الرئيسية / ملف العدد / محاولة في تعليمية الفلسفة

محاولة في تعليمية الفلسفة


بالرغم من أن تعليمية الفلسفة ظهرت متأخرة بنحو ثلاثين عاما أو يزيد عن تعليميات العلوم الصحيحة فإن تلك إشارة دالة على تعقيدها وأهميتها الكبيرة تماما مثلما تقدمت العلوم الطبيعية وتأخرت علوم الإنسان في الظهور والتطور بسبب تعقيد الظاهرة الإنسانية وتشابكها وصعوبة البحث فيها ونقص وسائلها التجربية أو التجريبية إذ أن التجربة في بعض ميادين علوم الإنسان مستحيلة تتطلب اللجوء إلى مناهج جديدة غير تجريبية كما هو الشأن في علمي الفلك والتحليل النفسي.

يقال عادة إن الفلسفة أم العلوم, ليس فقط لأنها أهم من كل العلوم, بل لأن الأمر تاريخيا هو بالفعل كذلك, فما من علم نشأ إلا وكان مسبوقا ببحث فلسفي حتى إذا ما نضج وأصبح معرفة صحيحة ذات جانب عملي تطبيقي إلا وانفصل عن الفلسفة لأنها لا تبحث فيما هو معلوم بل تتصدى بالمحاولة للكشف عما هو مجهول حتى إذا ما صار معلوما خرج من ميدان الفلسفة لكنه يبقى من أهم موضوعاتها من جهة فلسفة المعرفة التي تتصدى بالنقد لكل العلوم والمعارف من أجل تقييم مناهجها ونتائجها وبالتالي مساعدتها على التطور ..

ولأن الفلسفة ليست معرفة ونتائجها ظاهريا لا فائدة منها عمليا ولكون نظرياتها متضاربة ومتناقضة لا تقوم منها واحدة إلا على أنقاض أخرى لذلك وقع الاتفاق على أنها مستحيلة التعليم والتعلم لكن الجميع يتفقون على إمكان تعليم وتعلم التفلسف ولهذا يكون موضوع التفلسف هو المحور الذي تدور حوله تعليمية الفلسفة .. ولأن هذا هو عبارة عن سلوك فكري يهدف المتصدي للتمكن منه والتمكين له إلى اكتسابه أو المساعدة على اكتسابه .. فإنه بالطبع يقع في صلب المقاربة بالكفاءات .. ولا يهم ما هي الإستراتيجية المتبعة فكلها تنتسب إلى مجال التعليمية الحديثة التي ظهرت لأول مرة في مدة زمنية وجيزة منذ حوالي عشريتين من الزمن وكان هدفها وسيظل هو كيفية المساعدة على التمكن من التفلسف بالنسبة لكل الطلبة باعتبارهم مواطنين في مجتمع ديمقراطي حر يتحملون مسؤوليات جسام بسبب ذلك في كل تصرفاتهم التي ينبغي أن تكون واعية وبناءة تفيدهم وتفيد مجتمعهم ولا تسبب أي مشاكل ناجمة عن الديمقراطية والحرية التي قد تدفع إن لم يكن المواطن معدا إعدادا فكريا كافيا إلى تصرفات هدامة قد تهدد كيان المجتمع وتسبب له الكثير من المتاعب وربما التقهقر إن لم تبلغ به حد الانهيار والتفكك والاندثار وما يؤدي له ذلك من أضرار جسيمة تمس المجموعة الإنسانية كلها ..

فما هو التفلسف؟
تطبيق تعليمي على الصورنة، مفهوم الحرية مثالا
يجب أن تأخذ التطبيقات التعليمية للفلسفة في الحسبان عددا من المتغيرات. ومنها ـ خاصة :
(خصوصية المادة، والجمهور المعني “تلاميذ شعبة معينة”، وكذلك البرنامج، والتوقيت، وطبيعة الاختبارات في البكالوريا الخ …). غير أن هذه التطبيقات لا تعني شيئا، إذا لم توضع في سياق الأهداف المقصودة، من قبيل تنمية قدرات أو كفاءات معينة, في مجال التفلسف، بطبيعة الحال،إذ أن الأمر يتعلق ـ أساسا ـ بتعلم التفلسف، بالنسبة للتلميذ. بمعنى ترقية قدرات محددة لديه من هذا النوع، كالقدرة على ضبط المفاهيم أو تصورها، على أن تكون ذات فضاء فلسفي ( مفهوم الحرية مثلا).
إن إشكالية تعليمية تعلم التفلسف، هي ـ إذًا ـ محاولة وضع كل تلاميذ القسم في وضعية تجعل ـ في ذات الوقت ـ ضرورة وإمكان امتلاك هذه السيرورة من التفكير أمرا قابلا للتحقيق. أي أن درجة الضرورة تكون مقارنة بالمحاولة في مادة جديدة، ومع تلاميذ يدرسون الفلسفة بحجم ساعي معين، ويتحكمون في اللغة بدرجة متواضعة، ولهم مرجعيات ثقافية ذات مسافة متباعدة عن التصدي لمادة شهيرة بصعوبتها، لكنها ضرورية، لأن تنظيم الأنشطة المقترحة، يستعمل في توظيفها إجراء غير فلسفي. تعود أهميته إلى قابلية الاستعمال في دراسة مفاهيم أخرى، وفي التمكين من أخذ خصوصية كل واحدة منها في الحسبان .

