الرئيسية / ملف العدد / الفلسفة : تعليمية وأبعاد

الفلسفة : تعليمية وأبعاد


مدخــــل :
لقد انشغل الإنسان بالعمل قبل أن يهتم بطريقة العمل كما إهتم بالسلوك قبل أن يكتشف أسباب السلوك إلا أن الممارسة العملية التي أفرزت نتائج مختلفة من حيث القيمة دفعت الإنسان إلى البحث عن الأسلوب الأفضل في الأداء و الأحسن في النتيجة.
إن الأسلوب الأفضل في الأداء هو ما يطلق عليه اليوم عبارة المنهج ، وهو عبارة عن خطوات عمل واضحة ومرتبة للوصول إلى مبتغى معين .ونظرا لتعدد مواضيع البحث فإن المنهج وان كاد يكون واحدا في جوهره … إلا أن طبيعته المتحررة تجعله مختلفا من موضوع إلى أخر الأمر الذي أدى إلى تعدد المناهج .

لقد أصبح لكل فرع من فروع المعرفة منهجا يسلكه لأجل تحسين هذه المعرفة سواء من حيث الكم أو الكيف ، ومما لاشك فيه فإن هذا التعدد يعد من بين الأسباب والعوامل التي ساهمت في تقدم المعرفة .
لقد أنطلق هذا السباق في تحسين الأداء محتشما ومتعثرا منذ فجر التاريخ وعبر تنوع الحضارات ورغم التعثر فقد حقق الفكر الإنساني بفضله منجزات لايستهان بها لا من حيث درجة المعرفة وتطور مستواها أوقيمتها النوعية والنفعية.
بعد الجمع والاختزال يمكن اليوم التمييز بتجاوز وإيجاز بين منهجين مختلفين الأول يغلب عليه الطابع النظري كوسيلة البحث في مجال العلوم الإنسانية والتي منها علم التربية . والآخر يغلب عليه الطابع العملي يختص بالعلوم التجريبية .

إن هذه المجالات من المعارف على مختلف توجهاتها الاكتسابية تشترك في طموح منهجي موحد وهو السعي لأجل امتلاك أفضل سبيل للحصول على أحسن نتيجة نوعية.

منهجية العلوم التربوية:
إن العمل التربوي الذي يشتغل بالتعليم كوسيلة لبلوغ أهدافه المرجوة… قد اهتم منذ القديم بأسلوب الأداء لأجل التحكم في التواصل بين المعلم والمتعلم وكان هذا الاهتمام أو الانشغال بعيدا عن المخابر المتخصصة والتجارب العلمية, فقد كان متضمنا في التطبيق الشخصي والحكم الانطباعي الذاتي عند تقييم النتائج, دون الولوج والتعمق في طبيعة المتعلم وذات المعلم, الأمر الذي أوجد طرق أداء متعارضة يجمع بينها الموضوع ويفرق بينها أسلوب التعامل مع الموضوع نفسه لأن منطلقها أنساق متباينة في المسلمات من حيث النظرة للتلميذ. وإن ساد هذا الوضع على مر الأيام في الزمن الماضي لم يفز برضى المربين الممتهنين الذين يرغبون في توحيد النظرة بعد تحويل المسلمات إلى مبادئ وقوانين إن القيام بهذه المهمة الأخيرة على أكمل وجه ليس بالأمر الهين. ولا شك أن البحث العلمي المتخصص هو الكفيل بهذا الدور وبالفعل فقد أخذ على عاتقه صعوبة البحث في الموضوع الذي هو التلميذ, والأسلوب الذي يتماشى وطبيعة الموضوع هذه الطبيعة التي توجب دراستها تكافلا بين مختلف أوجه المعرفة خاصة الإنسانية منها, من اجل التعرف على كنه المتعلم عبر مراحل حياته وكسب الأسلوب الفني والعلمي الذي يخدم المتعلم في عملية التربية والتعليم التي يتلقاها. إن البحث على هذا الأسلوب هو من وظيفة المعلم المهنية وقد أطلق عليه مصطلح “التعليمية”.

معنى التعليمية (Didactique)( ):
المعنى اللغوي: مشتق من اللاتينية Didaskein تعني علّم Enseigner (التدريس).
المعنى العام : علم موضوعه طرق التدريس.
المعنى الفلسفي : مجمل القواعد والأساليب التي تؤدي إلى الحقيقة.

