الرئيسية / ملف العدد / الإملاء قيمةٌ مشجّعةٌ من المجتمع أكثر من المدرسة

الإملاء قيمةٌ مشجّعةٌ من المجتمع أكثر من المدرسة


إذا كانت قواعدُ الكتابة علمًا فهي بعيدة كل البعد عن كونها علمًا دقيقًا، وإذا كانت فنًّا فهي خاصّة بفئة معينة من الناس ؛ غير أن هذه المادة كانت سائدة في القرن التاسع عشر ولم تتراجع بالقدر الذي هي عليه الإملاءُ، المادةُ التي تُعتبر أداة للتحقق من صحّة الكتابة. تبقى قواعدُ الكتابة بصفتها مصدرا لنقاشٍ لا نهاية له، معيارًا للحكم: فمن الأفضل إذًا استيعابُا والتّحكّم فيها.
“لماذا ؟”: “لأنه.. !”: هكذا غالبا ما يكون الرد على الأطفال الذين يتطلعون لإظهار التعقيدات الخفية في الإملاء. بالتأكيد تتواجد هناك معارفُ يمكن اكتسابها مثل قواعد النّحو أو الصّرف. ولكن ماذا عن الكلمات غير النظامية والكتابات البعيدة كل البعد عن نُطقها  (oignon)والاستثناءات الأخرى ؟ إن هذه الكلمات المسلية تُغيّ بل تشوّه بنية اللّغة الخاضعة لنظام صارم، وتجعل أحيانا من حقل الأسماء غير العَلَم لائحةً لأسماء عَلَم: باختصار، قوائم ودائما قوائم (, choux, hiboux, cailloux genoux, joujoux, bijoux, poux ) وليس لكَ سوى خيار واحد: صحيحة أو خاطئة.
تعتبر قواعدُ الكتابة نوعا من الاحترام نمنحه للّغة، والفرنسية لا تقبل في هذه الحالة أيَّ خطإ أو نوع من التقريب اللغوي-الخطّي، ولا ترضى إلا بالاستقامة والسلاسة. أليس هذا مدعاة للضجر ؟ بول فاليري Paul Valéry يراه كذلك، مثلما هو الرأي أيضا بالنسبة للملاحظين الأجانب. وفي هذا يقول جان الإملاء قيمةٌ مشجّعةٌ من المجتمع أكثر من المدرسة صاحبة المقال: ماشا سيري، ترجمة: صليحة هاشمي، وسيلة بوزيت كلود بولون Jean-Claude Bologne أن “قواعد هذه الكتابة التي نتغرغرها هي في المقام الأول عملُ النُسَّاخ المتباهين والموثّقين الذين يتقاضون أجرهم بالكامل حتى تصبح الحروفُ الساكنة والمتحرّكة متاجرة مربحة”. فاللّغة التي يصفها لنا بولون هي لُغتنا نحن، اللغة التي نكتب واللغة التي ننطق: لتكتسيَ حلّة فاتنة أو تُمل نفسَها كلية. وفي حالة الشعور بالتعب أو الجهل فلا داعٍ للتلفيق، فالأفضل عدم الاعتماد على المصحح الإملائي طالما تبدو هذه البرامج المفيدة جدا مع ذلك، لا تتماشى وسلاسة اللغة وتقترح بدلا من بعض صيغ العبارات صيغًا أخرى من شأنها أن تُسلي السّرياليين. وعلاوة على ذلك فسوف يشعر مستخدموها بعجز كبير لما تتعطّل هذه البرامج الإلكترونية.
لا زال باقيا للتعليم أيامٌ مشرقةٌ أو سيئةٌ وهذا حسب الحالة، لأن قواعد الكتابة تؤكّد وتصرّ على أنها “باقيةٌ هَاجِسَ التلاميذ والبيداغوجيين”. سواء أكانت هذه الكتابة مستعملة في سياقاتها العامة (معايير معجمية) أو في التطابق والتوافق (الاصطلاحات الشكلية المبنية على القواعد النحوية)، فهي تبقى في الواقع حجرَ عثرةٍ رئيسيٍّ لإتقان اللّغة -أولى الأولويات في الطور الابتدائي. لكنها لم تعد تُشكل مادة مستقلّة بذاتها إلى جانب الخط والنحو. إلا أن تعلّمها كان منذ زمن بعيد تعلّمًا ميكانيكيًّا خال من الفعالية ومقاربةً شكليةً. فقد كان الشعراءُ ورجالُ الدين في القرن الثاني عشر يكتبون الكلمات كما ينطقونها. ولم يكن إلا في نهاية القرن السابع عشر حتى حدَّد القاموس الأكاديمي مورفولوجيّة الكلمات، في حين قام النحويّون بوضع رموز وعلامات تضبط العطف والتطابق والتوابع.
