الرئيسية / ملف العدد / أعدِ القراءة وفكّر جيّدا.. وسوف يساعدك المصحّحُ الإملائيّ

أعدِ القراءة وفكّر جيّدا.. وسوف يساعدك المصحّحُ الإملائيّ


كيف يمكننا التدريبُ على استخدام مصحّح إملائي ؟ يضع المؤلف قواعدَ لتجربة ناتجة عن عمل مع طلاب يدرسون اللّغة الفرنسية كلغة أجنبية، ويمكن عدُّها وسيلة لتعلُّم اللغة في إطار العمل الجماعي التعاوني.
لقد كنا نتساءل في بداية التسعينيات عمّا تحدثه معالجة النصوص حين تعلّم الكتابة، وتبدو لما أفرزته المناقشات أخرى حول البرامج المعلوماتية المساعدة على الكتابة في أيامنا هذه وقد أُعيد طرح هذه التساؤلات من جديد. ويبقى من الصعب اليوم تجاهل وجود المصحح الإملائي، إذ العديد من المدرسين قد سبق لهم التساؤل عن هذه التقنية. فكيف يمكن الاستفادة منها وكيف ندمجها في تعلم الكتابة الخالية من الأخطاء ؟
أولا يجب التّخلي عن مصطلح “المصحِّح الإملائي” لنعتمد مصطلح “المصحِّح الإلكتروني”، مصطلح يعني برنامج معلوماتي يضمُّ مجموعة من الأدوات المستخدمة لتصحيح نصّ ما. ثم نميّز بين برامج التصحيح المدمجة في معالجة النصّ وبرامج التصحيح الأخرى المستقلة. وما دامت الأولى محدودة جدا، فإنه يبدو لنا من الأفضل في إطار العمل التربوي-البيداغوجي اختيارُ المصحّح الإلكتروني المستقل .(Antidote, Correcteur 101, Cordial)
وبصفتها تندمج تماما مع الحدّ المشترك لمعالجة النصوص، توفّر هذه البرامج المعلوماتية logiciels مجموعة من الأدوات القوية التي يكون محورها الأساس المصحّح الإلكتروني النحوي. ووفقا للتحليل الذي يقوم به على مستوى الجمل، فإن هذا المصحّح يشير إلى الأخطاء ويقترح بدائلَ وإيضاحاتٍ تتماشى وسياق النصّ. أما الأدوات الأخرى المتاحة للكاتب (نسبة إلى الكتابة باليد) هي القاموس الموسّع، وقاموس المفردات، ومساعد في تصريف الأفعال وقواعد النحو “أونْ لاَيْن” on line أي على الخط مباشرة. ويمكن الاستعانةُ عمومًا بهذه الوسائل بشكل مستقل أو انطلاقا من المصحح الإلكتروني.
نحن لا نطلب المستحيل..
حتى وإن قدمت الوظائفُ والأدواتُ مساعداتٍ معلوماتيةً مفيدةً جدا، فإن أولئك الذين يُلاحظون عن كثب “سلوك” المصحح الالكتروني حول نصوص المتعلمين، سيدركون بسرعة أن صورة المصحِّح الالكتروني الذي يطبِّق بشكل فعَّال قواعدَ النَّحوِ بتصحيحه كلَّ أخطاء النصّ المعروضِ عليه، هي بعيدةٌ كلّ البُعد عن الواقع. دعونا الآن نتخلَّصُ (ونخلِّصُ تلاميذَنا) انطلاقا من فكرة أن استخدام المصحِّح الإلكتروني يمكِّنُنا من الاقتصاد في الجهد في مجال تعلُّم ضوابط الإملاء، فحدود هذه الأدوات المساعدة قد ” من قيمة مطلقة، تحوّل الإملاءُ إلى قيمة تزيينيّة واختيارية فاقدة الأهمية. ” برنار بيفو تمَّ توثيقها في العديد من المقالات، ولا داعٍ للرجوع بالتفصيل إلى هذه المسألة ؛ ونُذكر أنه كلّما زادت النصوصُ تعقيدا كلّما قلَّ مفعولُ هذه الأدوات، بحيث سرعان ما تجد هذه الأداة صعوبة لما نطلب منها مُعالجة نصوص لمتعلمين يدرسون اللغة الفرنسية كلغة أجنبية وذوي مستوى ضعيف أو متوسط: وقد تؤدي الكلماتُ الغريبة وغيرُ الفصيحة إلى إخفاء معناها الأصلي، حتى لو أن وجود نظام تصويب متعدد الاختيارات قد يسمح بتحديد كفاءة الكاتب خاصة إذا من الناطقين بالفرنسية.