التعليمية والفلسفة :
يلاحظ من خلال هذه التعريفات أن التعليمية ليست معرفة بقدر ما هي ممارسة عملية تطمح إلى توصيل المعرفة بأفضل الأساليب البيداغوجية. لذلك وجد من لا يؤمن بوجود تعليمية في تدريس الفلسفة بدعوى أن الفلسفة نفسها تساعد على التفكير أي أنها منهج أو “تعليمية”! و عليه فلا فرق بين التعليمية والفلسفة. أما البعض الآخر فقد نادى بضرورة التعليمية في الفلسفة وفي غير الفلسفة لأن لكل مادة طبيعتها ومجال بحثها وخصوصية موضوعها وهناك رأي ثالث حاول أن يكون توفيقيا حيث يرى أن كل المواد تشترك في تعليمة واحدة باعتبارها: الأسلوب البيداغوجي الأمثل في عملية التدريس والتواصل والتدريب والتكوين إلا أن هذا لا يمنع أن تكون لكل مادة طريقتها الخاصة في الأداء من أجل تحقيق الأهداف المرجوة منها باعتبار أن الأهداف والغايات تختلف من مادة دراسية إلى أخرى.

إن النظرة التي تبدو أكثر موضوعية للمشكل المطروح تتمثل في الموقف الثالث التوفيقي السالف الذكر… لأنه يقر بالتعليمية لكافة المواد من حيث التطبيق حتى تتماشى والمتعلم من ناحية والمادة الدراسية من ناحية أخرى. ولعل هذا الموقف هو الأقرب للصواب لأننا لا نستطيع أن ننفي وجود تعليمية بشكل من الأشكال في أي نشاط تعليمي. ” فعدم ظهورها لا يدل على عدم وجودها…!”.

التلميذ عنصر مشارك في بناء التعليمية :
ما هو التواصل الأمثل أو “التعليمية” التي تحقق أغراض مادة الفلسفة في التعليم الثانوي؟
إن الإجابة الصحيحة والموثوق بها على هذا السؤال لا تكون من قبل الأستاذ البيداغوجي المتمكن…إنما تصدر عن التلميذ نفسه!.
لأجل الحصول على هذه الإجابة طرح السؤال التالي على تلاميذ في قسم الفلسفة.
السؤال: ما الفرق بين درس الفلسفة وبقية الدروس التي تتلقاها؟.
كانت بعض الإجابات على السؤال المطروح كالتالي:
1. دروس الفلسفة تجعلني أهتم بالأشياء التي لا أهتم بها في حياتي العادية.
2. هذه الدروس تدفعني إلى الانتباه أكثر وتعمل على تنشيط الذهن.
3. العمل الفلسفي يدرس النص بواسطة التحليل أما في المواد الأخرى فإننا نكتفي بشرح النص.
4. الفيلسوف يختصر النص في كلمات ، أما غيره فإنه يكتب الموضوع في صفحات ولا يقوى على إيجازه.
5. النص الفلسفي أكثر عمقا من غيره من النصوص.
6. تعلمنا الفلسفة النظرة الجزئية للقضايا المطروحة.
7. الفيلسوف هــو إنسان كغيــره لكنــه يتميز باتساع المخيلة وأكثر دقة في شرح و تحليل الأفكار .

إن هذه الإجابات التلقائية تحمل بين ثناياها رغبات التلميذ. تلميذ التعليم الثانوي وتحمل مطالبه كما تعكس مستواه العقلي المتميز وطبيعته الفكرية… تكشف أيضا عن ملامح شخصيته النفسية والاجتماعية والفكرية على وجه التحديد.
إن أسلوب التوصل والتبليغ الجيد أو التعليمية المنشودة في مادة الفلسفة هي التي تراعي هذه المطالب وتحترم ملامح الشخصية العامة والخاصة أيضا حينما يكون التواصل فرديا. ودون اللجوء إلى المصطلحات فقد شعرنا ذات يوم بالتعليمية دون أن نسميها أو حتى يسميها من علّمنا لأنها لم تكن سائدة كمصطلح بعد.
كل منّا يقرّ بأن كل من صادفه في حياته التحصيلية من المدرسين الناجحين في أدائهم … إضافة إلى ممارسته التقنية المهنية كان يحترم وجود التلميذ كإنسان له طبيعته ومطالبه سواء عند التعامل معه ضمن المجموعة أو خارج المجموعة كشخص.

