الرئيسية / ملف العدد / ” موليار، عد إلينا بسرعة.. فإن القوم جنّوا “

” موليار، عد إلينا بسرعة.. فإن القوم جنّوا “


تشكّل الكتابةُ المختصرة للرسائل الإلكترونية “تكسْتو” texto المعتمدةُ حاليا في النظام الأبجدي الرقمي نتيجةَ الإكراهات الاقتصادية، تهديدًا للغة المكتوبة والثقافة. وهو الموقف المدافع عنه في هذا المقال، الذي يمثل الجزء الأول للمناقشة، وسنتطرق كذلك للجزء الثاني في هذا الملف. “سأضع الإملاء تحت يد الجلاَّد”، تيوفيل غوتيي.
إن انتشار “الأشكال الجديدة للتواصل الكتابي” ( NFCE ) في الدّعائم الإلكترونية المختلفة قد ساهم في بروز أنماط للكتابة منحرفة بالنسبة للقواعد والتّوافقات الكتابية والخطّية التي تعودنا على مشاهدتها واحترامها. وإذا كان هذا الانحرافُ متداولاً على شبكة الإنترنيت الواسعة (البريد الالكتروني، الدردشة، المنتديات، المدوّنات…)، فإننا نلاحظ أكثر في شبكات الهاتف النقال التي يُشار إليها بالبنان، حتى أننا أصبحنا نتكلم بصفة عامة عن “الكتابة تكستو” أو “الأسلوب تكستو”. ومن أجل ذلك، ولربح الوقت وربط التواصل بسرعة، مما هو محبّذ كثيرا لدى مستعمليّ الإنترنيت والهواتف الذكية، فقد جاء ال SMS) Short Message Service)  أي الرسالة القصيرة ليضيف أسلوبا جديدا مفروضا في الفضاء الإلكتروني الواسع والمحدّد بالحروف طبعا. وقد يعود مصدر انحراف هذا النوع من الكتابة إلى البحث الدائم على الفعالية، الفعالية بمفهوم الوقت والمساحة والمال. تفاجأ مدرسٌ اسكتلندي في شهر مارس 2003 حينما سلَّمت له تلميذةٌ في سنِّ الثالثة ” السّتينوداكتيلو sténodactylo هي أداة نملي عليها أخطاءً في اللغة الفرنسية لتُبقي ع ل ى أخطاء أخرى إملائية ” أوغيست ديتوف عشر ورقة مكتوبة كليا بأسلوب “التكْستُو” ؛ ألا يدفعنا هذا بأن نتساءل عن حقيقة انتشار هذا النوع من الكتابة في مجتمعنا ؟ والمحير أكثر أن ذلك نجده حتى عند الصغار ! وتبقى كتابة “التِّكسْتو” le texto محلَّ نقاشات واسعة، فتجدها أحيانا منتقَدة لأنها تشكل تهديدا للغة الفرنسية وقواعدها النحوية والصّرفية والإملائية، وأحيانا أخرى تُدح لمزاياها التبسيطية والاقتصادية والاجتماعية. فهل يجب كما يدعو إلى ذلك المتحمّسون الكبار لعهد “الرسالة القصيرة” تقبُّلُ هذه “الظاهرة” ومدحها بل واعتبارها تطورا ضروريا للكتابة ؟ أو بالعكس نُدين هذا الأسلوب الذي يتباهى بترك نوع من الحرية بخصوص الكتابة على حساب التركيبة التي نشأت عليها كتابتُنا وبالتالي على حساب ثقافتنا ؟.
