورة مضللة عنها، تفتيتها شرط بناء ممارسة فلسفية سليمة من جهة المنهج وقويمة من جهة المبتغى، ممارسة تبني على قاعدة أساسية هي قاعدة “الحوار”، التي تفتت أولاً سلطة الأستاذ المهيمن والمتعالي وتجعله مشاركاً في الدرس كفرد ينضاف إلى باقي أفراد القسم، يعترف بوجود أنوات حرة ومسؤولة لها إرادات مستقلة بذاتها تحوز على أفق حياتي مشبع بالأمل والطموح. عندها فقط يمكن أن نسير في طريق ديمقراطي حقيقي، أي أننا، وبصورة أخرى، لا ندعو إلى الحط من قيمة الأستاذ أو نزع الهيبة عنه، هذه مسألة غير مكترث بها على الإطلاق في خطابنا، لأن الهيبة المزيفة والخوف المرضي شكلان من التصرفات السلبية الممقوتة في الممارسة التربوية بتعلة عقابيلها الكارثية.

على هذا الأساس، ومن صلبه، نتوجه صوب الانفتاح على شرط معرفي آخر يتصل انطولوجياً بقاعدة الحوار، وهو شرط السؤال الذي منه ينطلق الحوار في مساره الطويل وغير المحدد سلفاً، بحيث يعترف أدونيس، بعد أن تحدث عن علاقته الصدامية مع الدرس الفلسفي، أن المخرج يكمن في الاهتمام بالسؤال فهو ينضم :” إلى من يقولون بأن الفكر الفلسفي ينهض على السؤال، وبأن الفلسفة هي أن تفكر متسائلاً. فأن نفكر فلسفياً يعني، بعبارة ثانية، أن نعيد طرح المشكلات بحيث نعيد خلقها في أفق ما نجهله، ونعمل على استقصائه، إيغالاً في الكشف عن المعاني الأولى لا للأشياء وحدها، وإنما للكلمات أيضاً” . وفي اللحظة التي يتم فيها تدشين الفعل الفلسفي بفضل انخراطنا في عملية التساؤل، نكون قبال التسآل عن الحياة برمتها، وعن مشكلاتها المنتشرة في دروبها الصعبة وفي تعاريقها التي لا تنتهي عند تخوم معينة.

وبهذا يكون الدرس الفلسفي قد انفتح على الحياة، وغدا نافذة على قيم جديدة مثل اللامركزية، الاعتراف بالأخر كذات مستقلة ولها كرامتها الخاصة بها، التسامح مع المختلف عنا، الحرية في مختلف صورها، المواطنة الحقة، التذاوت في المفهوم الهابرماسي، الانخراط في الممارسة الاجتماعية دون مركب تعالي أو نقص، الإقرار بنسبية المعرفة البشرية وهجران كل شكل من أشكال التعصب الأعمى لدوغمائيات تجاوزها التاريخ. في هذا المضمار يعترف الباحث الجزائري عبد القادر بودومة، بدور الدرس الفلسفي في إنجاز هذا الرهان التربوي/ الديمقراطي حيث يقول:” إننا نؤكد أن الفلسفة أصبحت تعرف ميلادها المتجدد داخل حلقات التدريس والدرس الفلسفي، باعتبارها تراثاً لا راهنياً Inactuel بالإضافة، إلى كونها معرفة تختلف عن بقية المعارف الأخرى التي تميز بدورها بالجاهزة في تقديم المعارف. إن تدريس الفلسفة إذا هو بمثابة إمكانية لخلق الأفكار والمعرفة، إنها هذا الانفتاح، السبيل والأفاق بتراث يجسد فعل التفكير.” .
أما الدافع الثاني، الذي ينسجم مع بحثنا عن علاقة الفلسفة بالحياة وزخمها، فإنه يتموقع أساساً في رغبتنا الملحة على تنزيل الخطاب الفلسفي من عليائه التي استقر فيها لمدة طويلة من الزمن وسكنها كمقام خالد لا يبرحها إلى أي جهة أخرى، أعجبته المسائل النظرية الخالصة واستسهل اشكالاتها ، يحتفظ لها بمضمونها ويبحث لها عن أردية لغوية جديدة دون أن يجرأ على تغيير المحتوى، رؤية تقديسية للفلسفة نهايتها القطع مع الواقع الإنساني الحي والمتحرك، والذي يشتغل على هذا النحو يسمى عند الفارابي بالفيلسوف البهرج، ومنه يرى أستاذنا فتحي التريكي أن هذا النوع من الفيلسوف قد :” هيمن عندنا في المجال الفلسفي والفكري، إذ أصبحت الفلسفة تقاس بمدى قدرة الفيلسوف على إعادة صياغة النظريات والأفكار الخاصة بالفلاسفة الكبار دون أن يكون هناك ربط حقيقي بمشاغل الفرد اليومية في مجتمعه. أما الذي يحاول توجيه الفلسفة وجهة انتربولوجية مستغلاً مفاهيمها وتصوراتها للبحث في المجالات العامة والتطبيقية فهو لا يعدو أن يكون-عندهم- مفكراً لا غير، وذلك في أفضل الحالات. إن لم ينعت بأوصاف بذيئة.” .

