الرئيسية / ملف العدد / الفلسفة وبيداغوجيا النقد والتقويم

الفلسفة وبيداغوجيا النقد والتقويم

مدخـل (بيداغوجيا الفلسفة):

تحمل الفلسفة بيداغوجيا خاصة بها، تستنبطها من نشاطها العقلي، كروح نقدية، تأمل بلوغ أحكام وأفكار مقنعة، تحت محك المنطق الفعال والصارم، فعلى الأستاذ أن يكون ماهراً في طرح الأسئلة التقويمية، وفناناً في كيفية الإستفزاز والتشويق والإستدراج، لإقتحام عوالم مجهولة وجوانب مظلمة ، في إجابات الآخرين كأحكام مغلوطة أو مسبقة أو ذاتية، تحتكم للخيلاء والوثوقية، وهذا وفق منصوص الكفاءات(1)، كأهداف بعدية تحكم الأداء البيداغوجي للأستاذ بصفة قبلية، و من ثم محاولة من ثم زعزعة اليقين الذي يعبد، تحت زعم الصحة والوضوح والسذاجة .

التفكير الفلسفي يناقض روح الوثوقية والسذاجة :
لكن التفكير الفلسفي يبذر الشك، ويبحث عن مواطن الحكمة الأكثر رحابة، والتي تخالف المعهود، أو تعيد النظر في المعبود، ولا تؤمن بما يرسم من حدود،ولا تثق بما يوضع من قيود، عدا ما صمد أمام المنطق السليم وإنسجم مع الذوق القويم، لأن في تلكم الحدود والقيود، وعدم الإيمان بالمعهود والمألوف من ال

ردود، تتماهى قيم الخير والحق والسعادة والجمال والجلال، والروح والحرية والتكليف والحق والواجب والدولة والأمة والثقافة والقانون ….، فتثرى المفاهيم وتتدقق، وتجلّى الأفكار وتتعمق، لذا نحن كأساتذة علينا أن نقود التلميذ عبر النقد البناء، والسؤال التقويمي إلى إعادة النظر في معايير وخلفيات تفكيره، والشك في أحكامه القبلية والمسبقة، كاعتقاده بأن الأخلاق من النافلة وليس من الضرورة، أو تصوره بأن المسؤولية تشريف وليس تكليف، أو أن العمل له بعد مادي وليس أخلاقي وروحي، أو أن قضاء الله وقدره، يشكل ظلما له وليس عدلا، أو أن العلم
كاف لحل كل قضايا الإنسان ومشكلاته (الروح العلمانية، ويستبعد النواحي الأخلاقية والقيمية الروحية )، وأنّ المال أساس سعادة الإنسان، وليس الأخلاق
والقيم والروابط الإنسانية المثلى، وبحل هذه المشكلات انطلاقا من وضعيات محسوسة، علاوة على براعة ومهارة الأستاذ وحنكتة الميدانية، وكفاءاته
التي تحويها شخصيته، خلال الحصة البيداغوجية، سيظهر للتلميذ الوجود مختلفاً ومتجدداً ومتفرداً.

السؤال التقويمي أو النقدي أساس التعليم:
وعليه فحسن صياغة الأسئلة يعد مهارة عقليه في اقتحام المجهول والتخلص من نفوذ الجهل والخرافة والسذاجة والرداءة ،ووضع حد لليقين والوثوقية التي يتسم بها الكثير في تعاطيهم مع قضايا الكون والإنسان والحياة ومسائل المجتمع والواقع الإنساني ككل، لذا فمهارة صوغ الأسئلة تعد من المهارات المهمة لإثراء عملية التعلم، وهناك أربعة معايير أساسية للسؤال الجيد ، وهي أن يكون:
– واضحا غير معقد ، يستطيع أن يفهمه المتعلم .
– مثيرا للتفكير .
– متوافقا مع سن وقدرات واهتمامات المتعلم .
– مناسبا للهدف .