إن الأسلوب الفني المتميز بالإيجاب في عملية التبليغ والتواصل أو التعليمية الناجحة لا يتوقف عند الشروط المشار إليها… إنما يضاف إليها شرط آخر ألا وهو مركب شخصية المعلم بما تحمل من موهبة خاصة لمتطلبات المهنة… لان هذا الشرط الأخير هو الضامن لتحقيق بقية الشروط المتعلقة بالجانب الفني والبيداغوجي وكذلك المعرفي لعملية التعلم.
للإشارة لا بدّ من وقفة توضّح أنّ فن التعليمية ليس في متناول الجميع فمهنة التعليم إن صح أن نسميها مهنة لها أهلها هي الأخرى. وعلى هذا الحال فان التوظيف لها يستوجب عملية الانتقاء التي تراعي الموهبة والاستعداد قبل أي شيء آخر.

ومن بين الأسباب المحدثة للضرر الحاصل في نظامنا التربوي غياب عملية الانتقاء وان وجدت فإنها لا تتعدى الجانب المعرفي. يجب أن تكون هذه العملية واعية ودقيقة موضوعية بعيدة عن مؤثرات الذات السلبية كالمحسوبية ، كذلك التفاؤل المبالغ فيه في الاعتقاد بان الممارسة في الزمان كفيلة بتكوين المعلم لأن الواقع أثبت أن هناك من قضى حياته وهو يمارس أو يجرب في التلاميذ ولم يفلح في أن يكون ذات يوما معلما مفلحا.!

تعليمة الفلسفة في التعليم الثانوي:
إذا كانت التعليمية ثابثة على مستوى مادة من مواد التعليم فإنها ليست كذلك على مستوى مادة الفلسفة لان هذه الأخيرة تتناول بالدراسة والتدريس العديد من المواد الأخرى بشكل من الأشكال وبمقاربات مختلفة. فإما بطريقة الشرح والتحليل كما تفعل مع مادة المنطق وعلم النفس او بطريقة العرض والنقد كما تفعل مع علم المناهج وفلسفة العلوم الإنسانية ، هذه الّتي تختلف في الدراسة والتقييم عن فلسفة العلوم التجريبية وعن غيرها كمبحث القيم وعلم الأخلاق وغير ذلك من التنوع الحاصل في محتويات مقرر(منهج) الفلسفة.

إن توصيل هذه المضامين للطالب يشترط تنوعا أيضا في طرق تدريسها أو”تعليميتها” ولذلك لم نركّز في هذا العرض على تفاصيل تدريس المواد الفلسفية بالقدر المطلوب. إنما ركزت على التعليمية بصورة عامة كوسيلة لتحقيق أهداف التعليمة في مادة الفلسفة .
قبل عرض الأهداف نذكر بأهم النشاطات التعليمية في الفلسفة ، هذه النشاطات وإن اختلفت في طريقة تدريسها فهي تشترك في الغايات الموجودة منها .
للإشارة فإن التعليمة didactique في مرحلة التعليم الثانوي ليست نمطا متحجرا من أنماط التدريس المتفق عليها أو المتجددة… ولكنّها وإن كانت تراعى الجوانب الموضوعية كمستوى التلميذ والوسط التعليمي (البيئ) إلى غير ذلك من المؤثــرات الخــارجية …. تبقــى خاضعــة ومنبعثـــة مـن شخصيــة الأستـاذ كمفاعل فلسفي .!!