طرق التصور:
بالنسبة لتلميذ مبتدئ،العملية الذهنية، من التصور الفلسفي، تكمن في القدرة على وضع تصور مفهوم. أي في ضبط خطوة بناءة لمعنى. وهو ما يمكن الوصول إليه من طرق عدة. كما يمكننا من منظور تنوع بيداغوجي. في البداية خاصة. من أن نختار الطريقة المفضلة لبلوغ المراد.

1. كل مفهوم، على سبيل المثال مفهوم الحرية، يعبر عنه بكلمة تؤخذ كما هي في شبكة المعاني والدلالات. وبالنسبة للمبتدئ في دراسة الفلسفة فبإمكانه تحليل هذا المفهوم ابتداء من المعاجم اللغوية والفلسفية ببناء التعاريف ومقاطع النصوص. مثلا: مادة “حرية” من معجم فلسفي معين لتعريف “حرية”. ومن معجم للاشتقاق تعريف “حرية” و “حرية اختيار” ومن معجم المترادفات تعريف “حر” و “حرية” و “تحرير”. وهكذا يمكن تكليف التلاميذ في إطار الواجبات:

أ. بالعمل في مجال الاشتقاق.
فكرة أن الحرية هي “حالة من يعمل ما يشاء، وليس ما يريد آخر غيره”، يمكن أن تدرج في السياق الآتي: الشخص الحر في العصور القديمة، هو حر في مقابل العبدن ثم جاءت تطورات في العصور اللاحقة، ومنها أيام الإقطاع حيث ظهرت درجات أقل من العبودية كما هو الأمر بالنسبة للقن، وتلك الحالات التي تتراوح بين العبودية التامة والحرية الكاملة. وفي وقت لاحق من الأزمنة الحديثة ظهرت نزعة ترفض كل جبرية حتى ولو كان مصدرها الخالق ذاته. ثم ظهرت بعد ذلك فكرة سلطة الدولة وما شابهها. وأيضا أشكال أخرى من التحرر من ضغوط الأسرة والمحيط، وما إلى ذلك من امتلاك الفرد لحرية الاختيار.

ب. من زاوية الدلالة، يمكن تكليف التلاميذ بالبحث عن مختلف معاني الحرية في المعاجم
والإفضاء إلى أمثلة من قبيل (الحرية الطبيعية والحرية السياسية الخ…).
ومن المفيد أن يقترح على التلاميذ متعارضات. مثل: اشرح ما هي الاختلافات بين تصورات الحرية التي تحتوي عليها الجمل الآتية:
الحرية هي:
ـ الفعل المجاني. هذا الذي يكون من غير سبب.
ـ فعل إيجاد أسباب الاختيار.
ـ هي فعل ما نرغب فيه فقط، دون أي إلزام أو ضغط.
ـ سن قانون ذاتي، للتصرف بمقتضاه سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
ـ التصرف العفوي وبحسب الدوافع بما يوافق الغرائز.
ـ التصرف إراديا وشعوريا وفقا لمقتضيات العقل.
ـ التحرر من الطابوهات ومن القوانين والحياة أخيرا وفقا لمقتضيات الطبيعة.
ـ التصرف بحكمة وأخلاقية.

