الرئيسية / ملف العدد / الدرس الفلسفي …… إلى أين ؟

الدرس الفلسفي …… إلى أين ؟


إن المواصفات الايجابية التي تسعى التربية في مناهجنا إلى تحقيقها لدى الفرد تتمثل أساسا في تكوين مواطن له شخصية إيجابيه يساهم في تنمية المجتمع الذي ينتمي إليه ، ويكون فاعلا حقيقيا في تفاعله البناء مع محيطه المحلي والوطني، منفتحا على مكتسبات المجتمع الإنساني عامة. ولاشك ان الدرس الفلسفي أرضية خصبة لتكوين هذه الشخصية ونموها ونضجها ورسوخها إذا تم استغلاله استغلالا تربويا، ففي طبيعة الدرس الفلسفي وفي خصائصه ومنطقه ما يبرز ذلك، علما أنه:
– درس تفكيري، يكسب المتعلم قدرات عقلية، تمكنه من ممارسة أفعال السؤال والشك والحجاج والنقد…، وهي أفعال تؤسس فكر التحليل والتركيب والتقويم والإبداع…
– درس تحديثي، يساهم في تطوير نوعية الثقافة المدرسية، لدى المتعلم ويفتح أمام تكوينه المعرفي مسلك التنوير والعقلاني ، وهما جزء لا يتجزأ من كل حداثة منشودة…
‌- درس منهجي نقدي، ينير الذات في التعامل مع قضايا الواقع ومع الآخرين ومع قضايا العالم المعاصر الذي تتسارع ثقافته ومعلوماته وتتجه إلى الهيمنة على العقول والأفكار…
– درس قيّم ومبادئ تؤسس ثقافة حقوق الإنسان وتنعشها وترسخ التربية عليها تفكيرا وسلوكا، مثل تكوين روح المواطنة والديمقراطية والتسامح والاختلاف وقبول الآخر…

إذن ،هناك علاقة تكامل وارتباط عضوي بين ما يميز درس الفلسفة، من جهة، وبين ما تستهدفه التربية التعليمية من مواصفات في شخصية المتعلم. ضف إلى هذا أن الفلسفة حياة والحياة فلسفة في جدلية لايمكن إنكارها، وهي كونية وشاملة تعني الخاصة من الناس والعامة، ولو استعدنا تاريخها لوجدنا أنها كانت موجهة باستمرار نحو قضايا الوجود التي شغلت الناس قديما ولا زالت تشغلهم ، فالفكر الفلسفي جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان، فالإنسان بدأ يتفلسف منذ أن بدأ يتساءل: لماذا ؟ ومن أين ؟ وإلى أين ؟ وكيف ؟ ومن ثم تناولت الفلسفة قضايا جوهرية متفرقة تشكل همّا إنسانيا، فبحث الفلاسفة في مبادئ الوجود، ولم يقتصر اهتمامهم على الماورائيات فحسب بل عالجوا السياسة والأخلاق والعدالة والحق والقانون…. فما جدوى السياسة والعدالة والأخلاق وغيرها إن لم تحدد مفاهيمها بروح فلسفية واضحة وإن لم توصف وصفا فلسفيا صحيحا ؟ أليست مشكلة المجتمعات اليوم تكمن في افتقارها الى الفلسفة كركيزة لسائر شؤون الوجود ؟ فما من مؤسسة اجتماعية إلا وهي في حاجة ماسة إلى بطانة فلسفية، سواء في مجال التشريع أو نظام الحكم أو الدين أو الأسرة أو الصناعة أو المهنة أو التربية، أليست الأنظمة التربوية تسير بمقتضى الأفكار الفلسفية التي يؤمن بها المجتمع حول ما يجب أن يتعلمه التلاميذ؟ ولأي غرض يتعلمون؟ وهاهي الأنظمة الديمقراطية تؤكد على ضرورة تعليم الإنسان كيف يفكر، وكيف يختار بنفسه ما ينفعه. وهكذا، فالقيم والمهارات التي يعلمها النظام التربوي إنما تعبر عن الأفكار الفلسفية التي يؤمن بها المجتمع حول ما يعتبره هو الأهم والأصلح.

