الرئيسية / ملف العدد / الفلسفة درسا وتهديد المزالق

الفلسفة درسا وتهديد المزالق

كل الدروس مهددة بالمزالق. (…) ودرس الفلسفة الذي يضفى عليه الكثير من الهالة باعتباره درسا للفكر النقدي التمحيصي ليس أبدا في مأمن من المزالق بل إن انكساراته قد تكون أفدح من كل الدروس ، و عواقبها و آثارها أوخم لأنها تخص منطق انبناء بنية التفكير عند المتعلمين ذاتها. و بكل ما ترمز إليه تلك البنية من قدرات وآليات و نواظم تجد صداها بالضرورة في طبيعة تفاعل و تملك المتعلم مع/ و لباقي الدروس (التاريخ الأدب،الموسيقى،الرياضيات….)، بل سيكون لها موقع الحسم في طبيعة التفكير/العقل الذي سيلج به المتعلم الحياة بعد نهاية مشواره التعليمي. (…)

1- المزلق الأول :
يتجسد في تحويل الدرس الفلسفي الذي يفترض فيه أن يشكل سياقا لتدريب المتعلمين على التفكير الحر واكتساب آلياته، إلى حلقة اختناق للدعاية الإيديولوجية بكل ألوانها، (…) في هذا الحال ، تتكلس تلك الأفكار (على العكس تماما مما أراده لها مبدعوها في العديد من الحالات ) في شكل قوالب دوغمائية مغلقة يصرفها الأستاذ داخل الفصل كمفاتيح سحرية لكل القضايا و الإشكاليات التي يطرحها هو أو يثيرها تلامذته أو طلابه، و بأسلوب متشنج في الغالب (لا يليق بالعملية التربوية عموما فبالأحرى بدرس الفلسفة) . و بعقلية دوغمائية مغلقة أو بصورة أحادية تبسيطية تقوم على اختزال الوقائع و تكريس خطاب متهالك حول النسق المتكامل ، والشمولية ، والكلية ، و الحقيقة ….و كأننا أمام رجل دين في زمن انحطاط مجتمعه لا أمام أستاذ فلسفة يفترض فيه تيسير السبل لمتعلميه للتخلص من الجامد والجاهز و المغلق …و من كل ما من شأنه أن يعيق النشاط الحر للعقل. (…)
و الملاحظ أن تحول الدرس الفلسفي إلى حلقة للدعاية الإيديولوجية قد لا يفسر بالضرورة بحمل الأستاذ للأفكار الماركسية لأنه قد يرتبط بإيديولوجية دينية أو ليبرالية أو حتى عرقية أو طائفية. (…)

2-المزلق الثاني :
و يلتقي مع المزلق الأول، على الأقل في النتائج المترتبة عنه، إلا أن نشأته مختلفة ،إذ ينشأ عن توقف الأستاذ عن متابعة التطورات المتلاحقة في حقل الفلسفة(…) ففي عصرنا الحالي ،عصر المخاضات العسيرة الكبرى في الاجتماع و الأفكار، أحدث فلاسفة و مفكرون كبار مثل ميشيل فوكو و ليفي ستروس، و جاك ديريدا و ألتو سير و جيل دولوز و بيير بورديو …هزة عنيفة في الفلسفة أعادت ترتيب علاقتها مع العلوم الإنسانية، وخصوصا مع السوسيولوجيا، و أحدثت شرخا شاسعا و مدويا في منهج الفلسفة السائد إلى غاية كانط و ديكارت بل و جون بول سارتر، لقد تخلت الفلسفة على أيدي هؤلاء عن خطابها العمومي و الشمولي بمفاهيمه المشهورة (الوجود،العقل الكلي، الحقيقة، البرهان، التأمل، النسقية …الاكتمال (…) لقد أنزل الفلاسفة الجدد الفلسفة من عليائها التأملي ( و الذي كان له ما يبرره عند اليونان ما دام الفلاسفة جزء من طبقة مالكي العبيد المصنوعين من ذهب ! و الذين لا تلامس أياديهم التراب ! ) إلى معمعة المعيش اليومي الصاخب ضمن نقلة نوعية غاية في الجذرية لم يسبق للفكر الفلسفي أن عرف نظيرا لها عبر تاريخه الطويل . والى المدى الذي يجعل من المستعصي تصنيف الفلاسفة الجدد بالمعايير التقليدية و حتى بتلك التي ظلت سائدة إلى حدود العقود الأولى من القرن العشرين و إلا أين نصنف ميشيل فوكو ؟ فيلسوفا؟ مؤرخا ؟ عالم نفس ؟……؟ وماذا عن جيل دولوز ؟ هل نصنفه فيلسوفا أم سوسيولوجيا أم ناقدا أدبيا أم مؤرخا ؟ . ينطبق ذلك بشكل صارخ على بيير بورديو و هاملين و غاتاري و ديريدا وهابرماز و جون هانا و جون سيرل و جون ميلر وإدغار موران، و على معظم الفلاسفة المعاصرين ما دمنا نصادفهم فلاسفة و علماء اجتماع و نفس و انتروبولوجيين و مؤرخين و لسانيين و نقاد أدب أيضا.
وكل إغفال أو جهل أو تجاهل لأستاذ الفلسفة كون التفلسف اليوم بات يمارس بصورة مختلفة عن كل المراحل السابقة في سيرورة تطور الفلسفة، وأن روحه اليوم هي الحفر و النقد و التفكيك كمنهج يمارس على الوقائع على الأرض أكثر مما يمارس على الأفكار في العديد من الحالات، وحتى حين يمارس على الأفكار، فضمن علاقتها الوثيقة بالوقائع، لا بالمعنى الماركسي الدوغمائي الذي يمسخها باعتبارها مجرد بنية فوقية تعكس الواقع المادي ،بل بالحفر فيها باعتبارها فاعلا و مؤثرا في منطق اشتغال الوقائع، وفي الرهانات حولها و منطق اشتغال كل ميكروكوزم منها، وحسابات و عوامل التتويج و النبذ التي تحكم الفاعلين فيها..، و كل التعقيدات التي تحيط بحقل إنتاج الخيرات الرمزية و سيادة أسئلة تكتسب الشرعية دون غيرها ورواجها وانتشارها على أساس أنها كذلك ( المشروعة ) دون سواها (7).