تعليميّة النشاطات المعتمدة في تدريس مادة الفلسفة :
أوّلا – الدّرس النّظريّ:
قبل الحديث عن أهمية الدرس كنشاط تعليمي وتربوي، من الأهمية بمكان أن نتحدث على الطريقة التي يقدم بها الدرس، لما لهذه الطريقة من أثر مباشر في بناء الشخصية. إن عملية التواصل القائمة بين الأستاذ والتلميذ من خلال الدرس يجب ألاّ تمكن من توصيل المحتوى المعرفي فقط، إنما تجتاز ذلك إلى تأثيرات أخرى، أبقى أثرا من مادة الدرس، باعتبارها تأثيرات في الشعور، وليست فقط، مؤثرات في العقل، وهذه التأثيرات الحادثة تتوقف ايجابيتها أو سلبيتها، على نوع الطريقة التي يتواصل بها الأستاذ مع تلميذه. ولتوضيح الصورة يمكن المقارنة في التأثير بين أستاذ يتبع طريقة الشرح والعرض والإلقاء… وأخر يتبع طريقة الحوار” بنوعيه العمودي والأفقي،” والاستنتاج ويترك للتلميذ حرية توثيق ما يستنتجه … من الإشكالية المطروحة.
فأثر الأول في نفسية المتعلم يكون كالتالي:
التعود على : – التقبل والانفعال، دون التمحيص والفعالية.
– الاعتماد على غيره.
– الاستهلاك دون الإنتاج ، ويرضى بالتبعية .
– جمود القدرات العقلية الفاعلة وبتر المهارات النامية …

أما تأثير الطريقة الثانية فهي عكس الصورة تماما ، فالتلميذ بفعلها فعال ومتطور في مختلف أوجه السلوك متأثر ومؤثر، شاعر بقيمة وجوده بين الموجودات .

هذا بالنسبة لأثر الطريقة. غير أن هناك آثارا يحددها المضمون، فمحتويات البرنامج متنوعة فهناك علم النفس والمنطق والميتافيزيقيا، والميتودولوجيا… فالمتأمل في هذا التنوع في البرنامج يكتشف نوعا من التوافق والتفاعل بين ما تقدمه هذه الموضوعات من محتويات وبين ما تطلبه سن المراهقة، من حاجة للمضمون الفكري والفلسفي، المتضمن في هذه الموضوعات. وهذه الحاجة تكون عامل إقبال وإدراك وتفاعل مع مضامين أبواب البرنامج.

فالتلميذ المراهق في حاجة إلى معرفة ذاته ومعرفة غيره، فعلم النفس وهو باب من البرنامج، يساعد في النهاية على تحقيق هذا المطلب، إذ يعرف الشخص بنفسه وغيره، وهذه المعرفة الفلسفية تساعده على التوافق مع نفسه ومع الآخرين. أي يحقق جانبا هاما من جوانب الشخصية وهو الجانب الاجتماعي والجانب النفسي.

والتلميذ المراهق أيضا في هذا السن يتعرض لتغيرات عقلية تنتج عنها قدرات مختلفة، مثل القدرة على الاستنتاج، والاستدلال، والقدرة على التجريد والنقد وما إلى ذلك من علامات النضج العقلي.
فمن خلال برنامج الفلسفة(وعلى وجه الخصوص باب المنطق) تجد هذه الطبيعة فضاء واسعا تعيش وتنمو فيه بصورة منتظمة، وتلبي لها المطالب الضرورية من اجل التفاعل الايجابي المحدد لبنية الإنسان العادي.

إن ما يقال عن : علم النفس… والمنطق… يقال عن بقية أبواب البرنامج الأخرى التي تقدم من خلال الدرس والتي يجب أن تصب مجاريها كلها في بحيرة واحدة، ألا وهي بحيرة “الشخصية”، إذ بهذه المحاور تزرع بذورا متنوعة هي بذور القدرة على المقارنة والحكم والتحليل والنقد، والمحاجة، والبرهنة والقبول، والرفض، والنظام، والتنظيم، وما إلى ذلك من المهارات المختلفة المتعلقة بالفكر الحر الخلاق. وإذا ما أحسنّا الرعاية وواصلنا العناية لهذه البذور سوف تثمر لصالح المجتمع، من خلال بناء شخصية التلميذ رجل المستقبل .

ثانيّا – الدّرس التّطبيقيّ ( دراسة النّصّ ) :
إن عملية دراسة النص في مادة الفلسفة تعد نشاطا مكملا للدرس من الوجهة التعليمية… إلا أنها تحتل مكانة خاصة كوسيلة تربوية ، إذ تتجاوز وظيفتها حدود وظيفة الدرس. فالنص يضع التلميذ أمام مادة خام للتفكير، مكتوبة بخطاب فلسفي يتجاوز مستوى الخطاب العادي. وهذه المادة معروضة بكيفية تتطلب منه قراءة معينة (قراءة فلسفية). والالتزام بمنهج معين حتى يتمكن من تحليل هذه المادة الفكرية الخامة.

