الرئيسية / ملف العدد / بعض عوائق تعليمية مادة الفلسفة

بعض عوائق تعليمية مادة الفلسفة


المقدمة
تعد الديداكتيك شق من البيداغوجيا تهتم بكيفية تدريس مادة معينة قصد الكشف عن صعوباتها ومشاكلها واكتسابها، وقد تعني مجموعة من الخطوات المنهجية التي يقوم بها المعلم في إطار المثلث البيداغوجي المدرس- المتعلم – المعرفة، إن أهم بيداغوجيا معتمدة في مادة الفلسفة هي بيداغوجيا حل المشكلات أي وضع المتعلم أمام مشكلة معينة مما يدفعه إلى استدعاء موارد للبحث عن حلها.
إذا كانت الديداكتيك تتضمن التواصل البيداغوجي الذي يستهدف التواصل المعرفي والتواصل الوجداني والتواصل الحسي الحركي فإن أستاذ مادة الفلسفة تعترضه عدة صعوبات أثناء تدريسه لمادة الفلسفة ويمكن إرجاعها إلى:

1- عوائق ذاتية تتعلق بالمعلم و المتعلم:
1-1. العوائق المتعلقة بالمعلم:
من الشائع أن نجد المعلّم المبتدئ و الذي تقل خبرته عن خمس سنوات يعتمد في تعليمية المادة على الطريقة التلقينية التي تقدم مادة التعلم كأنها حقيقة نهائية وغالبا ما تكون شخصيته في التدريس استعراضية وبتعبير جون ديوي ” المعلم يقوم بسكب المعارف وشحن ذهن المتعلم ” وهذا ما يشعره بالملل ومن ثم النفور وعدم الرغبة لاسيما في الشعب التي لها معامل أقل، كما أن المعلم الأقل خبرة يتأرجح بين استخدام أدوات البيداغوجيا بشكل مفرط أو يعدم الاستعانة بها تماما، فالأول قد يدوٌن كل ما يقوله وينقله إلى السبورة مما يقلل تفاعله مع المتعلّم لأن معظم الوقت يدير ظهره للمتعلّم بدل تواصله معهم بحواسه وحركاته و إيماءاته.

أما الثاني لا يستخدمها بل يعتمد في خطواته على التلقين و الإملاء، وقد يكتفي بكتابة العناوين وما ينتج عن ذلك من عدم التحكم في القسم و سعة الاستيعاب لمادة الفلسفة تكون قليلة أو منعدمة مما ينعكس سلبا على التحصيل الدراسي عموما، كما أن الطريقة التلقينية تلزم المعلّم بإتباع نظام متسلط في أغلب الأحيان لأنه إذا كان متساهلا تكثر الضوضاء بين المتعلمين ويقل انتباههم إليه كما يتشتت تفكير المعلّم ويفقده التسلسل المنطقي للعرض مما يزيد ارتباكه وعليه لا جدوى من هذه الطريقة إلا في حالة الهدوء التام وهل مدارسنا في وقتنا الحالي تتمتع بذلك ؟
للإشارة هناك صعوبات تتعلق بتكوين المعلّم ومهاراته، فهل كل معلّم متخرج من الجامعة له كفاءة في تدريس مادة الفلسفة ؟

تزداد أهمية تكوين الأساتذة نظرا للمهمة المنوطة بهم لاسيما ونحن نشهد بأن تاريخ البكالوريا يكشف أن من المواد المسقطة مادة الفلسفة، إضافة إلى ذلك أن ما اكتسبه المعلّم في فترة الجامعة لا يتطابق مع ما سيدرسه داخل القسم،
وعليه فالشهادات الجامعية المتحصل عليها و حدها لا تؤهل المعلّم لممارسة عملية التدريس، وهذا راجع إلى نقص التكوين مع العلم أن المتخرج من المدرسة العليا للأساتذة يختلف عن المتخرج من الجامعة والمعاهد لذا لابد من تكوين تربوي ديداكتيكي حتى يكون الممارس لعملية التدريس مؤهلا لها لأن هذه المهمة هي ممارسة واعية وتربوية، فالتكوين يكسب مرونة بيداغوجية وديداكتيكية تجعل المعلم قادرا على تحويل محصلاته في التخصص إلى خبرة تعطي حلولا لمشكلات مع تشخيصٍ للخلل بطريقة علمية، كما أن العملية التعليمية تتطلب مهارات ضرورية لإنجاز الدرس لا تحصل حتى ولو قضى سنوات عديدة في التدريس لأن التكوين الأساسي هو تكوينه الذاتي المتجدّد والمستمر، وغاية التكوين في جزئه الأكبر هو جعل المكوّن يشعر بثقل المسؤولية و نبلها.

