الرئيسية / ملف العدد / تعلم التفلسف

تعلم التفلسف

كان هذا الموضوع مطروحا للنقاش في مائدة مستديرة، جمعت:
– ج. لوشا، عميد المفتشية العامة للفلسفة،
– ج.ل. دوبان، أستاذ بثانوية “رونوار ” بكاين سورمير،
– ب. هافشميت، منشط فوج “التعليمية في مادة الفلسفة”، البعثة الأكاديمية لتكوين موظفي التربية الوطنية التابعة لبلدة بوسانسو ن، الكاتب المساعد للفرع الجهوي لجمعية أساتذة مادة الفلسفة،
– ب. ميريو، أستاذ في علوم التربية بجامعة ليون 2، صاحب العديد من المؤلفات التربوية، أهمها ” التعلم…نعم، ولكن كيف؟” (باريس، دار النشر الاجتماعي الفرنسي ESF 1988)

م. طوزي – في “المثلث البيداغوجي” الشامل لعناصر المعرفة والتلميذ والمعلم، حولّت الثورة الكوبرنيكية، التي شهدها فعل “التعلم”، موضوع التفكير حيث أصبح ينصّب على المسعى الذي ينتهجه المتعلّم بعدما كان ينصّب على التعليم المقدم من طرف المدرّس. ما الذي يمكن قوله –والحال هذه- عن عمليات التعلّم لدى تلميذ يدرس الفلسفة تحديدا؟

ج. لوشا – ليس من المؤكد أن ترتبط الفلسفة في مدلولها بعملية التعلم، أو الأحرى بفعل التعلم الذي ينبغي تفضيل استخدامه في هذا المقام لأنه يحيلنا إلى فعل من أفعال الإدراك وليس إلى نوع من التركيب أو الآلية التي يوحي بها المصطلح الأول، وإن كنا نؤكد أن المرء لا يتعلم الفلسفة أو فلسفة ما، بأتم معنى الكلمة إذا كنا نقصد بذلك اكتساب معرفة يمكن، بكل بساطة، إلقاؤها أو نقلها باسترجاع البرهنة التي تستند إليها فضلا عن تراكيبها وتسلسلها. إن المعرفة الفلسفية ليست معرفة تتعلق بالأشياء أو الأحداث أو التاريخ بل هي معرفة منطقية بحتة، أي أنها تجد مصدرها في العقل، بحيث يحق لها ألا تسلم بأن أمرا صحيحا إلا إذا تأكد لها ذلك، دون قيد.

ج.ل. دوبان – المدرج التدريجي لعملية التعلّم

أولا: مدرج التجريد. إن الانتقال من الصورة (مقرر تلاميذ السنة الأولى ثانوي أو الثانية ثانوي) إلى الفكرة هو بمثابة تطهير، أو الأحرى الانتقال من الحواس إلى الصور ومن الصور إلى الأفكار. إن التأمل الميتافيزيقي الأول هو مدخل جيد لا سيما وأن الأفكار ذاتها يكتنفها الشك.

ثانيا: مدرج اللغة. إنها أقدم حجة يستعملها الناس ضد الفلسفة.لماذا هذه السفسطة؟ “أي لغة يتكلم هؤلاء؟” ردا عن تساؤلات التلاميذ هذه، أجيب أن لكل علم اصطلاحاته ورموزه. للتدليل، أطلب منهم إقامة مقارنة بين نص لكانط ونص لبرغسون أو نيتش حيث تعتبر اللغة المستعملة من قبل الأخيرين أكثر جاذبية وأكثر بساطة في الظاهر. ولكن سرعان ما يلاحظ التلاميذ أنهم لا يستطيعون الإلمام بذلك الإطناب والتكرار اللامتناهي وإن كانا ليسحرانهم فيصبح أسلوب كانط الجاف أكثر تقبلا لدقته.