إن أول شروط هذا المنهج أن يحسن الفهم وقبل ذلك يحسن الاستماع إلى غيره ، وهي مهارة حيوية في عملية التواصل يتجاوز بعدها الهدف التعليمي إلى المستوى التربوي الحضاري الراقي… فهي ليست فقط وسيلة ضرورية للدخول في مجال تصور غيره إنما احترامه مهما كان مستوى فكره واختلاف وجهة نظره على وجه الخصوص .
والاستماع إلى غيرنا فن لا يتمكن منه التلميذ إلا من خلال قراءة النصوص قراءة فلسفية لما يصاحبها من شعور محايد.
وممّا لا شكّ فيه فإنّ النص الفلسفي بما يحمل من مضمون… وبما يتطلب من منهجية خاصة في التحليل, يترك آثارا بالغة في ذهن وسلوك التلميذ،إذ يضعه أمام مواقف مبررة من مشكلات حياة الإنسان كفرد، وفي إطار جماعة ، ويطلب منه بعد التحليل المشاركة في هذه المواقف بالقبول أو الرفض ….وهاتان العمليتان (القبول والرفض ) أيضا مهارة لا يملك التلميذ صنعها بالفطرة …إنما عليه أن يتدرب عليها بموضوعية ومنهج ومنطق ، وهو ما يتأتى له أيضا من خلال القراءة الفلسفية والتحليل الفلسفي للنصوص المتضمنة لمواقف وآراء حول إشكاليات فلسفية مطروحة .

إن عملية إبداء الرأي أو الحكم وهي العملية المتضمنة في : “القبول” لبعض المواقف أو ” الرفض” لمواقف أخرى … لا تجعل من التلميذ متقبلا مسلما بأفكار غيره فحسب، بل مبدعا كذلك – في مستواه- بفعل العمليات الفكرية العليا المتعددة كالتحليل والتركيب والمقارنة والاستنتاج وغير ذلك…

إن الأغراض المذكورة آنفا من تحليل النصوص… تعد بعضا من كل، وهي روافد أساسية، إذا ما تم التخطيط لها، تم أداؤها بوعي وفن، مكنت ” بحيرة الشخصية” من التوسع والصفاء وتعدد الأسماك وتنوعها!. وبفعل هذه الروافد التي يجب أن يبدأ سيلها بتدريب التلميذ على تحليل النص تحليلا يحترم أسلوب الأداء، أو ما يسمى بتعليمية المادة، ويهدف كذلك إلى إدراك المضمون الفلسفي… ثم يستمر هذا السيل بمجهود التلميذ نفسه على مدى مسار حياته الثقافية.
غير أن هذا التدريب لا يتم، كما يجب أن يتم، إلا من خلال شروط أهمها: فن الأداء، من الناحية التعليمية الخاص بهذه العملية… وكذلك وعي الأهداف المنتظر تحقيقها من هذا النشاط ، هذان الّلذان … يجب أن يبقى الاجتهاد فيهما مفتوحا تغذّية التجربة وتوجهه إعادة التجربة .

المقالة الفلسفيّة :
في الظّاهر فإنّ مقالة التلميذ هي المرآة التي تعكس فاعلية التلميذ… لكن هذا في الظاهر، غير أنها في الحقيقة تعكس فاعلية الأستاذ لما له من قدرة على التوجيه والتغيير، لتحقيق الأهداف، ومن خلالها الغايات، وأمثل غاية منتظرة من المقالة هي استخدام نشاط العقل العام ، كما ينبغي أن يستخدم هذا النشاط ، بمعنى أن يبتعد عن الآلية في التفكير والإمعية في الحكم، والتبعية في الرأي، وبهذا يحيد عن العقم ويتبنى نهج الإنتاج والفعالية.
إن هذه الصورة النموذجية المنتظر تحقيقها في ذهن وشعور التلميذ لا تحدث إلا من خلال تدريبه على الوسائل والمهارات التي تمكن من صنع هذه الصورة.
وجملة هذه الوسائل يمكن تصنيفها في بابين متكاملين: الباب الأول توظيف القدرات، أما الثاني فيتمثل في تنمية المهارات…