إلى جانب وضع إستراتيجية سواء في طرح الأسئلة أو استقبال إجابات المتعلمين إذ ينبغي :
– تقديمها بصوت يسمح لكل متعلم سماعها بوضوح.
– توجيهها بدون تنظيم معين بالنسبة للمتعلمين .
– توزيعها بصورة عادلة قدر الإمكان
– الاستماع بعناية لما يقوله المتعلم ومطالبته بتقديم الأمثلة وحسن تقويمها، إن كانت خاطئة أو ناقصة.
– تعزيز الإجابات الصحيحة، تسهم في مشاركة المتعلم في الحوار في الموقف التعليمي
– تقديم إيحاءات وتصريحات صريحة أو غير صريحة تساعد المتعلم على الإجابة الصحيحة.
– عدم مقاطعة المتعلم أثناء الإجابة إلا للضرورة. (2)

لذا فالسؤال النقدي أو التقويمي هو مفتاح المعرفة، لأنه يضيء لنا الطريق في الوصول إلى الحكمة العملية أو النظرية ، وسبيلا لتنوير عقول العامة والخاصة من
الناس من غير إقصاء ولا تهميش، ولأنّ العقل أعدل نعمة مشتركة بين الناس، وبالعقل تنجلي الحقائق وتكشف الأسرار ويتضح ما عسر من فهم، و ذلك لمعرفة أعمق وأشمل بقضايا الكون والإنسان والحياة .

ضرورة التعليم والتقويم،لتحسين السلوك والارتقاء بشخصية الفرد:

والتعلم نفسه يبنى على التقويم المستمر لتدخلات وإجابات التلاميذ سواء شفوياً أو كتابياً مثل الفروض والإمتحانات، بقصد تعلم كفاءات محددة، يسلك بها عملياً في حياته العامة والخاصة بشكل عقلاني وحكيم ، حتى يصبح عنصراً صالحاً وفعالاً في مجتمعه، ويقال عن الإنسان أنه” تعلم” حين يتمكن من القيام

بعمل لم يكن يستطيع القيام به من قبل، ويتأكد التعلم من خلال السلوك والتغيرات الحاصلة في هذا السلوك ، إننا نتعلم كيف نقرأ وكيف نعزف آلة موسيقية أو كيف نسر الآخرين، ولكننا نتعلم أيضا أن نفعل الأمور بطريقتنا الفردية وبعضنا يلجأ إلى طرق أنجع من الطرق التي يلجأ إليها البعض الآخر، وحين نقوم بهذه الأمور، فإن سلوكنا يصبح مختلفاً اختلافاً أساسياً، وبهذا المعنى فإن التعلم يشتمل على معنى التحسن(3) .

كما نجد أن هناك من نهج منهجاً توليدياً منتجاً مثل سقراط، من خلال برهانه على استقلالية فكرية تامة، حيث أظهر استحالة امتلاك معرفة نهائية، أيا كانت هذه المعرفة “أعرف أنني لا أعرف شيئاً، واثقاً تماماً من أن الإنسان جدير بتحصيل المعارف وتنميتها، وكذلك أن المعرفة والتقنية (فن، مهنة) هما قوة بذاتهما، تلك التي يمكن أن تستخدم سواء من أجل خير الإنسان أو لإذايته، وعلم سقراط أنه إذا لم تصبح مسألة معرفة الذات، باختيار واع بين الخير والشر لصالح الخير، وهي المسألة الأساسية بالنسبة للإنسان، فالمعارف الأخرى، مهما تكن نافعة، لن تجعله سعيداً، إضافة إلى ذلك قد تجعله بائساً، لذلك ليس عجباً أن تكون هناك علاقة وثيقة بين المذهب السقراطي في معرفة الذات، وبين المناقشات التي تجري في الوقت الراهن، ليس فقط الفلاسفة والعلماء، بل أيضا الأوساط الثقافية، في شتى أنحاء العالم، حول موضوعات “الإنسان والعلم والتقنية”، “العلم، علم الأخلاق والإنسانية”، أي الموضوعات التي تحاكي، إن صح القول، المفهوم السقراطي، لدور الفلسفة ولقيمة كل معرفة..(4)