أما القطع مع الفيلسوف البهرج، لا يمكن أن يعدو مجرد عملية يسيرة وسهلة المنال، بل هي على النقيض، على درجة كبيرة من العواصة، لأنه يسعى إلى الاختباء في أدوار معينة يعتقد واهماًُ أنه يؤدي دوراً اجتماعياً متميزاً، فإذا :” خرج من برجه سيحاول كالخطيب في أثينا القديمة، نيل إعجاب الناس وذلك للهيمنة والسيطرة وإرضاء غريزة النفس والاعتداد بها، وهذا سبب من أسباب عدم قدرة الفيلسوف عندنا على التأثير الحقيقي في المجتمع. وهي حالة قد يتم تشجيعها، سياسياً وثقافياً واجتماعياً ودينياً، لأن الفيلسوف البهرج يحتقر العامة ويتوجه إلى خاصة الخاصة، بل يعيش تحت وابل النظريات الكبرى يحاول فهم جزئياتها… فيكون بدون تأثير مباشر على الأحداث” .
الانتقال بذلك من الفيلسوف البهرج إلى الفيلسوف الكامل، يفهم عند أستاذنا التريكي على أنه خطوة ضرورية وملحة وحيوية من أجل إعادة الفلسفة إلى طريقها السوي، فقط :” آن الأوان أن نعود إلى تطوير الفلسفة بمعناها الحقيقي، لك التي تهتم كما يقول الفارابي “بالفضائل النظرية أولاً ثمن بالفضائل العملية”. فالفلسفة هي عملية تشخيص واقع الإنسان ومقتضياته ومستتبعاته بأدوات نظرية وطريقة بحثية نقدية” .

ثانيا: الدرس الفلسفي الديمقراطي.
على هدي هذا الفرش التحليلي الذي تحدثنا فيه عن الشروط المعرفية من حوار وتساؤل التي بها تنفتح الفلسفة على الحياة، أو أن الحياة هي التي ترتحل إلى الفلسفة، نستطيع أن نتوجه صوب الإمساك بمواصفات الدرس الفلسفي في جوهره الديمقراطي:
1-الانفتاح:
لا يمكننا تحت أي ظرف من الظروف أن نبعد الدرس الفلسفي كممارسة ضرورية للحياة وللديمقراطية عن منظومة التربية بمحتوياتها المعرفية من برامج ودروس ونشاطات مختلفة، فالانفتاح على الحياة يبدأ قبل ذلك بالانفتاح على هذه المنظومة المركبة، دون أن يعني ذلك تفكيك المنظومة، أو ذوبان الممارسة الفلسفية داخل مسارات تعليمية متشابكة، إذ يجب :” ضمان وتطوير ما ندعوه في الغالب، “الخصوصية” المهددة للمادة الفلسفية، ومواجهة عملية تشتيتها، إن لم نقل تذويبها، داخل تدريس العلوم الاجتماعية أو الإنسانية، وداخل تدريس اللغات والآداب أيضاَ، كما هو الشأن في فرنسا” .
بل يعني عندنا، أن تنفتح الفلسفة على جميع المواد، وأن تحافظ في ذات الوقت، على هويتها المخصوصة، وهي نشاط جدلي بامتياز يحوي في جوفه القضية ونقيضها، مما يدفع بالدرس الفلسفي إلى تخوم التقاطع معها والتداخل المعرفي الذي يغنيها وينميها في حركيتها التاريخية. إذ هي دوما في حال الترحال الدائم من موقع إلى آخر ومن فضاء إلى أفق جديد وطريف، لأن :” الفلسفة والهوية الفلسفية، هما أيضاً اسمان لتجربة تعرض نفسها داخل المماثلة عموما، أي تشرع في الرحيل، فهي تقع في مكان لم تحدث فيه، هناك حيث المكان غير طبيعي وليس أصليا ولا معطى” .
هدا الترحال في صورته الايجابية ينطلق من مطالبة الفلسفة :” بالانفتاح على كل التداخلات بين المواد دون أن تفقد هويتها، فلأنها لا تخضع كمادة من بين المواد، للتعاملات الهادئة والمنتظمة بين معارف ذات حدود مضبوطة أو مساحة موضوعات قابلة للتعيين.” . انفتاح يغذي الهوية الفلسفية ويعزز التلاقي المعرفي، دون أن يترك ندوبا على الجسد الفسلفي التعليمي، أو أن يسجنها في أطر كلاسيكية يستمتع بها الفيلسوف البهرج، وينفر منها الفيلسوف الكامل.