3- المزلق الثالث :
هو مزلق فرعي للسابق ،و قد يعتبره البعض ثانويا . و هو بالفعل كذلك بالنسبة لأستاذ الفلسفة الذي استطاع التخلص من سجن دلالة الفلسفة بالمعنى التقليدي. إلا أن عواقبه وآثاره قاتلة لروح الفلسفة بالنسبة لغيره. فغالبا ( و منهجيا أيضا ) ما يبدأ أستاذ الفلسفة درسه الأول بالاشتغال مع تلامذته لجعلهم يدركون مواضيع الفلسفة أو محاورها الأساسية، و ينتهي معهم كما هو مشهور إلى كونها (المحاور ) تتلخص في ثلاثة نقاط أساسية هي الوجود و المعرفة و القيم. ويكمن المزلق في الوقوف عند هذا الحد بدل المضي بالتحليل إلى المدى الفلسفي الأبعد الذي يجعل هؤلاء المتعلمين يدركون بكل وضوح ممكن أن الفلسفة عبر تاريخها الطويل ،يكون لواحد من تلك المحاور موقع السيادة في انشغالات وأسئلة الفلاسفة، وأن الفلسفة في بدايتها استبدت بها أسئلة الوجود ومحاولة تفسيره، وكان لذلك مايبرره، فالإنسان (الفيلسوف) في هذه الحالة يبدأ في التفكير المنظم لأول مرة، و الوجود ليس بالوضوح الذي لا يستفز للتساؤل عن معناه و أصله و مصيره…، كما يبرر موقع الفيلسوف ضمن طبقة مالكي العبيد المتفرغة تماما للعمل الفكري انغماسه في التأمل. وتحول مركز اهتمام الفلسفة بشكل جدري من أسئلة الوجود إلى إشكاليات المعرفة مع النهضة الأوربية و تخلص العقل من أثقال و أغلال القرون الوسطى، و بالضبط مع انبثاق العلوم وانخراط العلماء في سبر أغوار الطبيعة و ما صاحب ذلك و نتج عنه من أسئلة ملحة حول أدوات المعرفة و شروطها و إمكانياتها و عوائقها و حدودها و أزماتها أساسا ولينتهي المطاف بالفلسفة و أسئلتها اليوم إلى التمحور حول الإنسان . و حين نقول “الإنسان” فالمقصود هو قضاياه الجوهرية: العدالة، الحرية، الديمقراطية، الهوية، إنسانية الإنسان، الاختلاف، الاستلاب، الاستغلال، صراع الثقافات ….و غير هذه و تلك من الإشكاليات التي يفرضها العيش المشترك للإنسان مع الإنسان في المجتمع (و في المنجمع ما دامت العديد من التجمعات البشرية تستمر في التعرض لعمليات توهين و تعطيل تجعلها تحيا حالة ما قبل المجتمع و ما قبل الدولة ….)، و في القرية الكونية ككل
و كل أستاذ للفلسفة لا يحرص على الاستحضار الدائم و الموجه لهذا الانقلاب العنيف في اهتمامات الفكر الفلسفي المعاصر، لا يلبث يجد نفسه في العديد من الحالات و قد انساق مع تلامذته أو طلبته ضمن نقاشات عقيمة تصب في الخطاب الشمولي و العمومي التقليدي للفلسفة (التقليدية) ،ذلك الخطاب الباحث عن الحقيقة الكلية أحيانا ، و القائل بالصرامة المنطقية أحيانا أخرى، والذي من شأنه أن يعلم المتعلمين كيف يحلمون لا كيف يتدربون على ممارسة التفكير الفلسفي بمعناه الجديد. يقول كلود جاكطيل في تقديم كتاب مشهور له عند مدرسي الفلسفة ،”إن الكتاب الذي نقدمه لكم له هدف أساسي هو كشف القناع عن الوقائع و الأفكار و التصورات من خلال أشكال للتحليل بسيطة، هذه الوقائع والأفكار و التصورات التي لها أهمية كبيرة في فهم (التلميذ) للعالم المعاصر و قضاياه” (8) (…)