هل يمكن جمع بعض هذه التصورات, وعلى أساس أي معيار؟
ج. من وجهة نظر معجمية، يمكن أن نعمل على أساس الكلمات المنتمية إلى عائلة واحدة:
مثل حر وحرية وتحرر وتحرير لنتساءل هل لها نفس المعنى؟
كما يمكن أن نطلب من التلاميذ أن يكونوا قائمة من الكلمات المشابهة، والمضادة للحرية في نظرهم.
فمثلا:

ثم يقترح على التلاميذ بناء تعاريف انطلاقا من الكلمات القريبة من الحرية.(الاستقلال بالنسبة للآخر. حق الاختيار الخ… ).
ومن الكلمات المضادة ( غياب الإكراه, لا حتمية أفعالنا الخ…). كما يقترح عليهم أيضا توضيح الفروق بين الكلمات المتقاربة أو المتشابهة ( استقلال, استقلال ذاتي الخ…). أو الكلمات المضادة ( سيطرة، هيمنة، استلاب الخ…). ثم هل يمكن بحسب التعاريف التي مررنا بها أن نعارض الحرية بالقانون؟ وهل يتعين تطابق الحرية والليبرالية؟ وهل يلزم ـ دوما ـ تضاد الحرية والإكراه؟ ( وهل مفهوم الإكراه مشروعا؟). وهل بالإمكان معارضة الحرية باللاشعور، والجنون، واللامسؤولية؟ وكذا العاطفة، والغريزة، والجهل، والحتمية؟ وهل يتعين تعارض الحرية والاشتراكية؟

هـ. من خلال تعاريف الحرية لدى بعض الفلاسفة ( ذكر أسماء فلاسفة لهم تعاريف للحرية في البرنامج المقرر. ) ما هي أوجه الشبه والاختلاف ـ في نظرك ـ بينها وبين تعاريف الحرية, التي تمت دراستها؟
نلاحظ أن المفهوم يتمفصل هنا في العلاقة بين الفكر واللغة. في إعمال الفكر في اللغة (مقاربة لغوية وتصورية )

2. لكن التصور، مثلا تصور الحرية، ليس كائنا خطابيا فحسب. إنه يمتص الكائن لدى التلفظ
به، أو يتمثله ويتقمصه، إنه يسعى إلى تمعقل الواقع. وهو أداة عقلية وإجرائية للفكر في فهم الواقع. ” وتغييره” كما أضاف ماركس … أما الطريق الثاني للتصور، فهو اكتشاف وسبر علاقة المفهوم بالواقع. غير أن مفهوم الحرية لا يعالج هكذا بنفس هذه الطريقة، فمجالات تطبيقها الإبستمولوجية والتشريعية والأخلاقية والميتافيزيقية, وعلى سبيل المثال (مقاربة اتساع المجال). وإذن يمكن دعوة التلاميذ إلى حصر إدراك مفهوم انطلاقا من اتساع ميادين تمعقله للواقع: ويطلب إليهم ذكر الدلالات الخاصة للحرية بالنسبة إلى نموذج العلاقات في المجالات المعطاة أو المطلوب بناؤها. مثلا يسأل التلاميذ: ما هو التعريف الذي يمكنكم إعطاؤه للحرية عندما يتعلق الأمر ب:
ـ الميدان النفسي ( تحديد العلاقة مع الحتمية الخارجية أو الداخلية لأفعالنا).
ـ الميدان الاجتماعي ( العلاقة مع الآخر والجماعة ).
ـ في الميدان التشريعي والقانوني (عبر التعارض بين المسؤوليتين المدنية والجنائية).
ـ الميدان السياسي ( العلاقة مع القانون والدولة).
ـ الميدان الأخلاقي ( العلاقة مع الطبيعة والعقل والإرادة والخير والله والسعادة والحكمة الخ).

3. في علاقة الفكر مع اللغة أو مع الواقع، يمكن للمفهوم أن يمفصل علاقة الفكر مع ذاته نفسها. إن الحرية تحيل بالفعل إلى محتوى تصوري بإمكانه أن ينعكس على ذاته بالتفكير في سيرورة تصورية. سنذهب إلى اكتشاف هذا الطريق الثالث ـ بصورة أخص ـ إنه يتم في ثنائية متزامنة: انبثاق وبروز آراء التلاميذ عن المفهوم, بالإضافة إلى “المعالجة” عن طريق المقابلة أو المعارضة (مقاربة تصورية).
انبثاق تصورات التلاميذ
الفكرة القوية التي نعتمدها هي أنه يمكننا بها أن نقتصد تعبير تصورات المبتدئين في دراسة الفلسفة عن مفهوم، بحيث يمكننا أن نعتبر فعلا أن الانتباه الممنوح لرأي التلميذ هو مجاملة ديماغوجية من الأستاذ, في الوقت الذي يجب ـ على العكس ـ أن تنصب كل الجهود على اقتلاع الأفكار المسبقة، من أجل الدخول إلى مجال المعرفة. غير أن منظري التعليمية يعتبرون أن كل جهد دارس مبتدئ للفلسفة, يجب أن ينصب مطولا على اختبار آرائه ( على سبيل المثال “الحرية هي أن نفعل ما نشاء” ). فلنضع هذا الرأي موضع شك، انطلاقا من الوعي بما يتضمنه من افتراضات أو عواقب. وهو ما يمكن معالجته بصيغ تعليمية متعددة، منها على سبيل المثال:

أ. الكلمات المفاتيح:
يتعين على كل تلميذ اختيار ثلاثة كلمات، هي في نظره، الأفضل تعبيرا عن المفهوم محل الدراسة:
– مفهوم الحرية ( كلمات ـ تعاريف ).
ـ الإشكاليات التي يطرحها هذا المفهوم ( كلمات ـ إشكاليات ).
ثم نطلب إلى التلميذ توضيح اختياره كتابيا.
نستعمل في التمرين الأوائل ( كلمات ـ تعاريف ) إن أردنا الصورنة. والثواني ( كلمات ـ إشكاليات ) إذا أردنا المشكلة (بفتح الميم والكاف). وهكذا فإن صيغ التمرين متنوعة ولا نهائية من حيث الكم.

ب. لغة الصور:
قام باحثون في مجال التعليمية باختيار عشرة من الصور المعبرة بغموض عن الحريةن حيث يتعين على كل تلميذ القيام باختيار إيجابي ـ عما يكون أفضل تعبيرا عن فكرته عن الحرية. ـ كما يقوم باختيار سلبي, ثم يعبر عن أسباب اختياره كتابيا. ثم يقوم بعض التلاميذ, بعد ذلك، بتوضيح اختياراتهم شفهيا. ويتم كل هذا ـ في مرحلة أولى ـ من غير مناقشة. وفي النهاية يقوم الخبراء بتفضيل الصور التي اختارها اكبر عدد من التلاميذ، خاصة عندما تكون الاختيارات متناقضة.

ج – Q – sort
وهي طريقة تقترح مجموعة من “جمل ـ تعاريف”ن للحرية اختارها خبراء في التعليمية، من بين آراء أو تصورات فلسفية ممكنة. وهذه أمثلة على ذلك: سلطة الأقوى/ الخضوع للقانون الذي يضعه الناس لأنفسهم/ فعل الشخص ما يشاء، مع من يشاء، وفي الوقت الذي يشاء/ جهل الناس بالحتميات المحيطة بهم/ الرضى أو التسليم بالقدر/ الشعور باستعمال الإرادة/ استغلال التقنية لقوانين الطبيعة/ الفعل من غير أسباب/ غياب كل إكراه/ معرفة الحتميات المتصلة بالمدرك لها/ القدرة على الاختيار/ التصرف الحكيم بمقتضى قوانين الطبيعة والعقل/ الكفاح الثوري للجماهير المستغلة/ مسؤولية الشخص على أفعاله/ الاتفاق الاجتماعي على احترام الذات والغير/ وجود الشخص ضمن مشروع. يتعين على كل تلميذ أن يختار ـ بصفة فردية ـ أربعة من هذه الجمل، بحيث تمثل اثنتان منها أحسن اتفاق مع تعريفه للحرية، بينما تمثل الاثنتان الأخريان العكس، أي الأكثر تعارضا مع تعريفه. ثم عليه أن يبرر اختياراته كتابيا. بعدها يتم تقسيم التلاميذ إلى مجموعات صغيرة، يوضح داخلها كل تلميذ اختياراته، ثم يطلب من مجموع تلاميذ القسم ـ في البداية دون مناقشة ـ بعض التوضيحات بمراعاة الاختيارات المنتقاة ـ بصفة خاصة ـ على أنها إيجابية أو سلبية أو متناقضة.

هذه المنهجيات أو الطرق الثلاث ليست متعادلة إذ تجسد لغة الصور، تجسد التصور في تجذره الانفعالي الحميم بسبب فهم الصور ووضوحها. أما الكلمات المفتاح فإنها الأكثر اجتماعية في مستوى اللغة والأفكار. في حين أن “جمل التعاريف”، تعطي إطارا أكثر دقة من التعريفات التي سبق بناؤها. غير أنه، في كل الأحوال, ينبغي للتلميذ أن يقوم باختيارات, يتحمل فيها المسؤولية, عن طريق تبرير مكتوب, وشرح شفهي. إن التمرن على حرية, نتناولها في النهاية بالتفكير محللين الفكر المعيش للتطبيقات. كما أنه على التلميذ صياغة رأيه باللغة وفيها. وهكذا تنظم هذه المرحلة الأولى ـ إذن ـ التعبير المنهجي عن الآراء، بحيث يدرك كل تلميذ منها وجود آراء مختلفة, كما يشهد التناقض الواضح بينها, ومن خلالها.