ومع ذلك فإن برامج المصحّح الإلكتروني تقدّم مساعدة كبيرة، ولكننا ننصح المدرِّس الذي يرغب في إدخال مثل هذا النوع من الأدوات إلى قسمه أن يتدرّب عليه بكثرة حتى يألف وظائفَ البرنامج المختار ويراقب سلوكه )أي سلوك المصحّح الإلكتروني( مع النصوص المنتجة من قبل متعلّميه. حتى الآن لم يجرَ سوى القليلِ من الأبحاث حول تأثير برامج التصحيح الالكتروني، ويمكننا أن نفترض أنه إذا كانت النتائجُ المتحصلُ عليها تبدو متناقضةً، فذلك يعني أن سياقَ الاستخدام والأنشطةَ المقترحةَ والمقاربةَ البيداغوجيةَ تُشكل كلُّها عناصرَ أساسيةً تجعل من هذه الأداة فعالة أم لا.
ولقد بيّ ديسمَاري Desmarais كيف يمكن لاستخدام مصحِّح إلكتروني مدمج ضمن بيداغوجيا مناسبة، أن يشكّل أداة فعّالة في تعلّم الضوابط الإملائية والكتابة السليمة. فيعود إذًا إلى المدرّس وفقًا لأهدافه ومستوى متعلِّميه تحديد نوع الأنشطة التي يقترحها على تلاميذه، علما أن استخدام هذا النوع من المساعدة يتطلب “من جهة المستخدم حضورا فعّالا (إجراء خبرات) وذكيّا (التفاوض حول المعنى) وتكوينيّا (معرفة استعمال الوسيلة وقواعد التفسير اللّغوية)”.
استخدام برنامج المصحّح الإلكتروني
فعلا هناك فرص كثيرة تتيح لتلاميذنا الاستعمال المسبق للمصحّح الإلكتروني المدمج، مثلما هناك رهان قوي لاستعماله آليا وتلقائيا أو حتى في آخر لحظة قبل تسليم وظيفتهم. ويمكن لكل مدرّس أن يقوم بسبر للآراء ليحصل على فكرة أفضل عن انتشار هذا النوع من الممارسة الإلكترونية في الحياة اليومية لتلاميذه ؛ وكما نسعى إلى تعليم هؤلاء استخدام القواميس الجيّدة، علينا أيضا تدريبهم على كيفية استعماله.
ولا تزال الكتابةُ إلى يومنا هذا مؤشّرا اجتماعيّا، إذ عدمُ التمكن منها قد لا يخلو من مواجهة عائق حقيقي. ولذلك يبدو من المنطقي أن نسمح لتلاميذنا بتطوير نوع من التعلّم المستقل في هذا المجال. لا محالة أن التلاميذ يتعرّضون إلى الشك والإحباط وخيبة الأمل في بعض الأحيان، فمن المستحسن إذا أن يكون المدرس واثقًا من المساعدة التي يمكن أن يقدّمها المصحح الإلكتروني للتعلم. كما يُشترط أيضا استخدام معالجة النصّ في القسم حيث يحتاج التلاميذ إلى مهارة مقبولة في استعمال لوحة المفاتيح للكمبيوتر. نذّكر ثالثا بأهمية المحيط: فسهولة الوصول إلى قاعة الإعلام الآلي، وساعات عمل مرنة، ووجود خبير يُكنه أن يُساعد التلاميذ في حل المشكلات التقنية، كما يسمح جهاز عرض البيانات والمعطيات بتركيز انتباه الجميع حول مسألة محددة.
وريثما يتمُّ استيفاءُ هذه الشروط، ينبغي للمجموعة الأولى من الأنشطة أن تُكِّن المتعلّمين من الوظائف ومختلف وسائل المصحّح الإلكتروني. وندفعهم بالتالي إلى جعل كل مقترحِ تصحيحٍ في موضع شكّ منهجي حتى ولو كانت القدرة على تقويم البيانات بشكل صحيح تتوقّف على ما يكسبه كلُّ واحد منهم من معارف وعلى مدى تمكّنهم من قواعد التفسير الّلغوية الأخرى المستخدمة. فالأمر يتعلّق إذًا بحثّ وتحفيز الحكم النّقدي لدى التلميذ وقدرته التحليلية، بمحاولتنا لإقناعه بألاَّ يأخذ في الحسبان تفسيراتِ المصحِّح الإلكتروني ومقترحاته إلا إذا كانت مفهومة. والهدف من ذلك ليس تصحيح كل أخطاء النصِّ بصفة شاملة، وإنما المراد هو إيصالُ التلميذ إلى تعلّم كيفية استخدام هذه الأداة المعلوماتية بطريقة صحيحة ومدروسة.