المكافحة ضد اللّغات الإقليمية المحلية
نقرأ في دليل المعرض الأخير بالمعهد الوطني للبحث التربوي ( INRP ) الذي خُصَّ ل ]الطفل والنحوّ: القرن الثامن عشر- 1950 [ “أنّ هذا الانشغال الكبير بمسألة قواعد الكتابة (التي يجب أن نذكّر أنها لن تكون موحّدة ومستقرة قبل القرن التاسع عشر) هو الذي سيكون سببا في إدماج قواعد النحوّ (…). فقد طوّرت عدّة هيئات العمل من بينها كبارُ الكُتّاب، بيداغوجيا معيّنةً في اكتساب اللغة الفرنسية، إلى جانب اللاتينية ؛ هذا ليتمّ اتّباع بعض تعاليمهم في هذا المجال وتدرج ضمن برامج التربية الوطنية”.
يتّضح الطلبُ لتعليم قواعد الكتابة في منتصف القرن الثامن عشر أكثر فأكثر. إذْ يقترح بيداغوجيون أمثال لومون Lhomond طرائقَ مستقلة عن نظريات قواعد النحوّ العامة. ليتمّ تدريجيا وضعُ هذه القواعد في خدمة تعلّم الكتابة بضوابطها الإملائية. ولقد مرّت من هنا اضطراباتُ عام 1789 دون مساس بالصرح الكبير، حيث قام الثوريّون المدافعون بقوة عن احترام المعايير القاعدية بتعزيز قوام هذا الصرح. ورسَّت الجامعةُ أشكال الكتابة وضوابطها عهدَ نابليون الأول، وقرَّرت إلزامية تدريس قواعد الكتابة وجعلتها مادة رسمية. ووفقا لتعليمة 14 جوان 1816 يتمّ إدراجُ قواعد الكتابة الإملائية ضمن برنامج امتحان “شهادة الأهلية للتعليم المتوسط الدرجة الثانية “، وفي عام 1833 يأمر غيزوت Guizot المعلمين بتدريس “المبادئ الأولى للغة الفرنسية”، ومن بينها قواعد الكتابة السليمة من الأخطاء الإملائية.
تأسست مدرسة المعلمين إذًا بصفتها صرحًا ناقلاً للمعرفة، وأصبحت طبعةُ قاموس الأكاديمية الفرنسية لسنة 1821 بمثابة الكتاب المقدّس للمعلمين، وكما قالت دانيال مانيس Danielle Manesse المكلفة بالبحوث بالمعهد الوطني للبحث التربوي وأستاذةٌ محاضرة بجامعة باريس 5، أن “قواعد الكتابة الإملائية هي إذًا علمُهم وعلمُ الشعب، كما هي أيضا الشغلُ الشّاغلُ للمدرسة الابتدائية إضافة إلى الحساب والتاريخ الديني”. وقد ظهرت مؤلفاتٌ مختصة في هذا المجال مع كتب شبه مدرسية تقترح مسائلَ وتمارينَ مرفقةً بتصحيحات مثلما ظهرت كتبٌ أخرى تعالج مسائلَ خاصة بالنّحو والصّرف والقواعد الإملائية عموما ازداد عددها مع مرور الوقت، وأشهر هذه المؤلفات: “Le petit manuel des conjugaisons” لصاحبه هنري بيشريل Henri Bescherelle الذي صدر عام 1860 . وتثير هذه الأولويةُ في تعليم قواعد الكتابة المدعمةُ بإرادة توحيد بلد لا يزال يتكلم لغة إقليمية مختلفة جدلاً واسعًا.