4- المزلق الرابع :
ويعتبر امتدادا للمزلق السابق، إلا أنه مزلق بيداغوجي/ديداكتيكي، لأن أستاذ الفلسفة الذي يظل أسير الخطاب العمومي و الشمولي(المتجاوز) للفلسفة التقليدية، يعجز عن جر تلامذته أو طلبته ليكونوا فاعلين تربويين حقيقيين، نتيجة طبيعة الخطاب العمومي التجريدية و الغامضة في الغالب، هذا الخطاب البعيد كل البعد عن الوقائع التي تحيط بهم و الأسئلة التي تطرحها عليهم. هنا يتحول أستاذ الفلسفة إلى نظير للفقيه الذي يمارس سلطة مطلقة و ينظر إليه “زبناؤه” على أساس أنه مصدر كل المعرفة و الحقيقة، و ما عليهم إلا أن يغرفوا من جعبته. و تقترب الفلسفة بهذا المعنى من العلوم الشرعية في عصر انحطاطها لا في أوج انبنائها أو تجددها. وهنا تنقلب مقولة نيتشه الخالدة “آمركم أن تضيعوني لتجدوا أنفسكم” إلى “آمركم أن تقدسوا ما أقوله لتضيعوا”، ما دامت مهمة زرادشت(المعلم) حسب نيتشه هي قلب و تحطيم العلاقة التقليدية بين المعلم و المتعلم حيث الثاني مجرد صورة (مشوهة) للأول و استمرارا له، و حيث ” تكرار صورة الأب في الابن”. لا أبوة و لا قدسية و لا امتثالية في الفلسفة و في كل درس فلسفي بالمعنى الجديد ما دام الفيلسوف(الجديد) لم يعد هو الناطق باسم الحقيقة أو مرآتها أو شاهدا عليها أو شهيدا من أجلها، بل هو الذي يمارس نقد الحقيقة و يفكك خطابها أو يهدم مؤسساتها و يكشف ألاعيبها(9).ثم ألم تتميز الفلسفة على الدوام (وليس الفلسفة بمعناها الجديد فقط) عن التيولوجيا و رفضت باستمرار الانحدار إلى مستوى إيديولوجيا مهما كانت طبيعتها؟(10).
يبدو واضحا أن رهان الدرس الفلسفي الواعي بخطورة هذا المزلق هو جعل المتعلمين في تماس فعلي مع روح الفلسفة، متمرنين على منهجها المعاصر الذي يحلق بعيدا عن عقلانية أرسطو و الفارابي، وينفلت من قبضة يقين الكوجيطو الديكارتي، و يتمرد على أسلوب تفكير كارل ماركس الإيديولوجي، ذلك المنهج الجديد النظير تماما لورشة حيوية حقيقية ل”الصناعة العقلية ” بكل ما يمكن أن ترمز إليه من نقد و تفكيك و أدوات للخلخلة و لزعزعة استقرار اليقينيات و إزاحة الأقنعة(السميكة في الغالب) عن كل “مألوف” و “يقيني” و “واضح”و “وقور” و “وثوقي”…، على مستوى الأفكار و على مستوى الوقائع، لا بل إن تيسير أستاذ الفلسفة لفرص تدرّب تلامذته أو طلبته على تشغيل آليات تلك “الصناعة العقلية” الجديدة و المتجددة باستمرار، على الوقائع المحيطة بهم من شأنه أن يجنبه مخاطر السقوط في وضعية الوثن (بلغة نيتشه)، ذلك الداعية (الممقوت ضمن الفلسفة بمعناها الجديد) الذي يدعي أكثر من “مناداته” لتلامذته أو طلبته ليبنوا معارفهم و مهاراتهم و مواقفهم و اختياراتهم و قيمهم بأنفسهم، فتصبح ملكا لهم و جزءا من صميم بنياتهم المعرفية التي ستشتعل ذاتيا في المستقبل في اتجاه تطويرها و تصحيحها لا التخلي السهل عنها عند أول منعطف كما تؤكد ذلك الدراسات الأكثر جدة في العلوم المعرفية الجديدة (11).

5- المزلق الخامس :
يرتبط هذا المزلق ارتباطا وثيقا بعدم تخلص مدرس الفلسفة من معناها التقليدي الذي يحيل إلى أسئلة الوجود و التأمل (بمعناها التقليدي)، و بالتالي إلى الأسئلة بدون أجوبة. كما ينتج (المزلق) عن سوء تدبير وتوظيف لمقولة مشهورة (و أساسية) في الفلسفة ذاتها وتحضر بالضرورة في كل درس فلسفي على الصعيد العالمي، وهي كون “الأسئلة في الفلسفة أهم من الأجوبة و أن كل جواب يصبح موضوع سؤال جديد ” !، مما يوهم بغياب الأجوبة في الفلسفة . والحال أن الفلسفة بمعناها الجديد باتت تستحيي من أن تقدم نفسها كمجرد أسئلة بدون أجوبة و إشكاليات و أشكلة و استشكال وهو ما تستمر قوى داخل حقل إنتاج الخيرات الرمزية وبالضبط داخل ميكروكوزم إنتاج الأفكار الفلسفية في الترويج له وإضفاء طابع الشرعية عليه )، و أصبحت (الفلسفة بمعناها الجديد) واضحة المعالم و الأدوات و المهام ،إنها النقد و التفكيك و الخلخلة والنبش، ممارسة على الأفكار و الوقائع أو ما يرتبط بالإنسان و علاقته بالإنسان أساسا كما فصلنا ذلك سابقا . بل إن هزات عنيفة شهدتها الفلسفة في القرن العشرين و تزداد ارتداداتها عنفا حاليا،نتيجة التطور المذهل الذي حققته و تحققه باستمرار العلوم الإنسانية (علم النفس،علم الاجتماع وعلم الانتروبولوجيا و اللسانيات….) (و التي تعتبر شبه ممنوعة بالمجتمعات التقليدية )، هذه العلوم التي باتت تقدم أجوبة قابلة للتطبيق أو للمعاينة على الأرض … . و تبقى مهمة الفيلسوف صياغة تركيب رائع لخلاصات ونتائج “البنات” النشيطات و المنتجات باستمرار (العلوم الإنسانية ) ،ذلك المعنى الذي ينطق بالعريض التركيبي ويقطع مع التأمل بالمعنى التقليدي (لن تتزوج خطيبة الفيلسوف بعد اليوم في غفلة منه لأنه غارق في تأمله، كما لن يسقط في بئر لأنه مأخوذ كلية في تأمل الكواكب و أسرارها …)، كما يقطع مع السؤال بدون جواب، بل يقدم أجوبة و يفك ألغازا و لا “يؤشكل” أبدا .و يجد قارئ الإنتاجات الفلسفية الجديدة نفسه أمام أجوبة شجاعة للإنسان حول ذاته، و مجتمعه و قيمه، والعالم الذي يحيا فيه و منطق اشتغال القيم التي توجهه …. . يقدم الفلاسفة الجدد اليوم أجوبة واضحة حول الجبر و الاختيار، والحرية كمفتاح لكل تقدم، و الكرامة، و العدالة، و الديمقراطية، و التاريخ الذي ليس خطيا أبدا…و غير هذه و تلك من القضايا التي تشغل اهتمام الإنسان المعاصر و تؤرقه .
و بالطبع، و من صميم روح الفلسفة، لا يسلم الفيلسوف الجديد بنهائي و لا يبشر ب”حقيقي ” و «كلي”، فالسؤال مشتغل على الدوام و نفد الحقيقة من صميم الفلسفة بمعناها الجديد، و الركون إلى اليقين عدوّها.
و إجمالا، فإن الفيلسوف أو المتفلسف بالمعنى الجديد يقطع مع كل ما من شأنه أن ينفّر من الفلسفة و يجعلها تبدو بدون جدوى و مرادفا للغموض و التلاعب بالألفاظ. و هو ما لا تتعب القوى المضادة للعقل و الحياة من الترويج له بكل الوسائل الممكنة التي تبدأ بالمدفعية الثقيلة و الفتاكة لوسائل الإعلام و قنوات طبع (inculcation) تصورات و أفكار و أنماط عيش و نظرة للحياة و الوجود نمطية، و لا تنتهي عند استئجار ألسن و أقلام و نجمنتها (تحويلها إلى نجوم) تخدم نفس الهدف، أو –وهذا هو الأخطر- تتويج دكاترة خدّيجين يروجون بتنطع جاهل لما يناقض روح الفلسفة بمعناها الجديد. (…)

