الرئيسية / ملف العدد / التعليمية في تدريس مادة الفلسفة

التعليمية في تدريس مادة الفلسفة

في تطرقنا لتعريف ديداكتيكا الفلسفة وجدناها تشتغل بدراسة السيروات والوضعيات التعليمية، كما تشتغل بالتفكير في مشكلات تدريس هذه المادة. وهنا نحاول مناقشة التساؤلين المعلقين، بتحليل كيفية تلك الدراسة وذلك التفكير.
إن أهم النشاطات التي يزاولها مدرس الفلسفة في قاعة الدرس مع تلاميذه تنحصر في ثلاثة نشاطات هي:
1- الدرس الفلسفي.
2- المقال الفلسفي.
3- دراسة النص الفلسفي.

أ- الدرس الفلسفي:
كيف نجري درسا فلسفيا في قاعة الدرس؟ وكيف نتصور وضعية تعليمية- تعلّمية لدرس الفلسفة؟

إن العملية التعليمية التعلمية للدرس الفلسفي هي علاقة بين المعلم والمتعلمين، يكون موضوع لقائهم هو درس في الفلسفة. لكن يجب أن نميز هنا بين مجموعة من الوضعيات والشروط، إذ توجد اختلافات في المستويات الدراسية، واختلافات في الشعب التي تدرس فيها مادة الفلسفة، أي هناك اختلافات بيت تلميذ مبتدىء في دراسة الفلسفة، كما هو الشأن بالنسبة لتلاميذ السنة الثانية ثانوي في الشعب الأدبية، وتلاميذ السنة الثالثة ثانوي بالنسبة للشعب العلمية، وبين تلاميذ السنة الثالثة بالنسبة للشعب الأدبية، التي سبق لتلاميذها أن درسوا الفلسفة في السنة الثانية ثانوي كما هو الشأن عندنا في الجزائر.

يجب أن نميز وضعيات أخرى بالنسبة للبرامج، فهناك اختلافات في الوضعيات بين المحاور الأولى والمحاور الوسطى والمحاور الأخيرة، وذلك بحسب المواضيع من حيث السهولة أو الصعوبة، ومن حيث البساطة أو التعقيد، وغير ذلك. بل إن الفرق موجود حتى بين مطالب المحور الواحد. كما نسجل اختلافات أخرى بحسب الفرو قات الفردية، أي من حيث السن، والجنس والقدرات، واختلافات بحسب كثافة التلاميذ في القسم الواحد وبحسب التوقيت، هل الحصة الدراسية تقع في الفترة الصباحية أم في الفترة المسائية وفي أي وقت بالتحديد؟.
ومجمل القول إن الوضعيات الديداكتيكية تتأثر بكل هذه العوامل والمتغيرات، وبغيرها.

إن الدرس الفلسفي هو عملية ” تشريح ” لقضية فلسفية، أو لموضوع فلسفي ما انطلاقا من التساؤل والتقصي في جذور الموضوع المطروح، والعمل على تحديد تصوراته تحديدا دقيقا، ومحاولة البرهنة على المواقف الفلسفية، وفي الوقت نفسه محاولة لممارسة النقد اتجاه تلك المواقف، بالاعتماد على أسلوب الشك الفلسفي البناء لمحاولة تأسيس رؤى ومواقف تحاول الاقتراب أكثر من الحقيقة التي يؤيدها المنطق السليم المطابق لمبادىء العقل. وفي هذا، من المنتظر أن نشهد في الدرس الفلسفي حركية فعالة، ومستمرة للفكر داخل القسم، يصاحبها قلق وحيرة في البحث عن الحقيقة، فاعلية ونشاط لا يخلوان من الإبداع.

وإن كان الدرس الفلسفي يشهد حضورا للمعلومات والمعارف الجاهزة كالتعريفات التي وضعها الفلاسفة للمصطلحات ( التصورات الفلسفية ) والأقوال والآراء التي اقترحوها كإجابات لإشكاليات فلسفية وكبراهين وحجج دعموا بها مواقفهم- وإن كان الآمر كذلك- فإن هذه المعلومات لا يقصد بها الحفظ والتخزين، وإنما هي مرجعية يستدل بها التلميذ أو الباحث، عند التعبير لتبرير المواقف والحجج، وإن كان هناك حفظ لهذه المعلومات، فالحفظ هنا ليس غاية في حد ذاته، بل يمكن للذي يمارس التفلسف أن يكتفي بحفظ المعنى- وإن كان الحفظ باللفظ أدق للأمانة العلمية وللابتعاد عن أي تأويل أو تزييف- وبالتالي نلمس خصوصية للفلسفة تتمثل في كونها مادة تستحث الإبداع والتفكير وتدعو إلى التأمل المنتج، وتحفز قدرات العقل في سبيل هذا الإبداع والإنتاج- كما أشرنا سابقا- ذلك لأن الحفظ الآلي قاتل لعملية الإبداع ومفض إلى الآلية، المفضية بدورها إلى التبلّد والجمود الفكري.