صحيح أن بعض المواد- العلمية منها على وجه الخصوص- تحمل فائدتها في ذاتها باعتبارها ذات قيمة مفيدة يؤيد نجاعتها الرأي العام والخالص. ولكن لا أحد ينكر كذلك أن أهمية الفلسفة لا تلتمس في مادتها وإنما في تنمية العادات الفكرية و الملكات الذهنية المرتبطة بطرق تحليل المعلومة ونقدها والكشف عن مختلف علاقاتها ومستويات تكونها؛ لذلك اعتبرت المعرفة الفلسفية كذريعة للتفكير وليست لغاية التحصيل، فمادة الفلسفة تستحضر في الميدان التربوي كوسيلة لمقاصد تتجاوزها، تتمثل أساسا في تحسين مختلف القدرات الذهنية: قدرة التلميذ على الفهم، قدرته على التقويم، والمراجعة النقدية، قدرته على تنظيم أفكاره و لمّ شتات معارفه، قدرته على التحليل والتركيب، قدرته على البرهنة بالاستنتاج أو بإرجاع النتائج إلى مبرهنات، قدرته على توظيف المفاهيم أو خلقها، قدرته على التمييز بين طرق الإقناع وأنواع الخطابات …. وهي حقائق على مدرس الفلسفة عدم إهماله في دروسه؛ فإذا كان المدرس يهمل مثل هذه الحقائق و يوظف درسه و طاقته لخدمة مادة فلسفية متشعبة متناقصة أو يرغم التلاميذ بطرق وأساليب مختلفة على أن يأخذوا برأي دون رأي ، ويقنعوا بفكرة دون أخرى و يناصروا قضية و يبطلوا القضية النقيضة، ويلزمهم بأن ينظروا إلى المسائل من وجهة نظر معيّنة ويهملوا الأوجه الأخرى، فإنه بهذا العمل يضع نفسه في مواجهة مع التلاميذ، لأنه لا شيء يقنعهم بأن هذه البضاعة المختلطة، عسيرة الهضم، وصعبة التوظيف … ذات فائدة ويمكن أن تحل محل ما لديهم من أفكار ومعتقدات وأراء وأحكام مسبقة تجد مرتكزها في المجتمع ويؤيد نجاعتها الجميع، وهو ما يساعد على عزوف التلاميد من المادة وعدم الاقبال على تعلمها إلا للضرورة ، ضرورة الحصول على نقطة النجاح .

عزوف التلميذ:
ورغم اهمية الفلسفة التي أشرنا إليها باقتضاب نجد وضعها داخل مؤسساتنا غير مريح، فالعديد من التلاميذ يعلنون بكل بساطة أن مادة الفلسفة لا تصلح لشيء، و أنهم لا يفهمون منها شيئا. وها هو أحد التلاميذ يكتفي بالإجابة في أحد الاختبارات في شعبة الفلسفة بكتابة هذه الفقرات( إن المتعة في برامجكم التعليمية، ندخل مع كل درس داخل كهوف رمادية يكسوها الغبار، جدرانها مكسوة بأنسجة عناكب رهيبة و مقرفة ، نسمع صدى أصوات قادمة من وراء خط الزمن، صادرة عن هياكل عظمية تآكلت رؤوسها ونقشت أطرافها، نقرأ نقوشا حجرية بلغة لا نفهمها بل ولا نراها. هناك لا نجد مرايا نرى فيها أنفسنا، نحاول إصدار صوت فلا نتذكر لغتنا، بل لا نستطيع حتى فتح أفواهنا، وإن أردنا أن نكتب فإن أيدينا مشلولة عما نريد كتابته وكأننا أطفال يجهلون الأبجدية، فيأتي شخص آخر من غير زماننا ليمسك ويخط بأقلامنا أشياء وأشكال لسنا نعرف معانيها وليس تعرف معانينا. هناك نخضع لغير إرادتنا، نسمع غير أصواتنا، نتكلم غير لغتنا…لذلك فمن يدخل الكهف ،عفوا.. الدرس، يكون لاشيء بل ولا يكون، فلم تطلبون منا أن نتكلم ونحن أصنام…)