كيف يكتسب الطالب روح التفكير النقدي :
إن تعلم التلميذ في مرحلة التعليم الثانوي، لفن النقد، يمر عبر إتاحة الفرصة، لتعلم التفكير النقدي، ولكن هذا ليس بشكل عادي أو انطباعي، بمعنى ضرورة تعلم كيفية طرح الأسئلة بنفسه، وبشكل مميز ليس فقط في المدرسة ولكن في الحياة اليومية أيضا، وقد لا يسأل أحد الناس نفسه أحياناً، كيف يمكنني التعامل مع والدي، شريكي، زميلي في العمل أصدقائي ….)، بأفضل صورة، بدلاً من التعامل معهم بطريقة اعتيادية غير مختبرة، إذا كان هدفك هو تحسين مظهر من مظاهر حياتك اليومية، ابدأ بطرح بعض الأسئلة على نفسك لتحسين أدائي الوظيفي؟، للحصول على درجات أفضل؟، لمقابلة أشخاص جدد؟، للقراءة بصورة أكثر فاعلية؟، لجعل موضوع البحث في هذا المساق، ذا معنى في حياتي؟، ولتكون فعالا، عليك حقا، أن تسأل ليس بطريقة فارغة، مرورا بالعواطف فقط، فهو ليس سؤالا حقيقيا قط، ولن يكون بداية لتفكيرك النقدي عبر هذا السؤال (5) .

صفات السؤال النقدي، المؤدي إلى التفكير النقدي:
إن السؤال الفلسفي هو سؤال تأملي نقدي بناء مستمد من قضية عالمية، تشمل جميع قضايا الإنسان والحياة والكون، يتضمن إثارة من نوع دهشة أو إحراج، وغالباً ما يكون السؤال الفلسفي سؤالاً إشكالياً أو سع نطاق ،وأكثر حمولة ورحابة من السؤال المشكل الذي يميز القضايا العلمية، أو العملية ،لأنه يحيلنا إلى عدة قضايا جزئية، تتضمن مسائل فرعية أخرى متنوعة فمن صفات السؤال النقدي الذي يؤدي إلى التفكير النقدي ما يلي:
الوضوح والدقة والأهمية والاكتفاء والعمق والاتساع والضبط والمناسبة للسياق، والفعالية والسداد، وأنّه منظم بشكل جيد، وقابل للاختبار ومعقول ومنطقي في طرحه (6).

غاية السؤال النقدي أو التقويمي هو العصف الذهني، للوصول إلى كفاءات محددة، وبلوغ الحك

مة:
إن الفضول المعرفي هو الذي يدفع الإنسان لمعرفة أسرار الوجود، والوصول آفاق جديدة، للتخلص من الأفكار الجاهزة والمسبقة، التي تعج بها الحياة اليومية، ويسلم بها عامة الناس، فيتعصبون لها وتدفعهم إلى تمجيدها وتقديسها بحجة العادة أو التقاليد أو السذاجة…، لذا فالسؤال في حد ذاته موقف من العالم، إنه يحدد السائل ويضعه في ظرفه الوجودي والحياتي والفكري، وعلى عمق السؤال تتحدد طبيعة الأشياء أمام الوعي الإنساني ولا يستطيع السؤال أن يكون جوهرياً حقاً، إلا حينما يكون أمام اندهاشات عظيمة، ومجهولات كبيرة، وعلامات استفهام متعددة (7).