توظيف القدرات :
إن التلميذ المراهق كإنسان له جملة من القدرات بالطبع… وفي هذه المرحلة من عمره تتفتح الطاقة وتبرز هذه القدرات إلى الفعل لكنها تبقى في حاجة إلى رعاية وتوظيف. والأنشطة المختلفة في مادة الفلسفة… تتولى رعايتها، وفي المقالة الفلسفية على وجه الخصوص يفتح الباب على مصراعيه لتوظيف هذه القدرات عمليا، وذلك عند بناء التصورات والأحكام وممارسة مختلف العمليات الذهنية العالية. وأهم هذه القدرات: القدرة على الفهم(فهم السؤال) والقدرة على التواصل (من خلال نوع الإجابة) والقدرة على التحليل والمقارنة والنقد والحكم والاستنتاج… كل هذه القدرات نجدها موظفة في صلب المقالة… على الأستاذ أن يكشفها ويحدد مستواها ليعمل بعد ذلك على رعايتها عن طريق التصحيح الذي هو توجيه مركز، وبصورة مستمرة لعمل التلميذ حتى يبلغ به درجة مرضية تسمح له في المستقبل بأن يقود نفسه في توظيف هذه القدرات، لا في حيز النشاط الفكري الذي يمارسه فحسب إنما في الحياة العملية وفي مجمل علاقته مع غيره أيضا .

تنمية المهارات :
يرسم بعض الأساتذة غاية محدودة للمقالة الفلسفية… حيث يريد أن يمكن التلميذ من تقنيات هذا النشاط… حتى تصبح المقالة وسيلة للتواصل الجيد ومن خلال شكلها المنهجي ومضمونها المعرفي يقيّم التلميذ .
إن هذه الغاية إذا ما وقف عند حدودها الأستاذ، تحقق نفعا قريبا لا محالة… لكنها لا تخدم التلميذ في حياته.

فمن خلال المقالة يجب أن يعمل الأستاذ وبوعي على تنمية المهارات وتربية التلميذ تربية تكاد تكون شاملة!!! إذ يعالج بها كثيرا من أوجه السلوك سواء ما تعلق بعلاقة التلميذ مع نفسه أو علاقة التلميذ مع غيره.
إن النظام سلوك… والترتيب سلوك… وممارسة الذوق سلوك… واحترام المواعيد سلوك… والالتزام (عوض الإلزام) سلوك…و احترام حقوق غيرنا سلوك …والاعتراف بالخطأ والعمل على إصلاحه سلوك …وكلها سلوكات حضارية تصلح أعمدة متينة وقائمة وقواعد مستقيمة وثابتة لبناء شخصية سوية، وقوية، لإنسان سوي وقوي.
إن كل هذه السلوكات تلون بها شخصية التلميذ من خلال المقالة الفلسفية !!
إن التلميذ الذي ينجز مقالة فلسفية على شكل يحترم فيه الذوق وتقدر فيه قيمة الجمال من حيث النظام والترتيب كترك هامش للتصحيح و الخلو من التشطيب وترك الصفحة الأولى لملاحظات الأستاذ.. ويسلم هذه المقالة في موعدها المحدد، لتعود له مصححة في موعد محدد أيضا … فإذا تدرب هذا التلميذ وبصفة دورية، وباستمرار على هذه العملية فإن جميع السلوكات الحضارية السالفة الذكر، تنصهر في شخصيته كأنماط من السلوك الإنساني الايجابي. وهكذا فالمقالة الفلسفية لا نسعى بها فقط إلى تحقيق الغايات الصورية الآنية القريبة، إنما نطمح من خلالها إلى بناء ما نطمح في بنائه للحياة،حياة :الفرد والمجتمع والوطن.