2- الحداثة:
استحالت الحداثة في مختلف تمظهراتها مطلباً إنسانيا وحضاريا، انشغلت بها الأنفس كونها غاية حضارية فرضت نفسها على الساحة الفكرية المعاصرة، والحداثة في تعريفها العام تشير إلى :” عوامل القطيعة والتحول والتغير داخل المجتمع. فهي نموذج فكري، تأسس وترعرع في الغرب، مباشرة بعد عصر النهضة، وارتكز على مفهوم العقل المنظم لكل نشاطات الإنسان داخل المجتمع، سواء تعلق الأمر بالعلم أو بالتقينة أو بالتنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإدارية. لذلك يتم الحديث عن المجتمع العقلاني، الذي يتحكم فيه العقل في النشاط العلمي والتقني وأيضاً في أنشطة الحكم وإدارة الأشياء” . وفي مضمون هذا التماشي مع مسيرة الحداثة، فإن الدرس الفلسفي مطالب بتثوير الأسئلة الحداثية يأتي في مقدمتها سؤال الديمقراطية :” بما هو سؤال الحرية والمواطنة والتعددية والتسامح، يرتبط أساساً بمسألة السيادة والاعتراف: سيادة الشعب عبر هيآته وممثليه، وارتقائه إلى مستوى المسؤوليات الوطنية” .

هذا السؤال يتقاطع مفصلياً مع مسألة الاعتراف بالأخر كشرط حداثي للمواطنة في مجتمع يعيش أزمات عديدة تفصل بينه وبين التقدم الحقيقي، لأن :” الاعتراف بالآخر وباختلافه وتبني التسامح كمبدأ للإقرار بقيمة وأهمية تصوراته ومعتقداته، يجسد ما يسمى بالثقافة الديمقراطية التي تقوم على فكرة المواطنة، أي حق المشاركة في تدبير شؤون المجتمع بشكل مباشر أو غير مباشر، في إطار من الحرية والاحترام البمضمونين من طلاف مؤسسات المجتمع. ويقتضي هذا الأمر قيام تربية ديمقراطية، تشجع المبادرة والابتكار والإبداع والثقة بالنفس والانفتاح على الغير، ولا يمكن لهذه التربية أن تنمو، إلا في إطار مجتمع منفتح” .