ثالثا: مدرج الصمت. ينتمي تلاميذ الثانوي إلى جيل مكبرات الصوت والسمّاعات والدراجات النارية. وقد عرض على تلاميذي من القسم النهائي (شعبة آداب) الموضوع التالي في الدورة الأخيرة (مدينة نيس الفرنسية) : “ألا يقول الصمت شيئا؟” لم يعد للصمت محل من الإعراب في مجتمعنا هذا حتى في الكنائس. ما دفعني إلى القول متحدثا مع تلاميذي مبتسما، سأعتكف في دير سانت هونورات بليرينس ( بلدة بفرنسا) حتى يتسنى لي التفلسف. وإن أقول ذلك فأنا أؤكد مرة أخرى على عمق الصمت أثناء التأملات الميتافيزيقية.

رابعا: مدرج الحوار والسؤال. بعد ديكارت وأفلاطون وهيدغار، أصبح إيقاع الصمت، الحوار والسؤال. إن عيب تلاميذنا هو أنهم لا يسمعون إلى بعضهم البعض فعندما يلقي أحدهم سؤالا، البقية تثرثر. وثمة أمرا مخاتل أكثر من هذا، ويتمثل ذلك في أن سؤال التلميذ عمودي أي أنه موجّه إلى المدرّس ويتطلب جوابا فوريا وجازما وهي أمور ينبغي تغييرها. فمن المفروض أن يكون السؤال أفقيا أيضا، حيث ينبغي أن يثير اهتمام كل القسم ولا بأس بعد ذلك إن أحدث شجارا ( ألم يكن هركليت يعلم فلسفة الحرب لتلاميذه وأتباعه، مؤكدا لهم أن “الحرب هي أصل جميع الأشياء في الحياة…)

ب. هافشميت ـ الواقع، أن التلاميذ يوظّفون، قبل كل شيء، ذاكرتهم لحفظ المراجع ومقولات المؤلفين دون أن يدركوا حتى قيمة البراهين والحجج التي استند إليها هؤلاء و قدر فكرهم. والأمر كذلك بالنسبة للفروض، حيث يكتسب التلاميذ تقنيات بفضل مهارات يجهلون حتى غايتها. الأمر يتعلق ها هنا بما نظن أننا نلاحظ (أو الأحرى ما نطلب من التلاميذ أن يقدموه في الفروض) وليس بما نضعه كمقياس.
بلا مجال للمنازعة، فعلا، يفترض في التلميذ الذي يدرس الفلسفة أن يمرّن وينمي قدرات النقد المنطقي لديه والصرامة في بناء الحجج. وهناك من يضيف إلى هذا، قدرات الابتكار والتصور المبدع. ربما يتطلب كل هذا، ترك الثقافة الفلسفية على الأقل في أفقر صورتها البيداغوجية، ذلك لأن هذه الثقافة تعرض منطقا ليس في متناول التلاميذ مما يدفعهم إلى الاعتقاد أن الفلسفة تظل حصنا منيعا لا تطاله قدراتهم النقدية فيلجأون إلى رفض الفلسفة أو تعلمها باعتبارها معارف تم التعرف عليها بالكشف أو الاعتصام باكتساب فن السفسطة.