1-2. العوائق المتعلقة بالمتعلّم
يقع شباب المراحل الثانوية في مرحلة بين الذاتية والغموض الوظيفي و هي من أهم المراحل الأساسية في تشكيل شخصية الرجل أو المرأة، يبحث الشاب عن دوره وآماله وقدراته وإمكاناته وتوقعات الآخرين فيه، فإذا حدث التطابق بين الصورة التي كونها عن نفسه مع الصورة التي يعتقد بأن الآخرين قد كونوها عنه نال الفرد شرعيته وحقق شخصية إيجابية وإذا تغلبت عليه الصراعات وشعر بالفشل في تحقيق هوية إيجابية ترضي طموحاته فقـد لا يتقبل الأمر الواقع ويلجأ إلى الأقنعة كإستراتيجية دفاعية، فالمتعلّم في مادة الفلسفة يثير تلك الصراعات بتساؤلات وإشكاليات فلسفية، تنتهي بأجوبة معلقة بين الإثبات والنفي وفي نفس الوقت يجد صعوبة في تجاوز الأحكام المسبقة الشائعة والخبرة المكتسبة، كما أن العائق الرئيسي في كل ذلك هو أن المتعلّم يظن أن معارفه يقينية ومطلقة ونهائية في حين أن المشكل التعلّمي كله يكمن في الوصول إلى خلق صراع معرفي وجداني لدى المتعلّم قصد تنمية قدراته وتحويل معارفه إلى أسئلة حتى يعي أن الشك وسيلة للوصول إلى اكتشاف الحقيقة وتجدر الإشارة إلى أن المتعلّم كمراهق له تساؤلاته وتوتراته، إضافة إلى ذلك المتعلّم في الفلسفة يعتقد أن المادة تعتمد على الحفظ قبل الفهم وهذا ما يجعله يواجه صعوبة توظيف المعلومات المكتسبة من الدرس خاصة الإجابة عن طريق تحليل مقالة فلسفية وتهدف هذه الخبرة إلى أي مدى استوعب المتعلّم التيارات الفكرية الفلسفية وإلى أي مدى يكون المتعلّم قادرا بنفسه أن يفكر تفكيرا فلسفيا نقديا وأن يدرك الموضوع والفكرة الرئيسية التي يدور حولها السؤال وتحويل الموضوع إلى سؤال يتضمن إشكالية وأن يخضع تحليله للطريقة التي يقتضيها السؤال.

2.العوائق الموضوعية :
تتعلّق بطبيعة المقرّر الدراسي والمحيط الاجتماعي الثقافي، للإشارة أن ديداكتيكات مادة الفلسفة تتطلب منهاجا على درجة عالية من التنظيم واضحة المعالم تتبع في تنسيقها وترتيبها شروط طرق التدريس، و يتكون المنهج عادة من الكتاب المدرسي الذي يحتوي على وضعيات تعد مفتاح الدرس في مادة الفلسفة، غير أن هناك وضعيات مفتاحية للدرس غير وظيفية في مادة الفلسفة وأحيانا تفقد روح الدرس كما هو في شعبة العلوم التجريبية والرياضيات، إضافة إلى ذلك الحشو والإطناب في عناصر الدرس مما يجعل المبتدئ في التدريس والمتعلّم يتجنب الكتاب المدرسي ويعتمد على الكتاب الموازي الخارجي المخصص للمقالات والنصوص المحلولة، مع العلم أن بعض الأساتذة يستخدمونها كمرجع دون أن تكون محكّمة من طرف لجنة بيداغوجية تقوم بدراسة ونقد طبيعة هذه الكتب التي كثيرا ما تكون معرضة للأخطاء.