كما تشير دانيال مانيس إلى أنه “في نهاية القرن التاسع عشر ندَّد بعض المفتشين بمغالاة هذا التعلم بحيث يُنح له الكثيرُ من الوقت، وحفظُ بعض القواعد عن ظهر قلب، وقلةُ الانتباه”. إلا أن هذه الأولوية بقيت مسطرة إلى غاية سنة 1882 ، وهي السنة التي أدخل فيها جول فيري Julles Ferry مادة العلوم ومادتيْ التاريخ والجغرافيا ونشاط التعبير الكتابي باللغة الفرنسية في المدرسة الابتدائية.
أما اليوم فالمعنى يغلبُ على الشكل
تبقى الإملاء منذ أكثر من قرن التّمرينَ الوحيدَ الذي يُعتمد عليه في تقويم عمل التلاميذ بخصوص احترامهم الضوابط الإملائية والنحوية. وكان في السابق تمرينٌ شائعٌ يحمل نوعا من الغرابة، حيث كانت الكتابة الخاطئة تقابل النطق الخاطئ مما يعطي فقرة مليئة بالأخطاء يتوجب تصحيحها، مثال:
« Il vaut mieu sandormir sans soupée que de ce réveillé avec des dettes »
« Un homme indiscrait est une lettre décacheté : tous le monde peux la lire »
ومعنى ذلك باللغة العربية:
“من الأفضل أن ينام المرءُ خاويَ البطنِ على أن يستيقظ مدينًا لمن دفع له ثمنَ عشائه”.
“مثلُ امرئٍ غير كتومٍ كمثل رسالة غير مختومة حيث بإمكان كل الناس قراءتها”.
ثم ليأتي التلميذ بعد ذلك بعصاه السّحرية لتصحيح هذا الكمِّ الهائل من الأخطاء.
هل شهدت الكتابة بالمدرسة عهدًا خلتْ فيه كتاباتُ تلاميذ جميع الأطوار من الأخطاء ؟ هذه الفكرة التي يبقى صداها منتشرا لدى الرأي العام قد تمّ الطعنُ فيها منذ سنوات. أخضع كل من دانيال مانيس وأندري شيرفيل André Chervel ما بين سنة 1986 و 1987 ما يفوق 3000 تلميذ من الطور الابتدائي إلى امتحان الإملاء الشهيرة للمفتش العام بوفان Beuvain الذي زار بدوره أكثر من 6000 مدرسة ابتدائية من سنة 1873 إلى 1877 حيث قام بامتحان أنجب التلاميذ في مادة الإملاء (جريدة: Le Monde de l’éducation لشهر أكتوبر 2001 ) والنتيجة: ارتفاع المستوى.
وقد بيّن هذا التقويم للكفاءات المرتبط جزئيا بتمديد فترة التمدرس وتعميم التعليم أن تلاميذ اليوم يفهمون أحسن ما يكتبونه: أخطاء لغوية أقل، وأخطاء في النحو وفي المفردات أكثر بالمقابل. وخلال تقويم امتحانات السنة الثالثة ابتدائي توصل 75 % من التلاميذ إلى نقل نصّ من دون أخطاء، وتبقى النتائج في الإملاء متباينة من 48.7 % إلى 83.1 % بما هو مرتبط بالكلمات القصيرة ( chez, jamais )، ومن 16.9 % إلى 86.6 % بالنسبة لمختلف تركيبات الجملة. وقد تطور تعليم قواعد الكتابة إلى فهم أفضل لدى تلاميذ الابتدائي من حيث معاني الكلمات المرتبطة بالقراءة والكتابة مما عزَّز أكثر البرامج الجديدة في التعليم الابتدائي التي تقترح العمل بنشاطات الإدماج. ففهمُ منطق اللغة الداخلي يعني التّمكن من التعامل معها بسهولة، ولكن الطريق ما زال طويلا من أجل ترقية بيداغوجية أكثر نجاعة.