ب. ميريو ـ من الطبيعي ألا يشعر التلاميذ بالارتياح حيال مطلب فلسفي يبدو معاكسا لكل الفضاء الإعلامي. إننا نتفهم أمر هؤلاء، فلا عجب أن يحاول التلاميذ التشبث بنماذج مدرسية رافقتهم إلى حد اليوم ، خاصة وأن الجميع يدفعهم إلى تبني هذا الموقف المنقص لقيمة الفلسفة، بدءا من المؤسسة المدرسية من خلال نظام التقييم الذي تستند إليه مرورا بمن ينشر مصنفات الأقوال المأثورة والدلائل التطبيقية وصولا إلى المدرسين أنفسهم حينما يلجأون إلى تاريخ الفلسفة حتى لا يطرحون الأسئلة حو ل فلسفة التاريخ. والحال هذه، يعمد التلاميذ، أو على الأقل أغلبهم ، إلى اكتساب بعض المعارف والمهارات التي تمكّنهم من حفظ ماء الوجه في الامتحان، وهو الأمر الذي يأسف له أساتذة الفلسفة، ويحق لهم ذلك…ولكن ألا يساهم هؤلاء، دون أن يشعروا، في حالة الضياع هذه؟ ذلك لأن التعليم الفلسفي، بالرغم مما يجزم به والتصوّرات التي يتمثّلها تلاميذ الصف الأول ثانوي عنه، لا يحدث –في أغلب الأوقات- أي قطيعة مع أنواع التعليم الأخرى إذ يطبعه نفس الخطاب الحازم مع التناوب المعتاد بين العرض والنقاش، الإحالة ذاتها للتعلمات القاعدية (تحرير المقالات مثلا) إلى ” العمل المنزلي”. إن أكثر ما يشد انتباهي، حينما أتحدث مع التلاميذ الذين أكملوا دراستهم بالصف النهائي، هو خيبة أملهم حيال الفلسفة. بالطبع، ينبغي أخذ الأمور بالنسبية التي تقتضيها إذ أن الفلسفة ليست لعبة، فهي تتطلب العناء والثبات. بالتأكيد، يفترض فينا تجنب الغوغائية التي تتمثل في تلبية تطلعات التلاميذ بشكل آلي، لأن القيام بذلك يناقض تماما مبادئ الفلسفة… ومع ذلك، لا يمكننا ألا نطرح سؤالا بالأهمية بمكان: على النحو الذي هو عليه، هل يعتبر تعليم الفلسفة مطابق للغايات المرجوة منه؟ أيوجد سؤال له بعد فلسفي أكثر من هذا السؤال؟

بالفعل، إذا كنا نعرّف الفلسفة على أنها عملية مزدوجة، الأولى تصوّرية والثانية نقدية أو الأحرى، على أنها عملية ذهنية من خلالها تتم بلورة المعنى المجرد للأشياء بتوظيف الحس النقدي، حينذاك، ينبغي التساؤل حول نوع الأهداف الكفيلة بتجسيد هذه الغايات فضلا عن نوع الأجهزة التي من شأنها تيسير تحققها. عندئذ، يمكننا التحدث عن العمليات الذهنية و وضعيات التعلم ، والسعي نحو تصوّر وضعيات نستطيع من خلالها تكوين التلاميذ للاضطلاع بالعمليات المستهدفة: طرح الإشكالية، التدليل، التوضيح، طرح تصورات، النقد…إنها بعض المهارات- من بين أخرى – التي ينبغي تكوين التلاميذ لاكتسابها والتي تقتضي تصور وضعيات خاصة لتلقينها. هذا لا يعني البتة الاستغناء على المحاضرة، شريطة أن تسمح باكتساب – على غرار وضعيات أخرى- مهارات على نحو: إعادة بناء النص، النقاش الجماعي لمسألة ما، تحليل الإيديولوجية الضمنية للخطابات الإشهارية، التحقيق الميداني، البحث الوثائقي ، لعبة الأدوار، مجموعة التعلّمات…ومع ذلك، من غير المسموح أن نتخلى عن تلقين المعارف وإيهام التلاميذ أن بإمكانهم استنباط كل شيء من العدم ونحن نعلم – منذ مدة طويلة- أن المعارف المقدمة لا يتم استيعابها إلا إذا استطاع التلميذ، بفضلها، الإجابة عن سؤال ما، وإن كان الأستاذ هو من أثار هذا السؤال. إذا لم نعمد إلى وضع تلاميذنا في وضعيات مشكلة، سنعمل على تخصيص المعارف المقدمة لولائك التلاميذ – وهم قلة- الذين سبق لهم وأن تساءلوا بشأن ذات المسألة.