فيما يخص الجانب التطبيقي حيث يمتحن المتعلّم في نهاية الفصل بامتحان ويطلب منه اختيار أحد المواضيع الثلاثة، فالأول والثاني يكونا على شكل مقالة فلسفية مع العلم باختلاف طرق التحليل فمنها الجدلية و يكون السؤال في صيغة ” هل” ويتضمن قضية و نقيضها وكثيرا ما نجد المتعلم يميل إلى إنجاز هذه المواضيع نظرا لوضوحها وإثارتها ولأنها أيضا تحمل المقارنات التي تعكس الصراع المعرفي لدى المتعلّم, بينما الطريقة الاستقصائية سواء كانت وضعا أو نفيا فهذا النوع من المواضيع تجعل المتعلّم يشعر بوجود تعارض مع طبيعة التفلسف التي تقرّ بالحرية في التفكير والنقد والحوار في حين أن السؤال يقدم للمتعلّم في وضعية تفرض عليه الدفاع ولو كانت الأطروحة ليست سليمة وهذا ما يجعل المتعلّم يجد صعوبة في المحاججة وإقامة الدليل مما ينجر عنه حفظ المواقف الفلسفية دون فهمها ونقدها.

للإشارة أن الإطار الاجتماعي الثقافي للمتعلّم في أغلب الأحيان يصور له مادة الفلسفة بأنها صعبة ومعقدة، وأيضا كثيرة الكلام وفيها إسراف في التجريد وأحيانا أخرى تؤدي إلى الانزلاقات، وتفاعل المتعلّم مع هذه العوائق تجعله
ينفر من مادة الفلسفة ومن ثمّ تهميشها و إبعادها من ساحة الشعور والوعي ومن مدركاته.

الخاتمة:
أمام هذه العوائق يمكن القول أن:
المتعلّم إنسان وهو فرد مستقل له كيانه الخاص به وهو كذلك فرد خاص في مرحلة خاصة من النمو العقلي والاجتماعي لذا وجب علينا أن نفهم المتعلّم فهما جيدا حتى نتوصل إلى تعليمه بالطريقة التي تناسبه و نتمكن من
غرس الروح الاجتماعية عنده وأن نبتعد عن أساليب الضغط قدر الإمكان و أن نسارع إلى تنمية مواهبه بالطريقة الملائمة لأن هناك حاجات قبلية لدى المتعلّمين تلح عليهم أن يقلدوا مجتمع الراشدين، وهناك عدد معتبر منهم نشأوا في أجواء تفتقر إلى الأمن النفسي والاجتماعي فيصابون بمختلف العلل الجسمية والنفسية ويتعثرون في مراحل نموهم، وعليه فسلامة المادة و الكفاءة في تدريسها أمر ضروري ومعروف للمحافظة على مركز المعلم واكتسابه الثقة بنفسه و قدرته على توصيل المعلومات فلا يختلف إثنان على أن المعلم الجيد لابد أن يكون إنسانا متخصصا لا يكتفي بمجرد الإلمام بمحتويات الدرس الذي يعلمه فقط بل يحيط بمادته من مختلف جوانبها و يلم بها إلماما كافيا مع إدراك خصائص المتعلّم في كل مرحلة من مراحل نموه، لأن الفلسفة ليست مجرد مكتسبات معرفية بقدر ما هي مواقف نقدية من المعارف التي تتطلب التفكير والتفسير والتوضيح والتقويم، فالفلسفة أكثر المواد احتكاكا بشخصية المتعلم لأنها تخاطب أنيته وتوجه فكره وتعوّده على الاستدلالات الصحيحة والمواقف النقدية التي توجه تفكيره وسلوكه.

المراجع:
– جميل صليبا – المعجم الفلسفي
– جماعة من الأساتذة تحت إشراف – د/ابراهيم بيوض. “مذكور معجم العلوم الاجتماعية”.
– عبد الرزاق الصالحين الطشاني. “طرق التدريس والتعليم”.
– محمد علي أبو الريان. “الفلسفة أصولها ومبادئها “