لا شك ان هذا يعبر بكل تأكيد عن الحالة التي يعيشها أبناؤنا داخل الاقسام في مادة الفلسفة. بعضها بسبب المحتويات الغريبة عنهم والبعض الآخر بسبب الكيفيات التي تعالج بها تلك المحتويات، والبعض بسبب آخر.. وهذه الأزمة التي يمر بها التلاميذ أمام مادة الفلسفة انعكست سلباً على مستوى تعليم الفلسفة وعلى وضعية درس الفلسفة من حيث الأهداف والمضمون، فدرس الفلسفة أحدث مشكلا على المستوى البيداغوجي ولاسيما بالنسبة للتلميذ الذي يصاب بخيبة الأمل لعدم قدرته في نهاية المطاف على اكتساب معلومات ثابتة يعتمدها بكل ثقة كما هو الحال في المواد العلمية القائمة على التجربة والبرهان، وخاصة عند الامتحان. فالقسم بالنسبة للتلميذ يصبح وكأنه عوالم مفقودة مع درس الفلسفة، بدل أن يكون خلية نحل يعيش ويتعامل مع الواقع . أو ليست الفلسفة في جوهرها حوار وجدل ونقاش وتدريب وتعليم وطريقة لتوليد المعاني من العقول المتحاورة عبر السخرية والتهكم وعبر الحوار الذي يدور بين المعلم والمتعلم ؟

إن الدرس الفلسفي، الذي نعتقد أحيانا أنه أكثر نجاحا بالمقارنة مع الدروس الأخرى، لا يحقق أهدافه. وهو ما تؤكده النتائج الهزيلة التي يحصل عليها التلاميذ، إذ غالبا ما نصادف أوراقا تعيد إنتاج التعابير المتداولة البسيطة والأيديولوجية السائدة ، أي أن مردودية الدرس الفلسفي لا تعبر عما نطمح إليه، ونتائج التقييم لا تعكس تلك “الوثوقية” العمياء التي يدعي بعضنا حصولها في الفلسفة وفي تدريسها، مما يجعلنا نعترف أن هذه المادة الإنسانية تواجه خطر الأفول والاندثار. ورغم هذا يلزم الإقرار كذلك أن تعليم الفلسفة بمدارسنا من المكاسب التربوية التي لا ينبغي التقليل من أهميتها أو التفريط فيها، بل يلزم الاعتزاز بها، والعمل على الحفاظ عليها، و تطويرها، وابتكار كل الأساليب التي قد تسمح بحضورها القوي في كل مراحل تعليمنا وفي كل التخصصات. علينا أن تساءل عن أسباب التأزم الذي أشرنا إليه والبحث عن العلاج المناسب، فهل هذا التأزم ناتج عن طبيعة الفلسفة أم أنه صادر عن طبيعة فئة التلاميذ الذين تتوجه إليهم ، أم بسببنا نحن المدرسين ؟ هل سبب هذه الأزمة يعود إلى إخفاقنا في نقل الإبداعات الفلسفية أم إلى استحالة ملاءمة هذه الإبداعات لبيئة المتعلمين الثقافية ؟ فمن المسؤول عن موت الفلسفة في درس الفلسفة ؟ ما السبيل إلى تفادي هذا التأزم ؟