م. طوزي ـ ترمي ” الأهداف والتقييم” في البيداغوجية الحديثة إلى جعل فعل التعليم والتعلم أكثر ترشيدا ووظيفية. عندما نتحدث عن فعل التعلّم، ما هي الأهداف التي يمكن تحقيقها في إطار عملية التعلم بالنسبة لتلميذ يدرس الفلسفة، وكيف له أن يتحقق من بلوغها؟

ج. لوشا ـ يترتب على ما أسلفت أن التعليم الفلسفي لا يقبل، دون فحص مسبق، قواعد ومفاهيم وتصورات البيداغوجيا بالأهداف التي تستلهم من فكرة السلوك والشيء الملاحظ. إن التمارين المدرسية، بخاصة المقالة، لا يمكن تقييمها بالاعتماد على معايير لا ترتبط بالمضمون والمنهج، فهما عنصران لا يمكن فصلهما في الفلسفة. لنضرب مثلا عن ذلك: قد تكون مقالة ما ممتازة من الناحية التقنية البحتة ولكنها ليست فلسفية على الإطلاق، والعكس بالعكس، قد تكون مقالة ما تفتقر إلى أدنى متطلبات التحرير ولكنها مع ذلك تعكس فكر نيّر وبصيرة واعدة، وهو ما يعرفه جيدا أساتذة الفلسفة، ألائك الذين يدرّسون المادة أو حتى مصحّحو أوراق الامتحان أو المسابقة.

ب. ميريو ـ إننا نعي جيدا مخاطر حصر الفلسفة في حلقة فنية ضيقة. إن المقال الفلسفي الجيد هو غير ذاك المقال الذي يحترم فيه صاحبه سلسلة من المعايير الشكلية (وجود مقدمة وخطة وفقرات للانتقال من فكرة إلى أخرى و أمثلة و عدم وجود تأكيدات غير مبررة…). لكن “الإضافة” التي تميّز العمل الجيد عن غيره، هي تحديدا الفلسفة، فإذا أردنا أن نلقنها إلى تلاميذنا فمن الضروري أن نعرفها فإذا ما اعتبرنا الفلسفة شيء لا يعبر عنه، ألسنا بذلك نجازف بأن يصبح القسم فضاء تتجسد فيه سلسلة من المشاركات الثقافية أو العاطفية بل وأن يقودنا الأمر إلى عدم التمييز بين التقييم و تحقيق الذاتية؟ في نظري، تتمثل هذه “الإضافة” في “التجريد”، أي بناء مفاهيم تمكّننا من فهم الواقع، التجريد الذي يخلّصني من فورية ” الأشياء” فيمكّنني من التحكم فيها. وإذ هي على هذا النحو، يمكن للتجريد أن يحلل لنكتشف في طياته العمليات الذهنية التي تكوّنه (وهو ما يحاول ب. بارث تبيانه في مؤلفه “تعلم التجريد”). حينذاك، لا نتحدث عن معايير (بالإشارة إلى سلوكيات يمكن ملاحظتها واعتبارها الأهداف العملية المراد بلوغها) ولكن عن مؤشرات (تسمح لنا بطرح فرضية حول العملية الذهنية المطلوبة باعتبارها الهدف الحقيقي). في اعتقادي، إذا كانت الفلسفة تتوخى الحذر من الأهداف، ذلك لأنها تعتبرها ميّالة أكثر إلى البعد السلوكي الذي أكل عليه الدهر وشرب وحلت مكانه المقاربة العقلية.

ج. ل. دوبان ـ فضلا عن نيل شهادة البكالوريا، عمّا يبحث الطالب ؟ العثور على المؤلف أو الإنسان (كما قد يحلو لباسكال القول) الذي بوسعه الإجابة على السؤال أو الأسئلة التي ظلت تراوده منذ فترة، أو حتى تلك الأسئلة التي كان دوما يطرحها. لوكريس / أبيقور، القديس أغسطين / أرطنسييوس دي شيشرون. ينبغي أن نكون متواضعين إلى حد بعيد، فلا يمكننا إلا أن نهيئ الظروف المواتية حتى يتم هذا اللقاء. قد لا تعطي سنة من دراسة الفلسفة ثمارا ولكنها قد تنتش سنوات من بعد. إنها مسألة نضج. كثيرون هم زملاؤنا الذين يشعرون بالإحباط لأن نظرتهم للأمور قصيرة، لا تمتد لأكثر من بضعة شهور.