البحوث أو “العروض”:
من النشاطات العملية التي من المفروض أن يدرب عليها التلميذ طيلة السنة الدراسة، تكليفه بإنجاز بحوث أو على الأصح “عروض “حول أهم المحاور المتضمنة في البرنامج ليكون هذا النشاط في صورة عمل جماعي فوجيّ … إن هذا العمل لا يهدف فقط إلى التوسع في التحصيل، إنما نسعى به إلى تحقيق أهداف أخرى تساهم في استكمال الغاية، ألا وهي : بناء شخصية المتعلم.
ومن أهم هذه الأهداف العملية والتربوية نذكر ما يأتي :
1- التدريب على استخدام المصادر و استثمارها، من أجل إعداد التلميذ للمرحلة الجامعية، في حالة التحاقه بالجامعة ، أو الاستمرار في تكوين نفسه بنفسه من خلال استعمال هذه المصادر.
2- تجاوز الكتاب المدرسي إلى المراجع الخارجية التي تفتح أمامه أفاقا علمية تساهم في دفع الحركة و الحيوية في حياته الثقافية عامة .
3- التدريب على توظيف المعارف ومعالجتها ، والمحافظة على الأمانة العلمية بالإشارة إلى المراجع .
4- التعود على العمل في إطار جماعي، بما تتطلبه هذه الصور العمليّة من شروط ، كروح التعاون والتفهم للغير، بحسن الاستماع إليه ، وغير ذلك من الحالات النفسية، والسلوكات الاجتماعية التي تصاحب الفعل.
5- جمع الأفكار وترتيبها وعرضها، في أبسط صورة، وأمثل تركيب.
6- إثبات الذات، وتنمية روح الأنا (حينما يعرض بحثا يحمل اسم التلميذ) لكن في نفس الوقت يحمل اسم غيره من أفراد الفوج. وهذه الصورة من العمل تنمي روح الأنا وفي نفس الوقت تهذبها وتعدلها.

إن هذه الأهداف التي تعد جزءا من كل يجب ألاّ تغيب عن تصور الأستاذ في تعامله مع التلميذ في مثل هذا النشاط.. وهي لو جمعت لرسمت لنا صورة الشخصية التالية :
” إنسان متمكن من تكوين نفسه بنفسه، قادر على العمل في إطار جماعي، ويفهم ويحترم أفراده، ويتعامل معهم باحترام، وتواضع.. قادر على التواصل، وهو واثق من نفسه ” … إلخ .
إن هذه الملامح من الشخصية.. إذا ما تكاملت مع بقية الملامح التي ترسمها بقية النشاطات.. تشكل شخصية ليست فقط متكاملة وسوية، إنما نامية ومتطورة أيضا .

الاختبارات :
هناك خطر يهدّد عمل الأستاذ باستمرار في هذا المجال ، إذا ما آمن وصدّق بالهدف الشائع من الاختبارات . إن التصور العام يرى في الامتحان مجرد وسيلة يقيم بها التلميذ، وهي التي يكرم بعد أدائها او يهان!، وبالتالي فهو عملية مصيرية تتطلب استعدادا خاصا من تنظيم وحراسة وحذر حتى تكون وسيلة موضوعية لعملية التقييم وهذه الخصوصية جعلت جل أفراد الأسرة التعليمية – حتى لا نقول التربوية – من أساتذة وإدارة، تعطيها سلوكا خاصا مبالغا فيه في غالب الأحيان ، وهو سلوك لا يراعى فيه إلا شكل الامتحان وبسذاجة مطلقة، مما كون علاقة بين الممتحن و الممتحن تصل إلى درجة العناد والتحدي. وحينما وصلت العلاقة إلى هذه الصورة، فقد هذا النشاط روحه وبقي جسما فاقد الروح!…، ومعنى ذلك انه أصبح وسيلة غير تربوية أو إن أردنا رسم صورة من التناقض، قلنا عنه أنه وسيلة تربوية تفسد ولا تصلح، تهدم دون ان تبني. ومن المفروض أن يكون هذا النشاط هو الآخر وسيلة من وسائل التربية البناءة.
وحتى تكون الاختبارات كما يجب أن تكون، وسيلة فعالة من وسائل التربية، تساهم في بناء الشخصية يجب:
1- وضع الثقة في التلميذ، حتى وان لم يكن هذا التلميذ في محلها في البداية.!
2- تشجيع التلميذ مهما كانت النتيجة المحصل عليها ودفعه إلى تحسين هذه النتيجة.
3- جعل التلميذ يدرك أنّ الهدف من الامتحان ليس فقط تقييم غيره له وإنما نفسه بنفسه بواسطة الامتحان.
4- تخفيف الحراسة إلى درجة يشعر فيها التلميذ بان عملية الحراسة ليست مراقبة، بقدر ما هي خدمة للتلميذ فيما يحتاج إليه مدة الاختبار.
5- ألاّ يكون الاختبار هو المقياس الوحيد للحكم على قدرة التلميذ في الفهم، والتحصيل، واكتساب المهارات.
6- أن يعين الهدف – وبصورة دائمة- من الاختبار، ويكون التلميذ على وعي تام بهذا الهدف.
7- حث التلميذ على احترام منهج العمل، انطلاقا من مرحلة فهم السؤال إلى اخر مرحلة وهي مرحلة مراجعة العمل.
8- حث التلميذ – وان لزم الأمر- إجباره في انتظار إقناعه على استغلال كل الزمن المخصص للاختبار.