فبعدما أُهمل هذا الميدانُ من البحث لمدة طويلة لصالح القراءة، يحاول حاليا علماءُ اللّسانيات وعلماءُ النفس جاهدين استعادته مرة أخرى بينما يتعايش في كل مدرسة تنوعٌ كبيرٌ لطرائق التعلّم التقليدية منها والحديثة، ومنها طريقة التعبير الكتابي الذي يكفي لوحده أحيانا لإكساب التلاميذ بعض مبادئ الكتابة الصحيحة، وفي هذا يقول جان بيير جافري Jean Piere Jaffré الباحثُ بالمعهد الوطني للبحث المدرسي والمسؤولُ عن المخبر الأدبي وصاحب العديد من المؤلفات ذات الاختصاص “أنّنا نسعى منذ ثلاثين سنة لتغيير الأوضاع ولكن بعض طرائق التدريب تنطلق من الموضوع أكثر مما تنطلق من الطفل بحد ذاته، وفي بعض الميادين تغلبُ فلسف ةٌ بيداغوجيةٌ معينةٌ، ولكن حينما يتعلق الأمر بالكتابة بضوابطها الإملائية فسرعان ما يعود المعيار إلى الواجهة”. وفي الحاصل فإن المدرسة تنتهج طريقًا مخالفًا بحيث كان عليها أن تجعل المتعلّمَ للكتابة السّليمة فاعلاً لتعلمه، وفي هذا يقول جاك ديفيد Jackes David في سلسلة من المحاضرات التي أقامها سنة 1997 بأكاديمية Nancy-Metz أنه “من النادر أن يتمَّ اقتراحُ دراسة معمقة تجنّد القدرات العقلية والتحليلية لاكتشاف المبادئ المحكّمة للغة، باختصار النشاطات المتعلقة بالكتابة السليمة وذات المعنى”.
إن فكرة تعليم الكتابة عن طريق الإعلام الآلي كان بإمكانها أن تكون مثمرة، ويبقى استعمال هذه الطريقة قليل الاحتمال ما دامت برامجُ الإعلام الآلي الحالية غير مزودة بمنظور بيداغوجي. ومع ذلك قام جان بيير جافري بالمغامرة بإنتاج أربعة أقراص مضغوطة أنتجتها له الشركة Ubisoft حيث يمكن للطفل أن يتعلم الكتابة بسهولة. ويشير هذا الأخير إلى أن هذه الأقراص تتضمن نصوصا بها كلمات خاطئة مسطر عليها ويقابلها حلول مقترحة.
موضوعٌ مشوّقٌ على الدوام
هل يجب التركيز دائما على القراءة ؟ يتفق الخبراءُ على أنه ليس كل من يحسن القراءة يحسن الكتابة بالضرورة، حتى ولو كانت القراءة ترتكز على الذاكرة البصرية وتسمح بإثراء رصيد المفردات. يبقى إذًا العمل على التأكيد أن الكتابة بضوابطها الإملائية والنحوية هي علمٌ يملك انسجامًا نسبيًّا بإمكانه إثارة الاهتمام.
ترى دانيال مانيس أن “الانشغال ينص بُّ حاليا حول القواعد أكثر مما ينصب حول تطبيقها، والطفل يتعثر في أيامه الأولى كثيرا لما يكون الاسمُ بعيدا عن الفعل داخل الجملة أو يكون في موضع آخر غير متوقع”، فبحسب رأيها فإن الكتابة هي المرصد المثالي لمعنى اللغة وميكانيزماتها. وتقول في موضع آخر أن “العمل حول المترادفات والمتضادات والقياسات، أي بالجملة حول الخطّ المرتبط بالمعنى، هو في نفس الوقت معرفةٌ ومهارةٌ”. ويرى جان بيير جافري من جانبه أنه “يجب قبول فكرة أن الكتابة بضوابطها الإملائية تُكتشَفُ، وعليه يجب أن لا نتعجّل الأمرَ ونترك التلميذ حتى يبلغ سنَّ ال 8 أو ال 9 حتى يكسب نوعا من الذكاء ثم سنَّ ال 15 و ال 16 حتى يستطيع شرحَ الاستثناءات التي يواجهها.
لم يعد حاليا تعليمُ قواعد الكتابة الإملائية والنّحوية على قائمة الأولويات، إذ يرى أساتذة الفرنسية في الثانوي أن تكوينهم ناقصٌ في نقل مختلف مهارات الكتابة حيث تبدو لهم تقنياتُ تركيب الجمل والنصوص والتعبير الكتابي ذات أهمية أكبر من معايير الكتابة والخط نفسيْهما، وتبقى هذه العناصر مؤشرا ملموسا لنجاح أو فشل المدرّسين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.