ب. نوفشميت ـ الواقع أن أهداف التعلم لدى التلاميذ مختلفة كثيرا عن تلك التي نتوخاها نحن:
– فالتلاميذ يريدون، قبل كل شيء، النجاح في تحرير المقالات للحصول على علامة جيدة في البكالوريا،
– وعندما يتركون الجانب النفعي للأمر، فهم يأملون، على الأقل في بداية السنة، في أن تكون هناك مناظرات ومناقشات ( تعلّمات؟)، موقف سرعان ما نحده، حرصا منّا على تجاوز الرأي المعترف به ( القدر الأدنى من المعارف التي يتم اكتسابها بفضل التعليم الذي نقدمه، تعليم لحسن الحظ، معمم) وإن كنّا نوجهه أكثر نحو المعرفة المؤسساتية، التي تتجاوز الحس النقدي لديهم (مؤلفون)، منه نحو بناء خطاب نقدي وعقلي، يكون من صنعهم هم.
– وأخيرا، كثيرا ما يتطلع التلاميذ إلى اكتساب معارف – على الأقل في جزء منها – لا علاقة لها بالامتحان، يلقنها الأستاذ على نحو قطعي. وغالبا ما تتعلق هذه المعارف بمسائل تهمهم مباشرة وحسب: اللاشعور، الأهواء، الديانات،…في هذه الحالة، يتطلع التلاميذ إلى اكتساب ما يحتاجونه إيديولوجيا، من معارف، أو الأحرى من إثباتات يجسدها المؤلف في كتاباته. كل ذلك يمكّننا من فهم كم هو من اليسير تحويل التعليم الذي نقدمه بخصوص هذه المواضيع إلى تعليم مذهبي.

رغم ذلك، تجدر الملاحظة إلى أن هذا قد يشكّل مسلكا للاضطلاع بنشاط فلسفي فعلي يتمثل في التحليل النقدي، العلومي على وجه الخصوص، لإحدى هذه المذاهب: التحليل النفسي والمادية التاريخية. بيد أن مثل هذا التحليل يتطلب الوقت فتقتصر معالجة البرنامج على مفهوم أو مفهومين ليس إلا.

الواقع، أن أهداف التعلم تكون بقدر وسائلها : تنمية الفكر النقدي والعقلي بأمل تنمية اللاإمتثالية الفكرية والأدبية، الاستقلالية، حرية التفكير…إذ هي من صميم حقوق الإنسان وقد تم التطرق إليها في تعليمات 1925.

في الحق والواقع، يعيش التقييم أزمة، وما زاد الطين بلة هو تجاهل الهيأة المؤسساتية لأساتذة الفلسفة هذه الأزمة بصورة نظامية. الحق كل الحق هو أنه من الصعب تقييم القدرة على التفكير المنطقي إذ يتعذر كلية تبيان هذه القدرات لدى بعض التلاميذ الذين لا يمتلكون القدرات الكافية للتعبير،كتابة، عن أفكارهم بينما تجد آخرين يتقنون السفسطة ولكنهم يحاذون الصواب. فضلا عن هذا وذاك، نحن نعتبر المراجع والمقولات، عند التصحيح، على أنها وجه من أوجه التفكير والتدليل دون أن نعلم، في العادة، إذا كانت عصارة تدليل أو مجرد أقوال لم يتم استيعابها بل حفظها وإدراجها في صلب المقالة الفلسفية بفضل مهارة غير استبطانية. علاوة على ذلك، فأن ذكر المراجع والاستشهاد بمقولات لا يثمن التدليل الذي لا يستند إلى مرجع محدد ( الذي نعتبره سطحي مقارنة بالاستشهاد المرجعي).