لا شك أن ذلك يعود الى عدة عوامل، فالتلاميذ من جهة يجدون أنفسهم أمام محتويات ونصوص فلسفية تطرح أفكارا ورؤى تبدو أمامهم غامضة متناقضة كما عبر عن ذلك التلميذ المذكور آنفا، فبالإضافة إلى ما تسببه لهم من إرهاق ذهني غير مجدي في ﻨظرهم، فإنها تزرع فيهم التذبذب وعدم الوقوف على رأي وتضعف قدرتهم على اتخاذ مواقف إيجابية من النظريات والأفكار من جهة، ومن جهة أخرى يجدون أنفسهم داخل الفصل في مادة الفلسفة غير فاعلين في أغلب الأحيان بسبب الطريقة التي تقدم بها دروس الفلسفة – تلقين وحشو ثم حفظ وإجحاف في التنقيط – وعندئذ يحق لهم أن ينفروا من حصص الفلسفة و يتساءلوا باستنكار ما هي الفلسفة ، وما أهمية دراستها وما هي الفائدة من هذه المادة وتاثيرها على تفكيرهم، حتى وإن كانت صالحة لشيء ما في مكان ما و في زمان ما، و بالتالي فتعلمها ليس إلا مضيعة للوقت في نظرهم ومن تم فغالبيتهم لا يتعامل مع درس الفلسفة إلا تعاملا نفعيا براغماتيا، إذ تظل نقطة الفرض أو الامتحان هي سيدة الموقف في العلاقة بين الثلاثي : تلميذ ، درس الفلسفة ، مدرس ، إنه وضع شاذ صار قاعدة للتعامل مع هذه المادة ومن ثمة فإصلاح وضعية المادة وتأسيس تعلميه فلسفية ناجحة يتطلب عدة اجراءات يتعلق بعضها بمواضيع المادة والبعض الآخر يتعلق بالعلاقة بين الاستاذ / التلميذ ( بيداغوجية تدريسها وطرق التقييم )

اختيارالمحتويات إذا كنا متفقين أن الدرس الفلسفي عبارة عن لغة فلسفية تتميز ببعض المميزات الخاصة كالتجريد والدقة والمعنى الخاص بالفيلسوف، وهي تحمل وأفكارا وأدلة و سياقات ثقافية مختلفة، وهذه اللغة تواجه مشكلة حقيقية في ترجمتها وفي شرحها وتفسيرها، ، فإن هذا يحتم علينا قبل اختيار المواضيع أنان نطرح على أنفسنا مثل هذه الاسئلة :ما الهدف من تدريس الفلسفة اليوم ؟ ماذا نريد منه ؟ هل نريد إكساب التلاميذ مناهج في البحث النظري المجرد؟ هل نريد تدريب التلاميذ على التفلسف الذي يشغل الفكر والعقل ويكسب العقلانية والتعقل، ومهارات الحجاج المنطقي؟ وأي محتوى يلزم وضعه للدرس من أجل تحقيق ما نصبو إليه ؟ ثم كيف السبيل إلى تأصيل الدرس الفلسفي؟ وكيف السبيل إلى تعليم فكر عقلاني تنويري يؤسس للتقدم وسيادة العقلانية ونبذ كل أشكال الدوغمائية، والفقر النظري؟ وكيف السبيل إلى جعل هذا الدرس يساهم في خلق وعي صحيح بالذات وبالغير، ويهيئ إنسان اليوم للغد المنشود؟ ثم ما العمل للحفاظ على هذا المكسب وتطويره؟ تتوقف الإجابة هنا على تحديد دقيق لمهام الدرس الفلسفي وماهيته، وهي بدورها تحتم علينا اختيار محتويات فلسفية قريبة من اهتمامات المتعلمين في الأقسام التي تتناولها ، على أن تكون محتويات تعليمية متكاملة ( أعلام ، نصوص فلسفية ، تاريخ فلسفة، مفاهيم ، إشكالات….) تظهر الخصائص المشتركة التي تطبع النشاط الإنساني في الأزمنة والأمكنة على اختلافها ، فمن خلالها يتمكن المتعلم من معرفة الذات والآخر ويكتشف الحقيقة ويعيش القيم وبذلك تسهم محتويات الدرس الفلسفي وبفعالية وعلى نحو ايجابي ومباشر في تكوين شخصية المتعلم على نحو متكامل ومتوازن وسليم.