ب- المقال الفلسفي
لماذا المقال الفلسفي؟ ماهو؟ ما علاقته بالدرس الفلسفي؟
المقال الفلسفي هو إنتاج فلسفي يقوم به التلميذ مستخدما من خلاله قدراته المختلفة وإمكانياته المتنوعة فهو الأداة التي بواسطتها نستطيع الكشف عن مدى إبداعية متعلم الفلسفة، والتعرف على قدراته وعلى مدى علمه التفكير السليم، من تحليل وتركيب واستنتاج وبرهنة ونقد، كما نسبر من خلاله قدرة التلميذ على التذكر، وسعة خياله وحجم وقيمة معلوماته، وسعة إطلاعه.

ومجمل القول نستطيع أن نعرف من خلال المقال الفلسفي قدرة المتعلم على التفلسف، كيف يستطيع طرح المشكلات وكيف يواجهها لمحاولة معالجتها، وبالتالي كيف يتمثل عناصر الخطاب الفلسفي. إن المقال الفلسفي ليس إعادة أو استحضارا لمعلومات الدرس، لمعلومات محفوظة ومخزنة في الذاكرة، إنما هو استثمار لمضامين الدرس الفلسفي، ولكل المكتسبات القبلية المعرفية والمنهجية، بل واللغوية التي بحوزة المتعلم.

إن الدرس الفلسفي إرهاص للمقال الفلسفي، لأن الأول يمد الثاني بمعلومات متمثلة في المصطلحات الفلسفية والأقوال والنظريات والآراء الفلسفية كما يمده بمنهجية التفلسف وبخصائص الروح الفلسفية.
غير أن المقال الفلسفي له خصوصية تتمثل في كونه إبداعٌا صرفٌا نابعٌا عن شخصية المتفلسف في حد ذاته، مصبوغٌا ومنطبعٌا بأسلوبه، لذا يجب ألا نعثر على مقالين متشابهين، بل من الممكن أن نجد مقالين مختلفين لشخص واحد في فترتين مختلفتين.
وهنا نتساءل هل يحق لمدرس الفلسفة- مثلا- أن يكتب مقالا جاهزا على السبورة ويطلب من تلاميذه كتابته، أو أن يملي عليهم مقالات جاهزة؟
قد يحصل هذا التدريب من خلال نموذج واحد، وقد يتم معالجة عدة مواضيع في القسم جماعيا، بمشاركة جميع التلاميذ. ولكن المحذور هو أن تملى على التلاميذ مقالات جاهزة لتحفظ، وتستظهر أثناء الامتحان، وأن يحفظ التلميذ مقالات جاهزة من ” حوليات ” موجهة خصيصا لمترشحي البكالوريا. إن مثل هذه التصرفات لا يمكن أن نصفها بالعمل الإبداعي، لأن ذلك العمل، والمتمثل في المقالة الفلسفية الجاهزة، قام به شخص وحفظه وكررّه آخرون.
وقد يتجه بعض التلاميذ إلى حفظ المقالات الجاهزة بدافع نفعي- وقد ينجرّ الأستاذ أحيانا وراء ذلك- للحصول على معدل النجاح في امتحان البكالوريا، بأقل التكاليف وبأقل جهد، وخلال أقصر مدة زمنية، ذلك لأن إنجاز مقال فلسفي جيد، يتطلب جهدا غير قليل ووقتا غير قصير. غير أن هذا كله لا يحقق الأهداف والأبعاد المنتظرة من التفلسف ومن دراسة الفلسفة.