في الواقع، يختلف سند التقييم لدى الأساتذة: خلف مطلب مشترك ظاهري يتمثل في ثراء التدليل، نستشف في الواقع، متطلبات تتعلق بالثقافة الفلسفية لدى البعض وبصرامة التدليل والعرض لدى البعض الآخر و بالتفكير والقدرة على الإبداع الفكري لدى الفوج الأخير منهم. إن التلميذ المتفوق في دراسته بإمكانه تلبية هذه المتطلبات الثلاثة لكن التلميذ المتوسط الذي ليس بوسعه العمل على المستويات الثلاث بل على مستوى واحد فقط، سيجد نفسه أمام أمرين، إما أن يثمّن عمله أو أن يرفض بحسب المصحح.

م. طوزي ـ رغم الانسجام النسبي الذي تتمتع به شريحة تلاميذ النهائي بفضل الانتقاء المدرسي، يبقى التنوع كبيرا في أوساط التلاميذ بحسب الشعبة والأفراد من حيث المستوى الاجتماعي والثقافي ومدى التحكم في اللغة والمفاهيم والملكات الإدراكية…والحال هذه، أهو من المستحب والممكن، ونحن أمام تعليم فلسفي جموعي، أن ننوّع التعليم المقدم في مادة الفلسفة بحسب تنوع التلاميذ؟

ج. لوشا ـ إن التعليم الفلسفي بات يقدم إلى جميع تلاميذ الصف النهائي وإن اختلفت الشعب. باعتبار هذا التعليم فلسفي بطبعه، لا يمكنه التنوع دون أن يفقد طبيعته إذا كنا نقصد بالتنوع أن يفقد هذا التعليم، هنا أو هناك، المطلب الفلسفي. بالمقابل، تختلف البرامج ليس في روح ومعنى مضمونها، بل في بعدها بما يتناسب والتوقيت المخصص لكل مسألة التي تطلب الذهاب إلى ما هو أساسي، بطرق وإن كانت مباشرة على الدوام، فقد تكون مختصرة أو طويلة. ليس من المحذور، البتة، على أستاذ الفلسفة، بل من اللازم عليه، نوعا ما، أن يرسخ ويتحقّق من الثقافة العلمية وقواعد اللغة أو مفرداتها لدى التلاميذ بحسب مستواهم الدراسي ولاسيما بقدر تحكمهم في اللغة، فهو إذ يقوم بذلك إنّما يضطلع فعلا بدوره كأستاذ، حتى يعلم التلاميذ عمّا يتحدثون ويستوعبون ما يقرأون ويعون ما يكتبون. ليس هناك ما يمنع الأستاذ أيضا أن يطلّع على ما يتعلمه تلاميذ قسمه من المواد التعليمية الأخرى أو ما يقومون به في الورشات حتى يختار من الأمثلة أو التحاليل ما لا تتنافى دراسته وممارسته مع الفلسفة.

والحال هذه، لا يمكننا التحدث عن تعليم فلسفي ” بالجملة” إذا كنا نعني بذلك تعليما يتخلى عن المطلب الفلسفي حيال عدد متزايد من التلاميذ الذين لا يقدرون على استيعابه. من الأهمية بمكان و من واجب أستاذ الفلسفة أن يرفض فكرة تعليم فلسفي “بالجملة”، تعليم قد تتصوره مدرسة لا تكترث كثيرا بمنح جميع الثانويين تعليما في الفلسفة همها الوحيد في ذلك الوحدة العضوية لدراسات منظمة.

أ. هافشميت إن مسألة اختلاف تعليم الفلسفة بحسب التلاميذ غير منفصلة عن طبيعة الخطاب المطروح للتفكير.
الواقع أن المراجع الفلسفية ليست في متناول جميع التلاميذ ما عدا (ربما) ثلة قليلة منهم. في حين لدى بعض التلاميذ قدرة كبيرة على التكيف (الاستقبال السلبي) مع هذه الخطابات (ويمثل هؤلاء التلاميذ الصنف الأول من ” التلاميذ النجباء”). كما يمكن، بفضل الأستاذ، تبسيط هذه الخطابات نوعا ما، مما يسمح لبعض التلاميذ (الصنف الثاني من التلاميذ ” النجباء”) التحكّم، بشكل نقدي، في جزء من البراهين التي يقدمها الفلاسفة.
وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن هذه ” الملكة” التي تسمح بتبسيط الخطابات هي – بما لا يدعو إلى الشك – التي تمكننا من إنقاذ كل القسم أو المساهمة في ضياعه أو انقسامه، في الوقت الذي كثيرا ما نرفض فيه كل نشاط يعمل على تبسيط الفكر الفلسفي (رفض المؤلفين المعمّمين أو الذين ينعتون بالمؤلفين الصغار، رفض فكرة التعليم الإعدادي في الفلسفة، رفض فكرة مستويات التفكير الفلسفي ).