معالجة التصورات عن طريق الصراع ” الاجتماعي ـ المعرفي”

هنا ندخل المرحلة الدقيقة، حيث يوجد تعلم للتفلسف، عندما يستصدر التلميذ الشك في رأيه.
ويضع موضع التساؤل الجدي أحكامه المسبقة. إن ممارسة المشْكلة مرهونة بالاستقلالية الذهنية، التي ينجر عنها تعديل أو تعميق التصور الرئيسي، إنه ذاك الذي ننعته بالإجراء أو بخطوة الصورنة الممشكلة، انطلاقا من هوية أو جوهر الحرية، ومن “التعريف ـ الرأي” (نفعل ما نشاء).

هذان مساران ممكنان، وقد تمت ملاحظتهما لدى التلاميذ، انطلاقا من تحليل مواقفهم:
نضع هنا فرضية ـ الحوار الذاتي الصامت ـ ” أفلاطون”, موضع الشك, فالصراع المعرفي مع الذات يكون أسهل باستعمال الصراع “الاجتماعي ـ المعرفي” أي بتأمل الآخر الذي يكون مزدوجا ( التلاميذ الآخرون) أو الخبير ( الأستاذ أو الفلاسفة الآخرون ).
إن ما يتبع من التطبيق يكمن ـ إذن ـ في تنظيم صراع “اجتماعي ـ معرفي” داخل القسم, من أجل كل واحد من تلاميذنا، عندما نشرح اختيارات متماثلة أو مختلفة، حيث يتولى الأستاذ شرح الخلافات الوهمية بطريقة يعمد فيها إلى البرهنة على التصورات المتناقضة واقعيا.
إن هذا النقاش الذي ينظمه الأستاذ لا يصير فلسفيا إلا بشرط اعتماد تقليد تواصلي ـ كقاعدة للعبة ـ بإقامة أخلاق مؤقتة للحوار في القسم النهائي، أي المستوى الذي تدرس فيه الفلسفة: بحيث لا يكون البحث عن إقناع الآخر، وإنما عن بناء الحقيقة معه. ينبغي التموقع في مستوى عقلي (للإفلات من انحراف الصراع “الاجتماعي ـ المعرفي” إلى صراع “اجتماعي ـ انفعالي”, ثم إنه لا بد من إيجاد الدليل, وهو ذاك الذي يكون قابلا للتعميم، وقبول الآخر له عندما تتم إقامته.
إن هذا الأمر يقتضي عقدا للتوظيف الفلسفي في القسم, فوجود الأستاذ هنا ليس فقط لمجرد “التنشيط، والتوزيع والتنظيم” للكلام أو الحديث الجماعي، وإنما لتربية الاستماع إلى الخطاب الفلسفي، إنه هو الذي يركب المواقف التي تصاغ، ووجه لها باعتبار التصورات الكلاسيكية. إنه يتقمص صفة المعلم في درجة ثالثة، عندما يقوم ببلورة النقاش، وموضعته في إطار نظري، ويوجه تفكير التلاميذ نحو التطور بطريقة مؤسسة مع تسجيل رؤوس أقلام, أو نقاط أساسية للموضوع محل الدراسة, وذلك عن طريق ضرب المثل( وليس التنميط أو إملاء النماذج ), والالتزام الشخصي الصارم.
في هذه المرحلة يمكن, وربما يستحسن إدخال النصوص, كتتويج للأطروحات المتناولة, غير أن الغوص يكون هنا فيها هي ذاتها ( مثلا الحرية كإرادة في نظر ديـكارت, أو كوجود عند سارتر). وتستعمل مثل هذه النصوص بإبراز التناقض بينها ( مثلا الحرية الفردية كتسليم بالقانون الإلهي عند “إبكتيت”, والحرية الجماعية لتغيير العالم عند”ماركس” ). وقد صار مفهوما أن ما يهمنا في تصور التطبيقات التعليمية, هو ـ على الأقل ـ في المراحل الأولى، ما سنقوله لتلاميذنا، وما نفعله من أجل أن يعملوا هم على اتخاذ مسارات بأنفسهم، أو إن شئنا الدقة أكثر، إننا نقدم على مفصلة أقوالنا مع مساراتهم، من أجل أن يذهبوا بعيدا. فهكذا هو الإجراء الحاسم للمبتدئ في تعلم الفلسفة، إنه هذا الذي يقودنا إلى تصور عدد مناسب من التمارين، بغية التدرب الناجع لتلاميذنا.