6- المزلق السادس :
يتأطر هذا المزلق ضمن ما يلزم مدرس الفلسفة في عصرنا الحالي التخلص منه ليستحق لقب من يعلم تلامذته أو طلبته كيف يفكرون بعقل العصر لا بعقل أرسطو و أفلاطون ،و ابن رشد والفارابي، و حتى ديكارت . فإذا كان من المفروض في هذا المدرس ألا يخاطب متعلميه بعقلانية هؤلاء لأنها كانت مشروطة بمستوى تطور المعرفة الإنسانية و العقل الإنساني نفسه في أزمنتهم ،و تخوض في أسئلة تطرحها السياقات التي وجدوا فيها، فإن المفروض فيه أيضا أن يتخلص و يخلص متعلميه من منطق/لا منطق الثنائيات الميتافيزيقية التي تستمر في الاشتغال كفيروس حقيقي يشل حركة العقل و نشاطه على أكثر من مستوى، و في حقول معرفية عديدة و ليس في العمل الفلسفي وحده . فالعقل واللا عقل، و المعرفة و الجهل، و الذكي و الغبي، و النجم و النكرة، و التو اشج و التناشز، و العدو و الصديق، و الباني و المهدم، و الإثبات و النفي، و الصمت و الثرثرة، و الحي و الميت، والقديم و الحديث، و الوطن و المنفى ….كلها ثنائيات ميتافيزيقية (dualités métaphysiques) تستمر في تأثيث البنيات المعرفية للعديد من الروائيين و الشعراء و المؤرخين و حتى العلماء …، و أثرها معطّل مفسد للمحاصيل لأنها غالبا ما تشكل منطلقات للتفكير (غير معلنة و غير مفكر فيها في الغالب الأعم ). و الحال مثلا أن العقل يظل ينطوي في جوفه في كل مراحل تطوره على جوانب لا عقلانية كما تكشف ذلك الابستملوجيا، و لا وجود ل”لا عقلاني” بصيغة المطلق . و”الذكي” قد يكون أغبى الناس في مجال محدد و “الغبي” أذكاهم في مجال آخر، ثم عن أي ذكاء يتم الحديث ، خصوصا و أن العلوم المعرفية المعاصرة كشفت عن أنواع عديدة (ذكاء لغوي، ذكاء منطقي رياضي، ذكاء مكاني، ذكاء جسدي – حركي، ذكاء موسيقي، ذكاء العلاقات بين الناس، ذكاء مع الذات …). و “النجم” قد يكون زائفا و “النكرة” قد تكون نجما حقيقيا يتعرض للاغتيال الرمزي. و الوطن قد يكون أبشع من المنفى كما أن المنفى قد يشكل وطنا ألطف و أرحم من الوطن الأصلي في العديد من الحالات (13)، وقد تبلغ ذروة المرارة عند البعض حد التصريح الصادق الصادم بأن “لا وطن و لا منفى” كما عبر عن ذلك الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف(هو عنوان إحدى قصائده الأخيرة).
و تجدر الإشارة إلى أن تخليص أستاذ الفلسفة لمتعلميه من منطق الثنائيات الميتافيزيقية، سيجد صداه على مستويات عديدة، إذ سنصادف المتعلم يشغّل المنطق البديل خلال تعلمه لمواد أخرى، كما سيجعل عقله متقدا، متوثبا، عصيّا على التسليم بالسائد و المألوف، و على آليات الترويض و التسطيح، و من تم، على الانقياد و الانصياع و الإتباع. و هنا يحقق الدرس الفلسفي ما تنبّه له V.Packard منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، و لم يكتب له أن يثير ما يستحقه من النقاش بين الفلاسفة و المهتمين بالفكر الفلسفي و تدريسه من التربويين و الديداكتيكيين، إذ موضع الفلسفة باعتبارها في مواجهة إقناع سري (Persuasion clandestine) بأذواق و سلوكات و قيم و أنماط عيش قد تكون مهددة(menaçantes) …أو مشوبة(14).