ونستنتج بأن المقال الفلسفي يعبر من خلاله المتعلم عن مدى استيعابه للدرس الفلسفي، وهو في الآن نفسه، إحدى أدوات التقويم التربوي في الفلسفة. وهو أيضا هدف من أهداف تدريس الفلسفة ومن تدريس التفلسف. من لا يحسن التعبير الفلسفي لم يدرك بعد فحوى الفلسفة والتفلسف. إن كاتب المقالة الفلسفية ليس بالضرورة فيلسوفا لكنه على الرغم من ذلك مؤهل لأن يكون فيلسوفا. إنه بعبارة أخرى مشروع فيلسوف.
إن المقال الفلسفي كإنتاج صغير، قد يكون بداية لمشروع فلسفي كبير، والفرق الأساسي- على ما يبدو لنا- هو في الاستمرارية، وفي حجم الإنتاج الفلسفي بالنسبة لهذا الأخير. إن المسألة لا تتعلق بالمعنى الذي هو للفلسفة كتخصص، إنما يتعلق الأمر بتلك القضايا والمواضيع التي يتناولها الإنسان بالتفكير والتحليل والنقد وبالتالي يغدو التفلسف منهجية في التفكير. إن الأمر لا يتعلق بالمضامين المعرفية أو الأيديولوجية بقدر ما يتعلق أساسا بطرائق التفكير وأساليب الاستدلال.

ج- النص الفلسفي
ما هو النص الفلسفي؟ ما الفائدة من تناوله في الدرس الفلسفي؟ كيف يتم هذا التناول؟ وما الأبعاد التي يمكن أن يحققها؟
يعتبر التدريس بواسطة النصوص الفلسفية، حاليا، ركنا أساسيا من أركان الدرس الفلسفي. فبينما يتجه هذا الدرس إلى خلق تواصل تفكيري بين المتعلم وخطاب الفلسفة، فإنه يجد في ” النص الفلسفي ” مادة هذا التواصل، ويلفي فيه وسيلة تكفل تحقيق الأنشطة التفكيرية، المعرفية والمنهجية، التي يقصد درس الفلسفة إكسابها للمتعلم. بل إن دراسة النصوص الفلسفية هي الطريقة الغالبة التي ينصح بها المعنيون بتدريس الفلسفة، لأنها أفضل مناسبة لإثارة نشاط المتعلمين وجعلهم أكثر فاعلية يشاركون في سير الدرس ويحققون الهدف من تدريس هذه المادة.

ويرى البعض أن هناك صعوبات ومحاذير في استخدام طريقة النصوص في التدريس منها:
1-تتطلب دراستها وقتا طويلا يأتي على حساب المنهاج المقرر، إلا إذا كانت دراسة النصوص من صلب المنهج وتعدّ واحدة من مفرداته الملزمة.
2-تربك المعلم في البحث عنها وانتقائها إلا إذا كانت قد عينت من قبل واضعي المناهج- عند توافر البند السابق- وأدخلت في الكتاب الدراسي أو ملحق له كجزء أساسي فيه.
3-موقف المتعلمين السلبي من النصوص لأنها تحتاج إلى جهد ومهارة بخاصة إذا كان هؤلاء اعتادوا على تلقي معلومات جاهزة.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات فإنه لا ينبغي تدريس الفلسفة بعيدا عن تناول نصوص أصحابها التي هي بمثابة وسيلة للولوج إلى عقل الفيلسوف والتعرف على طريقته في التفكير التي قادته إلى بناء نظامه المتكامل الراقي الذي يعلم دقة التفكير والتعبير وتسلسل الأفكار وحبكة الكلام وتعليل النتائج وحسن استخدام عمليات التفكير وكلها من الأمور الأساسية التي تلح عليها التربية عامة وأهداف تدريس الفلسفة خاصة.

وهناك جملة من الفوائد في تعامل التلميذ مع النصوص الفلسفية يمكن أن نشير إلى أهمها:
أ‌-يعد النص مناسبة ثمينة يتعلم التلميذ في أثنائها لغة الفلسفة ومصطلحاتها عامة ومصطلحات صاحب النص الذي يقرأ له خاصة.
ب‌-يتعرف التلميذ على فكر الفيلسوف مباشرة دون وسيط، ممّا يبعد ذاتية المدرس واقتحام وجهة نظره وفرض أفكاره.
ج- ثري معلومات التلميذ من خلال النصوص التي يقرأها.
د-تزود التلميذ بمنهجية التفكير السليم التي تسهم في تنظيم تفكيره والتعبير عما يجول به.
ه- تربي التلميذ على حب القراءة وحسن المطالعة وتغريه بالمضي للاستزادة حول ممّا يقرأ.