كتابة التّكسْتو ؟ Texto
تبحث كتابة التِّكسْتو الموجّهة نحو الفعالية التي تسمح بإلحاق كل الضّرر الممكن بلغتنا العزيزة، لتقول أكثر بحروف أقلّ، ولذلك فهي تبحث في ميادين مختلفة بشرط أن تفيدها وتنفعها، وتستعمل “نظاما” هجينًا مشكّلاً من رموز، تجدها أحيانا عبارة عن حروف وأحيانا أخرى عبارة عن أرقام ؛ كما لا تأبه في بعض الأحيان من استعمال بعض الكلمات أو الرموز المأخوذة من اللغة الانجليزية. كذلك يبدو التكسْتو غريبا بتشابهه مع “اللغة الشفويّة التّخاطبيّة” التي – كما تقول نيكول مارتي – تعجب الشبابَ. ولتعويض غياب الحركة أو الصوت، تستر جع هذ ه ا لتبا د لاتُ ا لكتا بية بعض ا لأ و جه العاطفية للتفاعلات الشفوية، وبذلك تحدث خلطًا على مستوى الحدود الواقعة بين الكتابي والشفوي. كما أنها تقترب من الشفوي بأشكالها تلك والتي هي في الغالب حواريةٌ. كتابة التّكسْتو تبدو منحرفة أيضا عندما تلعب على عدة جبهات مُعتبرةً نفسها فوق القوانين والقواعد الإملائية التي تنكرها.
تتميّز كتابة التّكسْتو بالاختصار المفرط، فهي مركّبة من عناصر مبتكرة بشكل مدهش، وبكونها لغةً مبتورةً أو مقصوصةً، سواء تعلق الأمر ببتر الكلمات من أوّلها أو في آخرها، وهجينةَ الصّوتِ واللفظِ، وتعجُّ بالأخطاء الإملائية. كما تتميّز بطباعتها الحَرْفية المنحرفة، وغيابِ الترقيم أحيانا، أو المبالغة في استعماله أحيانا أخرى، وبفوارق لغوية عميقة خاصة في استعمال الصرف، مما جعل هذه الكتابة تجمع كلّ الانحرافات والعيوب التي يسخط منها مدافعُو اللغة الفرنسية.
إذا كان تعميمُ هذه الكتابة المهمَّشة حديثَ العهد نسبيًّا، ومرتبطًا بانتشار أشكال جديدة للتواصل الكتابي في الشبكات الالكترونية، فهي مع ذلك مشكَّلة )من دون علم مستعمليها في أغلب الأحيان(، من ألعاب ورموز وأساليب سابقة تقريبا للبطاقات الإلكترونية. ونشير على وجه الخصوص إلى الكلمات المبتورة أو المختصرة التي سبق استعمالُا في العصور القديمة على اللوحات لعدم وجود المساحة الكافية، ثم واصل بها عمالُ البرق و محرِّرو الإعلانات القصيرة. كما تعدُّ تقنيةُ لغزِ الصّور المقروءة بأسمائها ( technique du al rébus ) أكثر انتهاكًا، تلك المستغلةُ بكثرة من قبل “مستعمليّ الرسالات القصيرة” الذين يكتبون كما يتكلمون ويركّبون جُلهم بطريقة صوتية والتي تبدو أنها أُعدّت ليُنطق بها بدلا من أن تقرأ (مثال: ” KèSkonfè ?” أو ” 9 Koi 2 “، ويُقصد بذلك باللغة الفرنسية السليمة ما يلي: “- Qu’est ce qu’on fait ?” و” Quoi de neuf ?”، أي “ماذا نفعل ؟” و”ما الجديد ؟”).
ومن الصعب جدّا أيضا ألاَّ يخطر في أذهاننا عند قراءة )قول ؟( كتابة التّكسْتو، التمارينُ الأدبية التي كان يُكثر منها الأُوليبيَان Oulipiens )ريمون كونو، فرانسوا لييوني، إيتالو كالفينو..( المنشغلون بالتفتح على الأدب المختلف أو الموجود بالقوة. كيف لا نفكر في جورج بيراك الذي “يلوِّي” لغتنا الفرنسية بأسلوبه المشهور والمتميّز ” le lipogramme ” بحذف بعض الحروف ؟ فإذا كان قد رُخّص لهذا الأخير لاحتياجات نظامه القائم على مبدإ اللِّيبوغْرام بعدم استعمال الحركات a, i, o, u في نصّه الطويل المعنون ب ” Les revenentes “، وبقرار من الأُوليبيَان يسمح بكتابة الاسم الموصول بهذا الشكل ” qe ” بدلاً من ” que “، والصفة النكرة ” qelque ” بدلاً من quelque” “، فلا شيء يمكن مقارنتُه مع القصد المؤسف والوحيد الذي يوجّه “أسلوب التّكسْتُو” والمتمثل في الفعاليّة !.