طريقة تدريس المادة، وإذا كان لاختيار محتوى الدرس الفلسي هذه الأهمية التي لا ينكرها أحد فهذا لا يعني أن اختيارها وحده كاف لإعطاء هذه المادة مكانتها لذى التلاميذ وتحفيزهم على حضور حصصها لأن الحافز الحقيقي يكمن في كيفية إدارة القسم وتقديم الدروس ، فتقديم الدرس الفلسفي في مدارسنا يعاني جمودا ينفر التلاميذ من الإقبال عليه ولهذا يتطلب الأمر الاهتمام بطريقة تقديم الدرس الفلسفي ، والحديث عن طريقة تقديم الدرس الفلسفي يقودنا للحديث عن علاقة الأستاذ بالتلميذ ، فالفصل عالم صغير يضم جملة من الأفراد تربط بينهم علائق متشابكة ومتقاطعة ، وفي فضاء هذه العلاقات يتشكل الدرس الفلسفي، ولا شك أن لهذه الروابط كبير الأثر على سيره ونسقه ، لذا فإن تأملا للعلاقة الجامعة بين الأستاذ والتلميذ من شأنه أن يثري حضور الفلسفة ويدعمه، لابد من الوعي بدء بضرورة تجاوز النظرة الاستعلائية والتعامل العمودي الذي قد ينتهجه المدرس إزاء تلاميذه معتبرا إياهم مجرد متعلمين أو عقولا خالصة يتلقون جملة من المعارف مطالبين باستيعابها وتمثلها. لابد من اعتبار التلميذ في جانبه الإنساني فهو شخص متميز وكلي، محدد انفعاليا واجتماعيا وثقافيا وبذلك يصبح كل تلميذ بالفصل نموذجا خاصا يتطلب تعاملا ينسجم وخصوصيته الفارقية وهذا ليس في درس الفلسفة فحسب بل في جميع المواد، ومن هذا المنطلق يجدر بمدرس الفلسفة محاولة التعرف على ملامح تلاميذه المعرفية والنفسية ليعدل سلوكه ومعرفته على أساسها وينتج خطابه وفق “الحالة” التي يتوجه إليها بالسؤال أو النقاش فيتعامل مع “الخجول” بشكل يدعم ثقته في ذاته ويشجعه على المشاركة وإبداء الرأي بينما يدفع “المتعالم” إلى مراجعة يقينياته.

وللمناخ السائد في الفصل خلال حصة الدرس كبير الأثر على سيره لذا يحسن أن يتميز بالأريحية والإيجابية وهو أمر يقع على عاتق المدرس الذي عليه أن يتواصل مع تلاميذه إنسانيا مؤكدا على أن ما يجمعه بهم عقد يتواصل لمدة عام كامل لابد أن تتشارك جميع الأطراف في إنجاحه عبر التزام كل طرف بمهامه : المدرس يعلم ويوجه ويربي ويساند ذاتا تتشكل، والتلميذ يتعلم ويتكون وينتج ويتأسس فكرا ووجدانا وسلوكا. فليس من مهام المدرس أن يحشو عقل التلميذ بمادة متغيرة ، ونسبية النتائج كما هو الحال بالنسبة للفلسفة ، أو أن يُـمارس عليه سلطة أدبية و معرفية بغرض إقناعه أو إخضاعه إلى تلقي معلومات ومعارف ظنّية بدون أن يطلعه على آليات نقدها ، أو يمكنه من فرص لتوظيفها. فالفائدة الرئيسية التي يجب على المدرس أن ينشدها لا علاقة لها بالمادة إلا بشكل جانبي و هامشي ، فهي تتمثل أساسا في حمل التلميذ على اتخاذ مواقف حرة وجريئة تستمد مشروعيتها من البرهنة و سلامة الحجة واتساقها مع مبادئ العقل والحس السليم لا من المعارف السابقة و الأحكام البديهية والمسقطة . …. ومن هنا ينبغي للمدرس أن يطرح على نفسه مثل هذه الاسئلة عند تحضير درسه الفلسفي . ولا تفوتنا الاشارة هنا الى أهمية الوسائل في تحفيز التلاميذ على حضور الدرس الفلسفي ، إن ضرورة حضور مادة الفلسفة ينبغي أن يتدعم بوسائل تساهم في تقريب درس الفلسفة من التلميذ وترغيبه فيه، فالوسائل البيداغوجية لغاية التحسيس والترغيب في درس الفلسفة تشد انتباه التلميذ إلى حصة الفلسفة وتجعله منصرفا إلى متابعة الإشكالية المطروحة وتدفعه إلى الانخراط الفعلي في التفكير والإنتاج . فالتلميذ اليوم هو وليد مجتمع المشهد والصورة التي أصبحت طاغية الحضور في جميع مجالات الحياة الواقعية، مما أدى إلى نشأة هذا التلميذ في فضاء لوحات بصرية مشهدية، فارتبطت مقدرته الذهنية بالبصر والألوان والأشكال ، ولذلك فإن درس الفلسفة يمكن أن ينخرط في عالم الصورة ، ومن ثمة في عالم التلميذ فنجلبه بذلك إلى فضاء الفلسفة .