هكذا يتضح لنا، أن التعامل مع النصوص ليس غاية في ذاته، إنما هو وسيلة لتعلم كفاءات متعددة، إذ بالإضافة إلى ما سبق ذكره، فإن التلميذ يحاول التدرب على ملكة النقد، لهذا يجب عليه ” أن يقرأ النصوص قراءة ناقدة دائما، تتناول فحص اللغة التي كتب بها النص، وفحص مضامينه لأنه لا يمكن فهم النص إلا بتحليله تحليلا لغويا وتحليلا معنويا. فتكون القراءة المطلوبة من الباحث هي القراءة التحليلية التي تتعرف المباني، وتنفذ إلى دلالتها، وتدرك المعاني وتكشف عن علاقاتها ”
إن أول خطوة في التعامل مع النصوص بالنسبة للتلميذ المبتدىء، أو بالنسبة للباحث، هي قراءة النص، فلجودة القراءة أثرها الواضح والبالغ في جودة البحث بل إن القراءة جزء من البحث (…) ولكي يتمكن الباحث من فهم ما يقرأ فهما جيدا، ينبغي له أن يحلل ما يقرأ، لكي يصل إلى الوحدات الفكرية التي يتكون منها النص المقروء، والتي لا تقبل مزيدا من التحليل بالنسبة إلى المعالجة الفلسفية للنص. ذلك أن الباحث عندما يقرأ نصا إنما يريد أن يطلع على رأي صاحب النص في مشكلة معينة تهم الباحث، ولا يمكن أن يقبل منه رأيه إلا إذا كان ثابتا بالحجة، بحيث يجب على الباحث أن يعرفها، لكي يعرف قيمة الرأي الذي انبنى عليها، ولكي يعرف كيف يتعامل معه في بحثه . ولهذا ينبغي للباحث أن يطلب في قراءته للنصوص ثلاثة مطالب أساسية هي بعد الفهم لمضمون النص:
1-ضبط المشكلة.
2-ضبط موقف صاحب النص من المشكلة.
3-ضبط حجة صاحب النص.

الملاحظ عندنا، هو عزوف التلاميذ عن تناول النص الفلسفي، بل والخوف منه واعتبار اختياره في امتحان البكالوريا خاصة ” عملية انتحارية “، نظرا للعلامات المتدنية التي يتحصل عليها من يختار النص في الامتحان. والذي يعود سببه- في اعتقادنا- إلى أن تحليل النص الفلسفي، بالفعل يحتاج إلى تقنيات وإلى إمكانات عالية ومتنوعة أكثر مما تحتاجه المقالة الفلسفية. يحتاج النص إلى تقنيات معرفية ومنهجية وإبداعية. إن في النص وحدات4 تتطلب قدرات إبداعية، وتفكير تأملي عميق لاستخراجها، كما أن جزءا من نقد النص يساهم به التلميذ حتى تتكون لديه كفاءة النقد، ويحتاج عناصر أخرى في منهجية تحليل النص الفلسفي، مثل السياق الفلسفي، وتعريف موجز بصاحب النص، والآراء المؤيدة لرأيه، والآراء المعارضة له، يتطرق التلميذ إلى ذلك كله، في عنصر النقد والتقويم في إطار منهجية التحليل.

كل ذلك يحتاج إلى سعة الإطلاع من طرف من يتصدى لتحليل النصوص الفلسفية سواء كان تلميذا أو أستاذا أو باحثا. أما الجانب المنهجي في معالجة النص الفلسفي فيقصد به تنسيق عناصر التحليل كالمقدمة، والتوسيع والخاتمة، وجزئيات كل عنصر من هذه العناصر. فالنص المعالج هو نص آخر يقابل النص الأصلي لصاحب النص، لكنه نص أبدعه من قام بتحليله.

كما أن في تحليل النص معلومات أخرى مصدرها المطالعات الشخصية للتلميذ، بل ورصيده المعرفي المدرسي، من خلال كل المواد التي درسها في كل المراحل الدراسية، وحتى الرصيد المعرفي غير المدرسي، بل وحتى تجاربه الشخصية تعتبر رافدا يزود به معالجته للنص.وثمة محذور بالنسبة لمصادر ومراجع المعلومات المعرفية الفلسفية، وهو مدى توفر المكتبات المدرسية في الثانويات على الكتاب الفلسفي الذي يطالعه التلميذ. وإذا كان الكتاب بالفعل متوفرا، فهل يتوفر الوقت الكافي للمطالعة خاصة بالنسبة للتلميذ المقبل على امتحان البكالوريا، وهو يريد الجاهز من المقالات والنصوص المعالجة؟وهل هذا التلميذ يمتلك تقنيات وأدوات المطالعة، من خلال إعداد بطاقة للقراءة، وتقنيات للتلخيص والفهم، والرجوع إلى المعاجم لشرح المصطلحات الصعبة؟ إن هذه التقنيات، والتي هي في الحقيقة كفاءات، يعود الكثير منها إلى إعداد في سنوات سابقة لسنة الامتحان وإلى مواد أخرى، خاصة مواد اللغات والآداب، سواء بالنسبة للغة العربية أو اللغات الأجنبية، فيما له صلة بمجابهة النصوص ودراستها، والتدرب على تقنيات التلخيص وتقنيات التعبير على وجه الخصوص.