وإذا كان هناك ألعاب ورموز وأساليب أدبية موجودة في هذا النوع من الكتابة حسب مدافعيها الذين يدعون أنها رياضةٌ فكريةٌ نافعةٌ، يبقى وأن هذه الألعاب والرموز والأساليب ليست معروفة في كثير من الأحيان وغير معترف بها بهذه الصفة من طرف مستعمليها، مما مؤسف جدا.
هل يجب التعامل مع ذلك ؟
تنقل لنا الدراسة التي أجريت بمناسبة منتدى الكتابة سنة 2004 أن: “الكتابة لا تزول، بل تعود بالظهور في أشكال جديدة بفضل الإنترنت خاصة: ف 88 % من الشباب يستعملون التّكسْتُو أو البريد الإلكتروني..، بالطبع أن هذا الأسلوب بعيدٌ عن لغة مُوليَار، ولكن يبقى فعلاً من أفعال الكتابة”.
مهما كان شكل هذه الكتابة، يجب أن نهنِّئ أنفسنا برؤيتنا الشبابَ يعودون إلى كتابة كانوا بصدد التخلي عنها في وقت ما. أكثر من ذلك فالانحرافات المقبولة والتي تجد تشجيعًا من هذا الشكل من الأشكال الجديدة للتواصل الكتابي، ربما من شأنها أن تسمح للأشخاص الذين كانوا يعتبرون أنفسهم مهمَّشين بسبب ضعف كفاءاتهم الكتابية، بالتصالح مع الكتابة والتحرّر من “الصدمات” الممكنة. ربما علينا اعتبارُ هذا تطوّرا منطقيا للكتابة، أو لنقلْ نعمةً حتى ولو صدّقنا هؤلاء الذين يرون في هذه الظاهرة حَلاً أو تخلّقًا لكتابة جديدة أو على الأقل علاقةً جديدة مع الكتابة.
وافتراضا أن هذا الشّغف بالمراسلة الالكترونية “المطهّرة” يعيد للكتابة مكانتها في مجتمع تميّزه السرعة ولا يريد أن يتعطّل بين حروف مراسلات باتت بطيئة وغير مربحة، فمثل هذا الرجوع إلى الكتابة (بطريقتها المنحرفة) يمكنه أن يشكّل مع ذلك تهديدا للكتابة ذاتها. ولا يسعنا إلا أن نرحّب بالفكرة التي تقول أن الحرية التي يتمتّع بها التّكسْتُو قد تسمح للأشخاص المهددّين بالتهميش بسبب قدراتهم الكتابية الضعيفة بالرجوع من جديد إلى هذا النوع الثمين من التواصل الذي هو الكتابة، ولكن يجب إخفاء الآثار السيئة التي تنتج عن ذلك.
من جهة نخشى أنَّ مثلَ هذا التعميم لأسلوب التّكسْتو قد يؤدي إلى تهميش هؤلاء الذين يواصلون احترام المعايير الإملائية التقليدية، وقد يُلامون مع ذلك بعدم قبولهم بالقواعد التبسيطية للرسائل القصيرة (هم كثيرون الأولياء من بين الآباء والمتقدّمين في السنّ الذين وبحجّة أنهم لا يعرفون جيدا الكتابة أو لا يفقهون التّكسْتُو، يتلقون الانتقادات و”تُصحَّح” كتاباتُم من قبل أطفال لا يتحكّمون حتى في قواعد الإملاء البسيطة !). فقد أضحت إذًا الكتابة فاقدةً لمكانتها وقيمتها في الأوساط الاجتماعية وقد يُعزف عن استعمالها بمرور الوقت في شكلها الثري.