لهذا كان لزاما على الدرس الفلسفي أن يعاجل مسائل حداثية ترتبط مباشرة بحياة الفرد وبذلك تكون ملتصقة بواقعه الحي، فــ :” مفاهيم من قبيل: الحجاج، العقل، الحق، الذات، التواصل، السلطة، الإبداع، الحداثة، يمكنها أن تساهم في تكوين وتكريس ثقافة ديمقراطية تسمح فعلاً بإنماء شخصية المتعلم وتبنيه لقيم الاستقلالية والمسؤولية” . كي نبني شخصية ديمقراطية في مصنع الدرس الفلسفي وندفع به إلى معمعة الواقع الاجتماعي.
غير أن حديثنا عن درس حداثي لا يعني بأننا نريد أن نحاكي حداثة غربية خالصة، تلك رؤية تجاوزتها القراءات الفلسفية الجادة والرصينة، لأن الحداثة المعاصرة حداثات متعددة كل واحدة تمتلك معياريتها من داخله، مرتكزة على مفهوم المغايرة، فــ :” نمط من الولادة خارج ذواتنا القديمة. ولذلك فإن البرنامج الوحيد لا يمكن أن يكون شيئاً آخر سوى الحرية، ولكن في معنى مخصوص: حرية أن نكون محدثين على طريقتنا. والحرية في أن نستعمل القدرة على الحداثة بوصفها أفقاً مفتوحاً لأنفسنا أو الحرية في أن نغاير المحدثين في نمط احتمالها لحداثتنا” . حداثة نابعة من صلب وجودنا الحر.

المعقولية وخصائصها:
على ذات الطريق المعرفي، يحرص الفيلسوف التونسي “فتحي التريكي” على الاهتمام بالطابع المعقولي للممارسة الفلسفية، فمن حيث الأساس :” لا يختلف اثنان في التأكيد على معقولية الفلسفة، إذ أنها كانت وما زالت ذروة التأمل العقلاني، لهذا فهي تبدو الآن كظاهرة مصاحبة وملازمة لتطور العلوم والفنون والآداب” . أي أن العودة إلى العقل هي العامل الجوهري، بطابعه المعياري، في تحديد مستوى النقاش الفلسفي داخل الدرس، مؤدى ذلك أن الاشتغال على المواضيع الفلسفية يجب – بصورة كانطية – أن يخضع لمحكمة العقل. غير أن إنجاز هذا المشروع، يقتضي منا، انسجاما مع قراءة الفيلسوف فتحي التريكي أن يكسي الدرس الفلسفي الخصائص التالية:

1-التحديد:
ويقصد به، التوجه صوب التعامل مع مسألة المفهمة، كما لو أنها مسألة مصيرية في الفعل التدريسي، لأنه من واجب أستاذ الفلسفة أن يهتم بـهذه :” العملية التحليلية الشائكة التي تعتمد تفسير الكلمات ودراسة المفاهيم في صيرورتها وتكوينها وتحولاتها” .

2- النقد:
إن الفعل الفلسفي في جوهره يرتكز على النقد، باعتباره الضامن الأساسي لديمومته، كي تستمر الفلسفة في التواجد داخل فضاء الإنسانية العام، ومن ثمة يرى أستاذنا فتحي التريكي أن :” الميزة التي يتحلى بها الخطاب الفلسفي والتي تتجاوز التحديد هي منطق النقد والدحض الذي يحرك الفكر الفلسفي ويهيئ السؤال لمحاولة إلى الإجابة الصحيحة” . ويمكن أن نضيف –حسب التريكي- خصائص أخرى مثل التوضيح، التشخيص، التنظير، وهي في الأصل خصائص مترابطة فيما بينها، تشكل في نظره الشروط المفصلية لأي خطاب، وكذلك :” الوظائف الأساسية للتفكير الفلسفي عامة تجعل من الخطاب الفلسفي خطاب التنوير والوضوح وطريق الأمل في مجتمعاتنا العربية حيث ارتبط التفكير بالايديولوجيات المختلفة، كالايديولوجيا التكنوقراطية التي باسم الممارسة التقنية تنادي بانقراض الفلسفة بما أنها “حديث صالونات” أو كالايديولوجيا الإسلامية المتطرفة التي ترى أنها دخيلة على مجتمعاتنا وخطيرة على عقائدنا” .

خاتمة:
يعلمنا الدرس الفلسفي أن العمل على إكسابه جملة من المكاسب الفلسفية، كمكسب الانفتاح ومطلب الحداثة التاريخية وخاصية المعقولية بمواصفاتها المتعددة، يقودنا إلى اعتباره المحضن الأولي التي يتبلور فيها السلوك الديمقراطي، ومنه نستطيع أن نحدث عن جيل ديموقراطي طلائعي يتبنى الديمقراطية كخيار استراتيجي للأمة، بعد أن انغرست فيه الديمقراطية تربوياً بفضل الدرس الفلسفي بخصائص منتظمة أصلاً في كينونته.