7- المزلق السابع :
هو مزلق في غاية الخطورة لأن وقوع مدرس الفلسفة فيه يحرم متعلميه من ملامسة روح الفلسفة و الإمساك بها، و يجعله و يجعلهم تائهين وسط التراث الفلسفي الهائل الممتد على مدى ما يناهز الستة و العشرين قرنا، إلا أن إدراكها (الفلسفة) كحقل معرفي قائم على إبداع المفاهيم (15) يختصر المسافة و يضع المعلم و المتعلم على الدرب المفضي إلى روح الفلسفة و طبيعة عمل الفلاسفة .و إذا كانت المفاهيم في مختلف الحقول المعرفية هي الأدوات التي ندرك بها الواقع و تترتب و فقها في بنياتنا المعرفية الوقائع (لعلم التاريخ مفاهيمه، ولعلم الاقتصاد مفاهيمه، و للفيزياء مفاهيمها، و للرياضيات أخرى…وهكذا)، فإن المفاهيم في الفلسفة تتخذ طابعا أكثر تركيبا و عمقا وسبرا، لأن المفهوم الفلسفي يرتبط بصاحبه حد التطابق(جوهر أو هيولة أرسطو، كوجيطو ديكارت، موناد ليبنتز، شرط كانط، المعلم الوثن عند نيتشه، النزول إلى الحدث عند دولوز و غاتاري، العنف الرمزي و الخيرات الرمزية، والطبع …عند بورديو..الخ). و المفهوم الفلسفي ليس أبديا، لأنه في كل لحظة قد يتم إبداع مفهوم “أفضل” من السابق لأنه يسمعنا تغيرات جديدة و رنات غير معروفة، و يحقق تقسيمات مخالفة، و يجعل حدثا يحلق فوق رؤوسنا(16)، أي يتيح لنا اقتحام مناطق للفكر عصية على التفكير لحد الآن و استشراف آفاق للمعرفة غير معروفة .كم هو جميل و في غاية الإثارة الذهنية للمتعلمين أن يشتغل المدرس مع تلامذته أو طلبته على مفهوم “الرأسمال”مثلا، فيدفعهم لاكتشاف كون معناه في الأدبيات الماركسية لا يسمعنا سوى تقسيمات محدودة تتلخص في الخيرات المادية، و أن دلالته مع بيير بورديو تسمعنا تقسيمات جديدة مخالفة،إذ لم يعد واحدا موحدا بل متعددا .و يدرك المتعلمون بذلك أن هناك رأسمالا ماديا و آخر رمزيا لا يقل قيمة عن الأول لأنه قابل للاستثمار هو الآخر . و ثالثا اجتماعيا(قيم و أنماط العيش المشترك)أو (أنظمة المصاهرة و الولاءات …)،يفتح أعين المتعلمين و عقولهم على منطق انبناء العلاقات الاجتماعية و يجيبهم عن كثبر من الأسئلة التي تؤرقهم . ينطبق ذلك أيضا على مفهوم “الثمن” الذي ليس ماديا دائما كما هو مألوف، لأنه قد يكون سياسيا، و هذا أخطر و أفدح من الأول ما دام شراء القمح أو الأرز مثلا، بثمن السوق يثقل كاهل الوطن ماليا فقط، أما شراءه بأقل من ثمن السوق وبشروط تمس سيادة الوطن أو بأخرى أكثر قذارة، فذلك ثمن سياسي ينم عن التآمر و العمالة و التفريط في الأوطان، يحسب اختيار إثقال كاهل الوطن بالثمن المالي فقط بالقياس إلى الأول إنجازا يستحق التنويه.
(…)

8-المزلق الثامن :
ينتج هذا المزلق من خطر تقوقع أستاذ الفلسفة في تخصصه الضيق . و هو أمر وارد عالميا إلا أنه يتخذ شكل الخطيئة الفادحة بالمجتمعات التقليدية حيث إمكانيات التكوين لممارسة رسالة التعليم عموما، و استدراك النواقص و تجاوز نقط الضعف خلال المشوار المهني، جد ضعيفة، فمدرسو الفلسفة هم في الأصل- و في الغالب الأعم – طلبة قادمون من تخصصات محددة بالتعليم العالي هي علم النفس و علم الاجتماع و الفلسفة العامة و الفلسفة الإسلامية في سياقنا المغربي مثلا. و هنا تكمن بوادر المزلق لأن المدرس القادم من هذا التخصص أو ذاك و الذي يغلق المنافذ على نفسه داخل تخصصه (الضيق)(19) هو في غفلة عن النقلة النوعية التي عرفها التفلسف بالمعنى الجديد، و التي أعادت صياغة علاقة الفلسفة بالعلوم الإنسانية إلى الحد الذي يجعل من الصعب إقامة تصنيف بالمعنى الكلاسيكي يفصل بين الفيلسوف “الصرف” و عالم النفس “الخالص” والمؤرخ “القح” و عالم الاجتماع والناقد الأدبي واللساني ….المنعزلين تماما في تخصصاتهم، المسجونين داخل شرانقها.
و تكمن الخطورة القصوى لهذا المزلق في حرمان مدرس الفلسفة، و معه متعلموه من إدراك منهج الفكر الفلسفي الجديد الذي هو أساسا حفر و تفكيك كما فصلنا ذلك سابقا، يفيد أصحابه و الذين يمارسونه (و يفترض في الذين يدرسونه) من كل الانجازات التي تحققت (و تتحقق باستمرار) في حقول اللغة والسيمياء و الانتروبولوجيا و التاريخ و السوسيولوحيا و الابستومولوجيا و علم النفس والعلوم المعرفية …لأنه مشروع نقدي شامخ وخصب، تتأتى خصوبته من هذا التعدد الباذخ في روافده النشيطة التي باتت تستحيي من الحديث عن نفسها معزولة عنه، غارقة في تخصصانيتها الضيقة العقيمة؟(20).