ومن جهة أخرى بإمكاننا أن نرى أثرًا آخرَ سلبيًّا لهذا التعميم لأسلوب التّكْستُو، فبينما يتحجّج مدافعوه الأكثرُ حماسا بحرية الإبداع، نلاحظ أن قواعد ضمنية للكتابة باتت مرتكزة وتفرض نفسها على مستعمليّ هذا الأسلوب. فالوسيلة الوحيدة للتخلص من الإكراهات الإملائية (يقال أن الأشخاص الذين يفضّلون هذه الكتابة يفعلون ذلك لإخفاء جهلهم)، هي أن التّكْستُو يعمل على تدارك نقائصه شيئا فشيئا بمعايير جديدة تأتي لتجازف بهذه الحرية. ونجد في الغالب هؤلاء الذين يدّعون بانتسابهم إلى تيار “الرسائل القصيرة”، هم الذين يساهمون (دون علمهم على الأرجح) في هذا التطبيع بنشر روايات محرّرة كليا ب “أسلوب التّكسْتو” أو أكثر من ذلك باقتراح دروس خاصة ب “كتابة التّكستو” ! ربما يكون مثيرا للاهتمام معرفةُ ما إذا كان الذين كانوا يواجهون صعوبات في الإملاء يستطيعون احترام المعايير الإملائية الجديدة المعلن عنها من طرف هؤلاء المبرّزين في الرسائل القصيرة…
ولكن قبل محاولة اللعب بلغة جدّ معقّدة كلغتنا، قادرةٍ على إرباك أكبر اللغويين مثل الأستاذ كابيلو المعروف في جمع كلمة “- cloche pied “، ألا يجب التحكّم على الأقل في خطوطها العريضة ؟ ومن هنا يجب أن نفهم أن الخطورة ليست في السماح المفرط للآخرين ليتصرّفوا كما يشاؤون – وإنْ كان بوعيّ منهم- لغرض التفتح على بعض الإمكانات الأدبية المرتجاة، وإنم ا الخطورة تكمن في ترك هذه الكتابة الفوضوية في متناول المراهقين وحتى الأطفال الصغار العاجزين عن معرفة الفرق بين “الكتابة” و”كتابة التّكسْتُو”. يقال أنه عندما يبدأ الطفل الصغير بالكلام، على الراشد أن يتجنّب استعمال “لغة الرّضّع”، بل عليه أن يكلّمه باللّغة التي يجب تعلّمها. وهكذا فبمجرد أن يتحكّم في الكتابة حتى تراه يتعرّف على كتابة أخرى شبيهة بتلك التي تعلّمها ولكنها منحرفة.
إذا أصبح الاتجاه اليوم ليس أخذ كل الوقت في تركيب نصٍّ نثريٍّ جميلٍ، وإذا كان حجم “الرسالة الصغيرة” لا يقبل عبارات مطوّلة ومفصّلة، يمكننا من دون تجريد الرسالة من معانيها (إذْ نتساءل عندما ندرك أهميّة الضوابط الإملائية، هل الذين يكتبون ويقرؤون الرسائل القصيرة ألا يفقدون أحيانا معنى الجملة ؟)، يمكننا جعل هذا الاختزال في الحروف فرصةً لنشر كتابة مختصرة، استهلاليّة فقط أو إضمارية. وقد يكون ثراءُ الرسالة القصيرة الحثّ فقط على العمل على إبراز القيمة التلميحية لقول ما قد لا يحتاج إلى الكثير من العبارات. ولكن هيهات، ففي هذا النوع من الكتابة كما هو منتشر، بل الأمر ليس كذلك، إذْ أن الهدف يكمن في قول الكثير بحروف أقل. كما أن البعض لا يترك الفراغ حتى بين الكلمات لربح قليل من المساحة على ما يبدو. وهذا ما يعكس الطموح الاستيهامي لمجتمعٍ يريد نفسه ناجحا وفعاّلاً على حساب قيم أساسية، مجتمعٍ يبحث دوما على ملء الفراغات لأنه يعتبرها ضياعًا للمكان والوقت والمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.