إن العمل بهذه النقاط، وبما يتماشى معها في الهدف…كفيل بان يعيد السهم إلى مرماه خاصة إذا كان الرامي حكيما، فيعمل على تحقيق جملة الأهداف التربوية من نشاط في مادة الفلسفة، يسمى “بالامتحان”.
إضافة إلى بقية الأهداف التعليمة.. والنفعية.. والعملية.. المعروفة، والمنتظرة منه.

إن جملة هذه النشاطات ، الدروس والمقالة ودراسة النص والعروض والاختبارات. قادرة بالقوة على التأثير الايجابي في بنا شخصية المتعلم، إلا ان الذي يحول هذه القوة إلى الفعل هو الأستاذ. لا بأدائه كيفما كان هذا الأداء ، إنما بالكيفية المطلوبة التي يتم بها هذا الأداء. إذ أنّ الأستاذ الواحد انطلاقا من البرنامج الواحد يمكن أن يساعد على بناء الشخصية، كما يمكن أن يساهم في هدمها وردمها. و السبب يعود إلى الطريقة التي يتعامل بها. أي إلى التعليمية التي وعاها وطبقها.

خـــا تــمــــة :
إن تعليمية النشاطات السالفة الذكر هي عبارة عن روافد تصب في نهر واحد يشرب منه التلميذ في التعليم الثانوي وليكون شراب هذا النهر عذبا لا بد من تعليمية تعمل على تصفية مائه وتقطيره ليتوافق مستوى الطالب الإدراكي وخصائص نمو عقله ومطالبه.. ومنها معرفة الحقيقة التي يتشوق إليها الإنسان بفطرته ” في التعليم الابتدائي حيث تكون الدراسة عامة ، وفي التعليم المتوسط والثانوي فترقى إلى التخصص المعتدل ومنه إلى التخصص الدقيق في التعليم الجامعي”( ).

وحتى تنجو السلسلة بين مرحلة التعليم الثانوي والتعليم الجامعي من الانفصام الموجود حاليا لابد من إيجاد تعليمية موحدة لدى المعنيين بتدريس الفلسفة وهي التعليمة التي نفتقر إليها اليوم . وان كان هناك شبه اتفاق على الخطوط العريضة لهذه التعليمة أو المنهجية. لكنه غير محترم من قبل الجميع ، يتمثل هذا الاتفاق في البناء العام لتناول القضايا الفلسفية … حيث نبدأ العملية بضبط التصور وبتعبير منطقي: تحديد مجال القول في مقدمة النشاط ثم مرحلة البرهنة عند تناول الموضوع بالتحليل وأخيرا الاستنتاج الذي يكون في الخاتمة. فالمطلوب على الأقل احترام هذه الخطوات والاجتهاد فيها يوما بعد يوم كما هو حادث . إن الاتفاق على هذا العمل هو السبيل المنقذ من عقم أسلوب العرض والإلقاء الذي أصيبت به مادة الفلسفة والذي يطمس الفكر وان كان يحشو المفكرة بزبد سيذهب جفاء لا محالة.

إن هذه المهمة الدقيقة المتمثلة في توحيد تعليمية المادة لا بد أن تكون محل اهتمام من قبل فرسان التكوين عند نزولهم إلى ميدان التدريب الذي يتوقف على نشاطه مصير أبنائنا وبناتنا ، وطننا وأمّتنا … والإنسانيّة جمعاء …

الـمـرا جــع :
1- تدريس المواد الفلسفية في التعليم الثانوي تأليف سماح رافع محمد
2- تعليمية المواد التعلمية – العدد 10- 1997 إصدار المركز الوطني للوثائق التربوية.
3- Larousse: étymologique .1997
4- Petit Larousse en couleur . 1980
5- موسوعة علم النفس- إعداد د. اسعد رزوق
6- qui a peut de la philosophie. G. RE.PH
(groupe de recherche de la philosophie).