9- المزلق التاسع : (…)
يتعلق الأمر بمزلق إغفال مدرس الفلسفة كونها فكرا ساخرا مما يحرمه من الإمكانيات الهائلة التي تتيحها هذه الخاصية بيداغوجيا و ديداكتيكيا كما سنفصل ذلك لاحقا. و ليس المقصود بالسخرية في الفلسفة، الهزل و المزاح والتفكه والضحك والإضحاك، بل باعتبارها جرعات تفكيكية مزلزلة لكل نمطية و سلطوية و يقين و تسليم و خداع و انخداع و وضوح و امتلاء و وقار ووثوقية . كما هي أداة إبهاج للعقل والروح تنعشهما و تجعل الأول (العقل) متوثبا. فالإبداع يحتاج إلى البهجة و العكس بالعكس، و من العلوم العصبية نعرف أيضا أهمية تهدئة العقل و إبهاجه(21). و بالرجوع الحفري إلى تاريخ الفلسفة، نكتشف أن الفلاسفة العظام الذين خلدوا أسماءهم، كانوا ساخرين بشكل أو بآخر. لقد كان سقراط يسخر بطريقة غير مباشرة من أفكار و تصورات محاوريه و يدفعهم للتفكير فيها للتخلص منها.و هو ما رأى فيه “سادة”عصره إفسادا لأخلاقهم !! يستوجب الموت الخالد ب”كأس السم”. والقارئ المتمعن لأعمال ابن رشد يكتشف سخريته اللاذعة من الفقهاء الذين كانوا يتهمونه بالزندقة بكشفه عن عجزهم مثلا عن إدراك أنواع الموجودات و إقراره هو ب”القديم بالزمان و بالذات” !!. و يجد إخفاء ابن رشد سخريته مبرره في السياق الثقافي – القيمي الذي مورست فيه. أما صورين كيركغارد، فقد جسد السخرية في أعلى صورها، و قوله بشمولية اليأس و القلق مضي بها إلى أعلى مراتبها المأساوية (كما الحال في التراجيكوميديا تماما) خصوصا حيث ندرك معنى اليأس عنده بعيدا عن المعنى السوقي المبتذل. ذلك أن أفظع أنواع اليأس عند كيركغارد هو ألا يكون للمرء وعي به ويحيا وعيا زائفا مغلوطا يودي ب”وجوده”. و بالنسبة لنيتشه، فإنه لم يدع منجزا من منجزات “الحداثة” (الغربية) إلا وشكل موضوعا لسخريته،بدءا من “المعلم الوثن” و “الحقيقة”و ادعاء القطع مع الميتافيزيقا.

أما ميشيل فوكو فإنه يلتقي مع نيتشه في نفس روح سخريته و مواضيعها و إن كان فد ذهب بعيدا في حفره و تفكيكه (الساخر) لأنظمة المعرفة و السلطة السائدة في المجتمعات “الحديثة”، و كذا من منطق تعامل “السادة” بهذه المجتمعات مع ظاهرة “الجنون” و من قضايا أخرى كثيرة. و بالنسبة لبيير بورديو، أليست أعماله التفكيكية حول منطق اشتغال نسق التعليم مثلا سخرية واضحة من ادعاءات المدرسة و واضعيها حول مهمتها’؟ أليس كشفه كون هذه المدرسة ليست مؤسسة “تربوية” و “تنشيئية” و”تأهيلية” و”تكوينية”و…و…وكل صفات البراءة و الحياد و الملائكية كما تدعي لنفسها و يمارس السائدون الدعاية لها، بل هي أساسا مؤسسة في يد السائدين لممارسة العنف الرمزي و إعادة الإنتاج الاجتماعي، أليس ذلك سخرية من ادعاءاتها و ادعاءاتهم، بل و ممن تنطلي عليهم الخدعة؟.

و مع دولوز و غاتاري، نجد أنفسنا أمام أساليب سخرية رائعة من منطق اشتغال “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” (بمواطن الحداثة لا بقلاع الاستبداد طبعا)، ف”حقوق الإنسان هي مجرد معايير اصطلاحية(axiomes ) يمكنها أن تتعايش مع معايير أخرى في السوق، و خاصة تلك المتعلقة بضمان الملكية التي تتجاهل هذه المعايير أو تعلقها أكثر مما تتعارض معها” (22)، و”حقوق الإنسان لا تقول شيئا عن أنماط العيش المحايثة للإنسان المتمتع بالحقوق”(23)، و”عار الإنسان بإنسانيته لا نعانيه فقط في الحالات القصوى، وإنما يمتد إلى ظروف تافهة، أي تجاه انحطاط و ابتذالية الحياة الملازمة للديمقراطيات”(24). هي سخرية مزلزلة بكل المعايير، بعيدة كل البعد عن معناها السوقي بلغة كيركغارد، لأنها جادة و جدية إلى أبعد الحدود. وإذا كان الأدب الساخر هو أكثر أنواع الأدب جدية حسب تعبير الكاتب الكبير برنار شو، فإننا لا نتردد في القول أن الفلسفة الساخرة هي أكثر أصناف الخطاب الفلسفي جدية. ألا يرتب الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون هانا من بين أكثر الفلاسفة جدية و عمقا في أعماله الفلسفية، و أكثر العلماء سبرا للوقائع في علم الدراسات التكاملية التي يذهب البعض إلى حد اعتبار أعماله المتواصلة “إنجيلها”، و يشتهر في نفس الوقت بكونه لا ينطق إلا ساخرا، أو بالفيلسوف صاحب المدد القصصي الساخر و الحلو الذي لا ينتهي… (…)
وما يهمنا أساسا هنا هو أن استثمار مدرس الفلسفة لهذه الخاصية الأساسية للفكر الفلسفي من شأنه يحول فصله أو مدرجه إلى ورشة حقيقية لتعلم التفلسف و التدرب على منهجه الجديد. و قد اكتشف علماء الأعصاب و الباحثون في العلوم المعرفية أن الضحك أثناء التعلم يفضي إلى نشاط الخلايا الدماغية، مما يكون له امتدادات في نشاط خلايا عديدة (Neurones) مرتبطة بالفهم و الميتا- معرفي و الذاكرة … . فالمرح داخل الفصل الدراسي ليس شذوذا أبدا بل علامات استعدادات للتعلم و دلالة على الصحة النفسية. و الانضباط الفاحش ليس علامة صحية، بل امتثال و انكسار و سلبية (25).