حقيقة، يبدو من الممكن التدرج المستمر في التفكير النقدي لنص ما (أو مفهوم) يكون من اليسير استيعابه وفهمه في المستوى الأول للنقد وهو ما يسمح به عدد قليل من النصوص الفلسفية ( إذا ما استثنينا النصوص التعميمية بما فيها النصوص التي تبسّط المفاهيم صعبة المأخذ، عند الفلاسفة أنفسهم: مقال في المنهج، مقال برغسون: الوقائع المباشرة للوجدان)، التي تظل صعبة المنال، وهي حال تقريبا كل المؤلفات العظيمة التي تحمل في طياتها تفنيدات فلسفية. وهكذا، يمكن التوسّع في التحليل النقدي لنص ما (أو مفهوم) شيء فشيء إلى أن يصبح من العسير على عدد معتبر من تلاميذ القسم (حسب تقدير الأستاذ) مواصلة التحليل. حينذاك، ينبغي عدم مواصلة التفكير حول النص ذاته بل اقتراح موضوعا جديدا ليكون محل تفكير وذلك أيا كان المستوى وحتى على حساب المعرفة واحترام المذاهب الفلسفية.

بات من الملح محورة الفلسفة، من جديد، في إطار مسعى عقلي ونقدي بغض النظر عن كل مضمون فلسفي (أو على الأقل في إطار مسعى تبسيطي للمضمون) وجعل معرفة المؤلفين الفلاسفة ثانوية.
من هذا المنظور، يبدو أن التعليم الفلسفي هو أقل الأمور تأثرا بمشكلة عدم تجانس التلاميذ غير أن الأمر مغاير تماما في الواقع (تعبير كتابي، تكييف خطاب صعب المأخذ، تم تحديده إيديولوجيا واجتماعيا).

ب. ميريو ـ أيا كان تجانس القسم، نحن نعلم جيدا أننا لن نعثر داخله على تلميذين يتعلمان بنفس الطريقة، في نفس الوقت، يتأثر كلاهما بنفس المفردات بنفس الترتيب …إن ما نعرفه اليوم، عن الاستراتيجيات الفردية للتعلم، يفرض علينا أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، ليس من باب البحث عن تعليم فردي بحت (وذاك أمر مستحيل) ينبغي تكييفه مع قدرات كل فرد بل من باب الحرص على مساعدة كل واحد على تحديد و ترسيخ الطرق الناجعة بالنسبة إليه.لذلك، يبدو قسم الفلسفة، بالنسبة لي، إحدى الأماكن المميزة للوقوف على ما وراء الإدراك. ينبغي أن يؤدي ذلك بالتلميذ إلى تصور الأمور واكتشاف الدروب التي توصله إلى ذلك. بالتأكيد، يتطلب ذلك بعض الوقت ومجموعة من الأدوات، ولكن الأدوات موجودة (وقد اقترحت بعضها في كتابي التعلم…ولكن كيف؟، ص.143 إلى 152)ومن يتجرأ على الزعم أن التفكير حول ” معرفة المعرفة” ليس في المقرر الدراسي؟ هي، على كل حال، كيفية للمفاضلة تفرض وجودها بالنسبة لقسم النهائي حتى يتسنى لنا إيصال، إلى الجامعة أو الحياة المهنية، تلاميذ يتمتعون بشيء من التبصر والاستقلالية.