ويجوز لنا بهذا الشكل أن نطلب من التلاميذ تحديد بعض مقترحات التصحيح (كتابة مفردات، اتّباع الصفة للموصوف، صرف الأفعال، إلخ) وكذا تفسيراتها السّياقية. ثم يجب السماحُ لهم بتوضيح عدد من القضايا التي تُطرح عليهم جماعيا أو على مستوى القسم حيث بالإمكان تناولُ أهم هذه المسائل. فالأمر يتعلّق بتبيين إستراتيجياتِ المصحّح الإلكتروني خلالَ النشاطات المختلفة التي يمكن للتلميذ استخدامها لتطوير مهارته تدريجيا في تصحيح الأخطاء الإملائية. يكسب المتعلمون في هذا السياق ردود أفعال من حيث التدقيق والتحقق ويألفون قواعدَ التفسير اللّغوية المستعملة من طرف المصحّح الالكتروني، فالوعي ببعض الأخطاء المتكررة واستيعاب الأشكال، واتّضاح بعض نقاط القواعد، وكذا لزوم تقويم مقترحات المصحح الإلكتروني، كل تلك هي عناصر ناقلاتٌ للتعلم.
وموازاة لهذا المحور الأول الذي يتناول استخدام المصحح الالكتروني، يُكن للمعلم أيضا أن يقترح أنشطة أخرى لتشجيع التلاميذ على الاستفادة من الأدوات الأخرى المدمجة مثل قاموس التعريفات، وقاموس المرادفات، وجداول الصرف، والإعراب أو حتى تقنية الانتقال من نص إلى نص على الشاشة.
العملُ بالتّعاون والمراجعةُ بمساعدة الحاسوب:
لتحقيق أقصى قدر من التأثير الذي يمكن أن تُدثه نشاطاتُ التصحيح بمساعدة الحاسوب على التعلّم، يستحسن جعل التلاميذ يعملون مثنى . إذْ يسمح هذا العمل التعاوني للمتعلمين بالمشاركة في التّنسيق لعدد من الإجراءات ؛ كما تساهم الوساطة المعلوماتية وحتى التفاوض حول المعنى الناتج عن التفاعل، في تسهيل التحكّم في المعارف الجديدة والإستراتيجيات الجديدة لحل المشكلات.
مثلما يسمح استخدامُ المصحّح الإلكتروني بالعودة من خلال عمل إنتاج كتابي، إلى مراحل إعادة القراءة والمراجعة، وهذا أحدُ الجوانب التي يسعى التلاميذ إلى تجنبها. علينا في هذا الصدد أن نعمل على تصورات التلاميذ حول الأداة وعمل المراجعة، إذْ لهذه التّصورات تأثيرًا على الطريقة التي يتناولون بها المهام. يجب إذًا تجنّبُ جمع التلاميذُ لعمل المراجعة مع الاستخدام الوحيد للمصحح الإلكتروني، كما يجب أيضا أن نوصلهم إلى الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الأخرى للكتابة: تداخل النصوص والمسائل المتعلقة بالمحتوى، نوعية الاستدلال وتطوّره..، أبعادٍ لعمل مشتركٍ ذي مقدرة في المساهمة في تنميتها. ولهذا فإن الطريقة التربوية التي نُدخل عليها استخدامَ هذه الأداة يجب أن تكون متمحورة حول السيرورات المرتبطة بالإنتاج الكتابي.

تُظهر بعض البحوث كيف أن عمل المراجعة جماعيا وتعاونيا يُرسّخ عمليات أو سيرورات ما فوق معرفيَّة وكذا تنمية كفاءات التنظيم والتنظيم الذاتي. كما يتيح عملُ المراجعة التعاوني بمساعدة الحاسوب تثبيتَ الضبطِ على مستوى البعد ما فوق المعرفيّ والاسْتبطان اللاّحق للعناصر المبنية بالتعاون سواءً على مستوى سيْورات إعادة القراءة/المراجعة أو على مستوى التصحيح التَّشاكليّ morphosyntaxique بمساعدة الحاسوب.
وجديرٌ بالاهتمام أيضا الإشارةُ إلى أن نتائج دراسات أخرى كشفت الكيفية التي تؤثِّر بها الديناميّةُ البيْشخصيَّةُ إيجابًا على التحفيز والتحصيل في إطار الأنشطة التعاونية. وبهذا الشكل يشجّع التعلّمُ التعاونيّ على التّوجه نحو الهدف واستقلاليةِ المتعلّم ومصلحته الذاتية، وذلك بتدعيم تماسك المجموعة.
إذًا فللمصّحح الإلكتروني والمعلم أدوارٌ مغايرة، ولا يبدو لنا مناسبا مقارنة الوساطة المعلوماتية الخاصة بالمصحّح الإلكتروني مع عمل التصحيح اليدوي الذي يقوم به المدرس على أوراق تلاميذه. فالمصحّح الالكتروني يمثّل أداة مساعدة فعّالة شريطة أن تكون مدمجة ضمن بيداغوجيا مدروسة. فالمقاربة التي تعزِّز التعاون بين الأقران والتي تقترح على المستوى الدِّيدكتيكي أنشطة تتمحور حول السيْرُورات، ستسهم من دون شك في جعل المصحّح الإلكتروني أداة مساعدة ناجعة وتُكّن المتعلمَ بلوغَ مستوى معين من الاستقلالية المعرفية في مجال تعلم الكتابة السليمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.