هذه الإمكانية يمكن أن تتحقق إذا ما وقع إدراج وسائل بيداغوجية جديدة تتسم بالحيوية والحركية الهدف منها ليس إقصاء الوسائل التقليدية كالنصوص والصبورة ، بل تدعيمها باعتماد نصوص مرئية وسمعية تستقدم من فضاءات مختلفة فتمنح درس الفلسفة ألوانا جديدة. ومن بين الوسائل البيداغوجية يستطيع المدرس أن ينتهج تدريسا يقوم على أساس تقسيم التلاميذ إلى فرق عمل أو ورشات صغيرة تضطلع كل منها بمهمة محددة ، ولا يقتصر هذا الإجراء على حصص المنهجية فقط بل يعمم على حصص تحليل النصوص وذلك بغاية دفع التلميذ إلى التفكير من ناحية واستثمار قدراته وتفجيرها من ناحية ثانية. إن هذا الإجراء لا يتدعم إلا بمعرفة الأستاذ لخصوصيات تلاميذه المعرفية أساسا. وبهذا نجعل التعليم يحوم حول التلميذ لا المعلم أو البرنامج وحول تمشي التلميذ لا خطاب الأستاذ ، وهو أمر لا يتحقق إلا بمحاولة ضبط الأهداف بالنظر إلى إمكانات التلميذ وقدراته بشكل ييسر له ليس تعلم الفلسفة فحسب ، بل التفلسف بالمعنى الإيجابي الذي نطمح اليه لذى المتعلم .

تكوين المدرس إذا كان هذا هو المنتظر من المدرس في درس الفلسفة ألا يحق لنا أن نتساءل عن تكوين هذا الأستاد؟ هل التكوين الذي يخضع له مدرس الفلسفة بشعبة الفلسفة بالمدرسة العليا للأساتذة والجامعة الجزائرية ملائم لما ننتظره من تدريس الفلسفة بالثانوي ؟ وهل يؤهله هذا التكوين، بالشروط التي يتم بها، لكي يحقق الأهداف من تدريس الفلسفة التي أشرنا لها ؟ ثم ما هي مواصفات هذا المتخرج ؟

من هنا تبرز ضرورة الاهتمام الجدي بالتكوين لكل مقبل على عملية التدريس لأنه المعول عليه بالدرجة الأولى في الحفاظ على مكسب تدريس المادة، وتوسيع الفئات المستهدفة به وتعميمه هو العناية أولا بالمدرس ، نظرا لخطورة المهمة وجسامتها فالشهادات الجامعية وحدها لا تؤهل لممارسة التدريس، فلا بد من تكوين تربوي ديداكتيكي يكسب المكون مؤهلات و مهارات وقدرات للقيام بهذه المهمة باعتبارها ممارسة واعية سليمة تربوية. فما هي مواصفات التكوين الذي يلزم أن يخضع له مدرس الفلسفة ؟ إنها تتمثل في التكوين الذي يكسبه مرونة بيداغوجية وديداكتيكية، ويجعله قادرا على تحويل محصلاته في المعرفة الفلسفية إلى خبرة ومهارات تسعفه في سرعة تحديد الخلل وكيفية معالجته، كما يمكنه من الحصول على مرونة معرفية وبيداغوجية وديداكتيكية تفيده في التعامل مع المتعلم تعاملا تربويا، وبهذا تتحدد ملامح النموذج الأمثل للتكوين ، بتكوينه واستمرار تكوينه تكوينا صلبا متجددا ومحكما، في المعرفة الفلسفية في تنوعها وغناها، في متونها الأصلية وبدون وسائط . وكذا امتلاك وإتقان استعمال آلآليات الديداكتيكية، لتحويلها إلى مادة دراسية ملائمة . وامتلاك ولو بدرجات متفاوتة، المهارات الضرورية لإنجاز درس بالمواصفات التربوية الأساسية التي لن تحصل له حتى ولو قضى نصف عمره في التدريس، أو على الأقل الوعي بما يلزم القيام به كأداة فعالة من أجل تقويم ذاتي مستنير – ما أحوجنا إليه – حتى لا نسقط في الاتباعية أو الاستسلام والاستكانة والرضا المبالغ فيه على النفس، الذي قد يتحول إلى غشاوة وعائق على المثابرة وتطوير الذات لما هو أحسن. إلا أن المعول عليه في كل هذا بعد التكوين الأساسي هو تكوينه الذاتي المتجدد والمستمر. وغاية التكوين في جزئه الأكبر هو جعل المكون يشعر بثقل المسؤولية ونبلها وخطورتها. إن هذا النوع من الوعي ثمين جدا، لأن الواعي بالشيء أفضل بكثير من الجاهل به، وهو الوعي الذي سيجعل المكون يراجع الأنا أو الذات باستمرار، منتقدا اياها أولا باعتبارها محور العملية التعليمية التعلمية، بدل توجيه سهام النقد للآخر ، المتعلم أو للظروف الخارجية كما نجده عند بعض المدرسين . وبهذا يتحول درس الفلسفة دون شك إلى متعة وليس إلى نقمة، وعذاب للمدرس والمتعلم في نفس الوقت.