و كم هي عديدة مواضيع الفلسفة بمعناها الجديد و التي تتيح لمدرس الفلسفة الاشتغال عليها مع تلامذته أو طلبته عبر توظيف خاصية السخرية(…) و الظواهر والوقائع المستفزة لسخرية الدرس الفلسفي ليست أبدا حكرا على المجتمعات التقليدية كما قد يتوهم البعض (مزلق). بل منها بأرض الحداثة و عواصمها ما يدعو لسخرية مأساوية فعلية، ف”الديمقراطية” كقيمة يدعي الغرب (الحديث و الحداثي !) نشرها و تعميمها خارج مجاله، أي بالمجتمعات المسماة “متخلفة” أو “استبدادية” أو «تقليدية”…، حين تفرز قادة وطنيين صادقين، فالثمرة عطنة يلزمها الخنق و التضييق و الحصار، أما إذا أفرزت –بالغش و التزوير المكشوفين- أقزاما ممسوخة مستعدة للتآمر و العمل في خندق انقراض شعوبها ، فالمنتوج فاكهة من الجنة تستحق التنويه والدعم و المصاحبة…من منظور هذا الغرب (الحديث و الحداثي !)(28). كما الحال تماما بالنسبة لتدمير مقدرات الشعوب و احتلالها و سرقة خيراتها في واضحة النهار الذي يسوق بسفالة باعتبارها تحريرا لها !!!. و الشعار الشهير لواحدة من قلاع “الحداثة” و “الأنوار”: “حرية، مساواة، عدالة”، تم تغييب المبدأين الأساسيين فيه(الثاني و الثالث) و اختزل في واحد(الأول) و بالمعنى الذي يخدم السادة الجدد بشكل أكبر. و “العدالة الاجتماعية” و “دولة الرعاية” جنبا إلى جنب مع ملايين المشردين و البدون مأوى و المنبوذين، و الذين إن احتجوا على حرمانهم من الاستفادة من موارد أوطانهم، فهم مجرد “غوغاء” أو “حتالات” !!!. و “الديمقراطية” و “الحرية” و “مجتمع قيم التعبير عن الذات”(Self-affirmation ) جنبا إلى جنب مع آليات “الإقناع السري” الرهيبة لوسائل الإعلام‘ هذا الإشراط(conditionnement) الذي يتعارض مع المبدأ الديمقراطي الذي تدعيه المجتمعات الحديثة لأنه يفرض نظرة منمطة للإنسان و الأشياء”(29). و شعارات “الحكامة الجيدة” و “الشفافية” و “القانون الذي يسمو على الجميع”، المتعايشة مع “المحميات الضريبية” حيث البناية البسيطة و على بوابتها عناوين أكثر من ألف بنك لفرسان المال(الحداثيين) الذين لا يدفعون بذلك الضرائب في الوقت التي يدفعها الفرنسي و الأمريكي و الانجليزي…البسطاء عن الرغيف اليومي. و الأمثلة عديدة يصعب حصرها، و كم هو يسير الاسترسال في سرد أمثلة من المفاهيم/القيم التي تم إفراغها من مضامينها و أضحت مشوهة ممجوجة، فاقدة لمعانيها الأصلية. و قد يكون أساتذة الفلسفة بالمجتمعات الحديثة أقدر على الإمساك بأكثرها إثارة للعقل الساخر و تنشيطا لميتامعرفي متعلميهم، فالسياق فاعل أساسي في كل عمل تعليمي و فكري عموما.

أما بمجتمعاتنا التقليدية نحن (أو بالأحرى منجمعاتنا ما دامت مفاهيم من قبيل “ما دون المجتمع” و” ما دون الدولة”…تستمر في الاشتغال في التحليل العلمي السوسيولوجي و السياسي)، فيكاد يكون كل شيء فيها موضوعا خصبا للدرس الفلسفي الساخر: التقدم إلى الخلف أو تنمية التخلف يسوّق تنمية، و تكبيل المجتمع بأثقال الماضي الميتة أصالة، و تمارين الاستبداد المفضوحة ديمقراطية، و الترنحات و الافرازات الغريزية فنا، و الزاوية حزبا والهزائم انتصارات، و اللاتستحيي وجوههم البائعون ألسنتهم و ذممهم أنتلجنسيا ! و القشور الزائفة برلمانات و تجارب ديمقراطية، و الأجهزة التقليدية المتخلفة التي تخلط في مخيال حشودها بين الله و الحاكم دولا، و تفتيت الخبر وتذريته بالشكل الذي يضمن تهوين الأهوال إعلام منوّر و مثوّر أيضا !!…و…و”الدواب الإنسية”إنسانا بالتغبير البليغ للفارابي منذ زمن بعيد.

و يحق لنا أن نتساءل: أليست هذه هي مواضيع الفلسفة أو محاورها الأساسية بمعناها الجديد؟ أليس موضوعها الأساسي اليوم هو القيم؟ أليست الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و الحرية و الشفافية و النزاهة و الصدق و الحداثة في كل أبعادها و المشروعية المستمدة من اعتراف المحكومين و تكافؤ الفرص و عدم الكيل بمكيالين أو بمكاييل عديدة …أليست هذه هي أبرز القيم غلى المستوى الكوني و التي يصارع البعض من أجل تحويلها إلى وقائع،و يتلاعب بها البعض الآخر لتخدم مآربه بينما توظف قوى عتيقة قشورها لتكريس وضعها وتأبيد استهلاكها السفيه لخيرات شعوبها، حارمة لها من سبل العيش الكريم الجدير بأن يعاش، و بالتالي الانبثاق ككيان يحسب له حساب بين بني البشر.