و- نخلص إذن إلى القول بأن النص الفلسفي ينبغي أن يملأ كل فضاء تعليم الفلسفة: دروسا وتطبيقات…فالنص هو الدرس الفلسفي كما هو التمرين والامتحان في الفلسفة وأن الجهود ينبغي أن تتجه إلى التغلب على الصعاب التي تقف عائقا في طريق استغلال أمثل للنصوص الفلسفية، وإلى التفكير في كيفية بناء درس انطلاقا منها وتتجه خاصة إلى تحديد خطوات مقاربة تلك النصوص ضمن عملية تعليم الفلسفة .

3- آفاق تدريس مادة الفلسفة
إذا كانت النظرية البنائية عند ( جون بياجي ) Jean piaget ( 1896- 1980 ) والتي تعتبر أساسا لبيداغوجيا الكفاءات- تجعل من المتعلم محورا للعملية التعليمية، فإن ذلك من صميم الممارسة الفلسفية- فيما نعتقد- ذلك لأن تدريس الفلسفة الذي نقصده، ليس هو تدريس المعارف الفلسفية، بقدر ما هو ” تعلّم التفلسف “- كما يرى ( إيمانويل كانط )(1724- 1804) Kant Emmanuelle ، ولقد مارس ذلك التدريب قديما الفيلسوف اليوناني سقراط ( ت 399م )Socrate كما هو موجود في محاورات تلميذه أفلاطون ( ت 347ق.م )Platon، فتعليمية الفلسفة والمقاربة البنائية، كلاهما تهتمان بتصورات المتعلم وبمكتسباته القبلية، لا تلغيانها إنما تنطلقان منها، وهذا ما يحدث في الفلسفة عند تصحيح التصورات وضبطها، والتمييز بينها.
إن (بياجي) في بناء المفاهيم، ينهج منهج الفلسفة نفسه. حتى أن مفاهيمه في نظرية المعرفة، لا يمكن فهمها إلا في ضوء النظرية المعرفية التأليفية عند ( كانط ) لما يوفق بين النظريتين العقلية والتجريبية، وبالتالي يتعين على من يتصدى لدراسة نظرية ( بياجي ) أن يستوعب تأسيسها الفلسفي .كما يمكن القيام بمقاربات بيداغوجية، من خلال مبحث الإبستمولوجيا، خاصة مع ( غاستون باشلار) ( 1884- 1962 ) Gaston Bachelard مثل الحديث عن ( العائق البيداغوجي )، الذي يعود إلى مفهوم ( العائق الابستمولوجي) هذا فضلا عن ابستمولوجيا ( جون بياجي) التكوينية، التي تهتم بدراسة الانبناءات الذهنية الديناميكية أي التي تنمو وتتكامل عبر مراحل زمنية متدرجة. فتراعى مرحلة العمليات المجردة في السن التي اختيرت لتدريس الفلسفة، من حيث هي مرحلة عمرية مناسبة لعملية التجريد، والتي هي من أخص ما يتميز بها الفلسفة.

ومجمل القول، إننا نعتقد بأن أستاذ الفلسفة بتدريسه الجيّد لهذه المادة، قد يفتح آفاقا واسعة للبيداغوجيا وللديديداكتيك، خاصة، وسيقدم خدمات جليلة، ليس لتحقيق أهداف الفلسفة فقط بل ولكل المواد الدراسية الأخرى في إطار المنظومة التعليمية.

المرجع:
http.www.umc.educ.dz/vf/image/philoalgerie
إعداد خلية البحث التربوي لمادة الفلسفة بأكاديمية أنفا بالمغرب
( مليكة غيار-أحمد أمزيل-محمد رويض- علي أعمور)