ونقول في الأخير إن أول خطوة في هذا الباب هي المجاهدة النظرية من خلال الاحتكاك المباشر بالنصوص و التسلح بالجدية والمسؤولية والنظر العلمي الرصين بعيدا عن الخطابات الإيديولوجية المتغيرة المتلونة حسب الزمان والمكان، التي بينت التجربة وتاريخ تدريس مادة الفلسفة أنها قد تصبح عدوا لتدريس الفلسفة إذا لم يتم استعمالها ديداكتيكيا تربويا .

المراجع
أسئلة النهضة العربية : التاريخ، الحداثة، التواصل، عبد اللطيف، كمال، بيروت، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، 2003
أسس الفكر الفلسفي المعاصر، بنعبد العالي، عبد السلام دار توبقال للنشر، ط. 2، 2000
الحداثة و التواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة؛ نموذج هابرماس،، أفاية، محمد نور الدين الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، 1991
الثابت والمتحول؛ بحث في الإتباع والإبداع عند العرب، أدونيس بيروت، دار العودة 1983 مج. 3 صدمة الحداثة
اتجاهات حديثة في تطوير منهج الفلسفة وتدريس الفلسفة للاطفال / سعاد محمد فتحي محمود 2004
تاريخ العلوم و فلسفة التربية العلمية، البغدادي، محمد رضا، القاهرة، دار الفكر العربي، 2003
ثقافة الأذن وثقافة العين، بنعبد العالي، عبد السلام، دار توبقال للنشر، 1995
طرق تدريس المواد وتدريس الفلسفة / محمود أبو زيد ابراهيم وفاطمة طلبة 2000
فلسفة التربية، ربول، أوليفيه، ترجمة عبد الكبير معروفي، مراجعة عبد الجليل ناظم، الدار البيضاء، دار توبقال، 1994
ما الحداثة، لوفافر، هنري، ترجمة كاظم جهاد، بيروت، دار ابن رشد، 1983.
مشاكل تدريس الفلسفة بين تاريخها وكفاياتها اعداد : فادي بدر وڤيرينا الحمصي اشراف: د. سمير زيدان 2007 / 2008
تطوير الدرس الفلسفي من الطريقة التلقينية إلى طريقة التدريس بالنصوص. إعداد الطالبة : هنادي محبوبة والطالب : باسم التّراس إشراف الدكتور:سمير زيدان الجامعة اللبنانية ، بيروت – للعام الدراسي:2008\2009
بعض المصادر الالكترونية :

http://crdp.org/CRDP/all%20curriculum/Philsophy&Civilization/Philosophy%20curriculum%20_ar.htm
http://www.26sep.net/newsweekarticle.php?lng=arabic&sid=28154
http://www.assuaal.com/studies/studies.232.htm