10- المزلق العاشر :
وهو مزلق شديد الارتباط بالسابق، بل إن إفلات مدرس الفلسفة من الوقوع في هذا الأخير متوقف على مدى امتلاكه للمؤهلات الضرورية التي تمكنه من اختراق الأول. إن جعل المتعلمين يتدربون على التفكير الفلسفي على القضايا و الإشكالات التي حاولنا بسط أمثلة عنها ليس بالأمر المضمون إذا كان مدرس الفلسفة غير ملمّ بالأسس المركزية لعلوم التواصل و منطق اشتغال الجماعات و بؤر اهتمام الفئات العمرية، مستسلم لوهم كون الفلسفة و الدرس الفلسفي مكتفيين بذاتهما، غير متوقفين على غيرهما للاشتغال و اكتساب مواقع على مستوى حقل اشتغال الخيرات الرمزية بهذا المجتمع أو ذاك و على المستوى الكوني بشكل عام. ف”آليات الإقناع السري بأذواق و سلوكات و قيم و أنماط عيش محددة” كما يسميها V.Packard مشتغلة باستمرار، و بضراوة في عصرنا الحالي نتيجة ما وفرته التكنولوجيا من إمكانيات و وسائل للتسطيح و التضليل و القطعنة (من القطيع) و الدفع باتجاه الامتثال و الانكسار و الانئخاذ. و بناء على ذلك فمدرس الفلسفة اليوم مطالب، علاوة على معرفته بعالم الأفكار، بامتلاك معارف حول شروط حياة معاصريه عموما والذين سيعلمهم خصوصا و بالضبط، معارف مرتبطة بطرق العيش الجديدة و بالقوالب الجاهزة المطبوعة (inculqués) في تمثلانهم، ليتسنى له توفير سياقات تسفيههم هم لها، و امتلاكهم الاستعدادات الضرورية للخروج من الظلمة إلى واضحة نهار الفلسفة بمعناها الجديد. أليست الفلسفة كقوة نقدية و كقوة اقتراح أخلاقية هي القادرة على التدخل أمام تعطيل القدرات النقدية للتحرير من أشكال الترويض المحتملة أو على الأقل من جزء من الإبهار والإخضاع للرسائل الإعلامية ؟(30). و بإغفال مدرس الفلسفة لهذه الحسابات و الرهانات المرتبطة بالتواصل، يفقد الدرس الفلسفي كل إمكانياته و تتحطم كل وعوده ما دام المدرس إما في حالة جهل لبؤر اهتمام متعلميه و انشغالاتهم و أسئلتهم و طموحاتهم وآفاقهم و النماذج الاجتماعية التي يتماهون معها…و التي تكون مغلوطة و زائفة في الغالب تحت وطأة “الإقناع السري”دائما. و إما في حالة عجز عن تخليص هؤلاء المتعلمين من الدائرة المغلقة للزائف و المغلوط و الإمساك بخيوط السؤال الفلسفي الكفيل بجعل عقولهم عصية على كل “إقناع سري”.
و في كلتا الحالتين، يكون هذا المدرس نموذجا صارخا لما يسميه الفكر التربوي الجديد “المدرس الفاقد للفعالية الذاتية”(Self- efficacyty) . العاجز تماما عن التأثير في سلوكات المتعلمين(31). فيسقط في نفق فقدان القدرة على التحكم في شروط العمل (Power lessness)، ثم فقدان المعنى (Meaning lessness)، مادام غير واع بحدود إمكانياته و أدواته (awarness)، و يتكرّس لدى تلامذته أو طلبته التصور الشائع و المغلوط عن الفلسفة باعتبارها مرادفة للغموض و التلاعب بالألفاظ و لنمط التعبير المغلق المنفّر. هذا في الوقت الذي كان من المفروض في هذا المدرس بالذات (و قبل غيره) أن يؤهلهم لنبذ الشائع و المألوف و المسلّم به، بل و تحويله إلى موضوع سخرية كما فصلنا ذلك سابقا (…)

 

– الهوامش :
7 – يرجى الرجوع إلى كتابات أساسية في هذا السياق، مثلا :
– Michel Foucault : L ordre du discours (1971) + L’archéologie du savoir (1973)….
– Pierre Bourdieu : Les règles de l’art – Genèse et structure du champ culturel – Edition du Seuil – 1992.
8 – Claude Jacktel : Eléments pour une réflexion philosophique. Collection – Michel Jacktel – Edition : Agri- Nathan – Education – 1992 – P : 5.
10 – Denis Huisman : Socrate sur internet- O p .cit – P : 256
14 – V.Packard : La persuation clandestine – Paris 1958 – P : 109
16- جيل دولوز و فيليكس غاتاري – نفس المرجع- ص:49.
20- لم يقتصر الأمر على الاعتقاد الواهم بالتخصص الضيق في الميكروكوزم من حقل الفلسفة، بل نصادف من يدعي التخصص في نيتشه أو ديكارت أو فرويد أو دوركايم ….فيسيء إلى الفلسفة وإلى الميكروكوزم و إلى الفيلسوف أو العالم الذي يدعي التخصص فيه. بئس التخصص إن كان يمنع تدفق المجاري المغذية و النسائم المنعشة !!.
21- Hamlin, S., Allwood, C.. M.and Martin, B.: Creative knowledge environments, U.K.: Elgar- 2004 – P: 78
23- جيل دولوز و فيلكس غاتاري – نفس المرجع – ص: 120.
24- جيل دولوز و فيلكس غاتاري – نفس المرجع – ص: 120.
27-W.Kohler: The place of value in a world of facts – New York – Live right –publishing corporation – 1938.
29- Denis Huisman: Socrate sur internet – Op cit – P: 72
30- Denis Huisman: Socrate sur internet – Op cit –P: 259
31- Albert Bandura: principals of behavior modification – New York: Halt, Rinchard and Winston.