خطر أشكال الذاتية على التفكير النقدي ،أو التقويم التربوي الصحيح:
من أشد العوائق أو الأخطار على الفكر النقدي البناء والموضوعي نذكر الذاتية بأشكالها المختلفة والمتنوعة، والتي تعيق عملية الوصول إلى الأفكار الموضوعية، ومن ثم بلوغ الحكمة التي هي ضالة كل باحث أو مفكر، والتي يحب تحديدها وإحصاؤها والتخلص منها من خلال البحث الجاد والجدي الذي يتسم بالموضوعية والدقة والصرامة و البرهانية والمناقشة الهادفة والنزيهة لبلوع حقائق موضوعية، بكل روح منطقية ومنهجية محايدة، ترمي للوصول إلى الحقيقة في ذاتها وليس لذاتها، بمعنى أنّ التفكير الفلسفي النقدي، وما يتضمنه من أسئلة محايدة يتحاشى كل أشكال الذاتية التي تطمس التوهح الحقيقي لأفكار الحكمة الصافية والنقية، والتي نحصرها (أي أشكال الذاتية ) في مايلي:

كأن نقول أناقة، مفيد لي المزاح أو التسلية، مثير، الشعور الجيد بالراحة، ملفت للانتباه، شعبي محبوب ومشهور (8) وهذه كلها معوقات للتفكير الفلسفي وما يتضمنه من أسئلة نقدية، لا يتصف بها التفكير الفلسفي الحقيقي، لأنها أسئلة نقدية أو تقويمية غارقة في التفكير النفعي أو المادي أو العادي أو الزائف، وهي كلها أشكال من التفكير الذاتي الذي يتطرف عن التفكير الفلسفي الموضوعي والمثمر، ولا تكون له نتائج إيجابية على حياة الإنسان والكون والحياة .

الخاتمة:
قد يتخبط الأساتذة في طريقة بيداغوجيا التدريس التعليمي في مادة الفلسفة ولكن ما يلاحظ أنهم يتجاهلون أن للفلسفة بيداغوجيا خاصة بها تشبه كثيراً طريقة المقاربة بالكفاءات التي تعتمد الحوار بدل التلقين، والنقد الإيجابي و التقويم التربوي( تقويم تشخيصي، تقويم مرحلي، تقويم تكويني، تقويم تحصيلي). لذا خضنا في هذا الموضوع المتواضع على الفلسفة كنشاط عقلي يستبطن القدرة على النقد
والتقويم والبناء العقلاني للوصول إلى كفاءات عقلية ومنهجية وإستدلالية ونقدية واستنتاجيه.
لهذا من منظور التحصيل والتنوير والإصلاح أن يتحلى الأستاذ بدور ريادي وقيادي في قيادة الناشئة إلى كفاءات مختلفة ذات نفع عام وخاص في حياته الاجتماعية والشخصية والإنسانية، وأن يدفعهم إلى التخلص من الأفكار الساذجة والجاهزة وأن يفك عنهم قيود العادة والسذاجة والذاتية بأشكالها المختلفة.

الهوامش
1) – الكفاءة عكس القدرة ، والكفاءة هي الجانب النجوزي أو التطبيقي للقدرة، حيث تتحول من استعداد داخلي مجرد إلى واقع عملي ملموس في حياة الناس .
2) – الأستاذ فريد حاجي – التدريس والتقويم بالكفاءات ،طبع المركز الوطني للوثائق التربوية ،ديسمبر 2005 – صفحتي 21و22.
3) – فاخر عاقل، علم النفس التربوي،دار العلم للملايين ،بيروت ـ لبنان ـ الطبعة التاسعة سنة 1982،ص 144.
4) – ثيوكاريس كيسيديس، سقراط ، مسألة الجدل ، طبع المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر وال

إشهار،الطبعة الثانية 2001 بالجزائر، ص 258و259.
5) – جيرالد ناسيتش، تطبيق التفكير الشامل”دليل للتفكير النقدي عبر المنهاج الدراسي “، ترجمة د.راتب جليل صويص، الدار العربية للعلوم، الطبعة الأولى 2006، بيروت، لبنان ،صفحتي 34/35.
6) – جيرالد ناسيتش، المصدر السابق نفسه، صفحتي 203/229..
7) – سامي أحمد الموصلي ، الأسئلة الخالدة، المكتبة الوطنية ببغداد، طبعة 1989، ص23
8) – جيرالد ناسيتش، المصدر السابق نفسه، صفحة230..