الرئيسية / ملف العدد / مشكلٌتنا مع الكتابة، لماذا ؟

مشكلٌتنا مع الكتابة، لماذا ؟


هل تخلّت المدرسة عن الإملاء ؟
هل تخلّت المدرسة عن مهمّتها الأولى المتمثّلة في تعليم التلاميذ الكتابة الصحيحة ؟ يبدو أن الاهتمام بالكتابة الخالية من الأخطاء لم يعد كما كان في السابق، إذْ نجد اليوم في عموم البرامج التعليمية تراجعًا من حيث الانشغال بهذا الجانب، في حين تبقى الكتابة عاملاً حاسمًا في عالم الشغل. غير أنه مقابل وسائل الإعلام التي تسلخها سلخًا وخروق الرسائل القصيرة Short Message Service( SMS ) التي تشوِّهها تشويهًا، يبقى العديدُ من الأساتذة متمسّكين بمبدإ الصّحة في الكتابة ؛ وهل يبقى نجاحُ إملاء بيفُو Pivot غيرُ المطعونِ فيه الأثرَ الوحيدَ لانشغال حقيقي حول تصويب لغتنا ؟.
لا يرجع المنقّبون عن الأخطاء الإملائية أو النحوية بخفيْ حُنين أبدا، فمن قوائم الطعام المقدّمة في المطاعم إلى واجهات المحلاّت والدّكاكين وعلى أعمدة الصّحف وحتى في بعض الكتب التي تتمتّع بالقداسة، تجد هذه الأخطاءُ مكانها بين مختلف العناوين والأسطر. تقوم لجانُ القراءة والتحكيم بمهمّتها بالإشارة إلى الأخطاء الإملائية والنحوية في تقاريرها ويقوم محقّقو أو مصحّحو دور النشر بعملهم الرُّوتيني ؛ وفي هذا تقول سوازِيغ لوبايْ Soazig Le Bail التي تعمل مُقّقة بمنشورات Thierry Magnier : “نعم، يرتكب الكتّابُ الكثير من الأخطاء، لكن هذا أمر عادي.. فلغتنا صعبة جدّا”. صعبةٌ ! بل يمكننا القول أن الكتابة الإملائية الفرنسية هي من بين أصعب الكتابات في العالم.
فمَ الذي تقوم به المدرسة أمام كل هذا ؟ هل تخلّت عن التعليم ؟ هل وجّهت مهمّتها هذه لتنمية كفاءات أخرى؟ وعلى أية حال يجب التأكيد قبل مشاهدة السبورات السوداء عن قرب، على الغموض الذي لدى الفرنسيين حول مكانة صحة واستقامة الكتابة ( ortho-graphe ). إذا طغى هذا الجانب، فإن الآخرين ينخرطون طواعية، وإذا طغى الجانبُ الآخر فإنه من الأفضل إبداء الاستياء أو لا يحقُّ القسَمُ إلا بالكتابة، مثلما يوحي به مصدرُ كلمة أورْتوغراف، والشاهد على ذلك النجاحُ المبهرُ لإملاء بيفُو أو لعبةُ إسْكربل scrabble (لعبة بيتية ترتكز على ملء خانات رقعة بطاقات من الحروف بحيث تتألف من كلمات). يبدو إذًا أن العلاقة التي تربط بين الفرنسيين ولغتهم هي علاقة فصاميَّة.
يتأرجح الأطفال مثلهم مثل الكبار بين اصطلاحيْ تعبيرييْ اثنيْ، فمن جهة هم أمام لغتهم الطفوليَّة التي تتماشى وموسيقاهم الفطرية، وبخاصة الأسلوب الأكثر صقلاً من بين أساليب لغة التّكْستُو ،texto ومن جهة أخرى أمام اللغة الفرنسية المدرسية، لغة فروضهم وامتحاناتهم، أي تلك التي تحاول المدرسة أن تعلّمهم أيَّاها. وأمام كل هذا تميل المدرسة بالأحرى إلى الجانب الكلاسيكي، حتى ولو لم تعد الكتابة (بضبطها الإملائي) تشكّل انشغالها الأوّل.
يتمُّ التأكيدُ في البرامج الخاصة بطور التحضيري على “تثبيت فكرة أن الكلمات بإمكانها أن تتغيّ في بعض الحالات”. كما يجب أن يعرف الطفل في الطور الثاني من التعليم الابتدائي (من 6 إلى 8 سنوات بفرنسا) شكلَ الكلمات الأكثر تداولا بصورتها الإملائية ؛ وفي الطور الثالث (من 9 إلى 11 سنة) يجب أن تفضي “النشاطات اللغوية المدمجة” إلى الفهم شبهِ-الآلي لتطابق الفعل والفاعل (نََجحَ أَحَْمدُ) بمقابل التطابق الواقع في الجملة المبتدئة باسم (أَحَْمدُ نََجحَ أو قَرَأْتُ القِصَّةَ) حيث يأتي الفاعل مثلا ضميرًا مستترًا أو متّصلاً في محل رفع. كما توضّح مديرية التعليم الابتدائي أنه يجب على المعلم: “أن يعطي لتلاميذه كلمات يحفظونها بصفة منتظمة”. ويبقى الحجم الساعي في طور المتوسط غير كاف للغاية من أجل تمكين المتعلمين من تحسين كتاباتهم سواء من الناحية الإملائية أو النحوية أو الصرفية ؛ لكن الحقيقة أنه لم تعدِ الكتابةُ السليمة والإملاءُ بصفة عامة في قلب التعلمات مثلما كانت في مدرسة جول فيري، فقد أصبحت عبارة عن كفاءة من بين الكفاءات الأخرى لا غير.
المنعرج الحتمّي
وقع المنعرجُ في أواسط سنوات السّبعينيات. وقتها لما انتقل كلُّ التلاميذ إلى المتوسطة، طالب الأساتذة بإلحاح بأن يُبْعث إليهم بتلاميذ ذوي مستوى عالٍ في القراءة، فراح إذًا المعلمون يصبّون كلَّ اهتمامهم لتنمية هذه الكفاءة، بالطبع على حساب الكفاءات الأخرى. واستمّر الحجمُ الساعي الخاص باللغة الفرنسية بالتّناقص، فبعدما كان في حدود 14 ساعة في الأسبوع تراجع إلى 7,7 ساعات ؛ فالعلاقة تبدو حسابية تقريبا من وجهة نظر تعلّمية بين الوقت المستهلك والمكتسبات المعرفيّة المدرسية. والنتيجة: أصبح التلاميذ لا يهتمّون بمعرفة الفرق بين “همزة القطع وهمزة الوصل ولا بين الحال والصّفة” مثلا.
هل بات تراجع المستوى أمرًا محتومًا ؟ فالكلُّ يبدو متوقّفًا على موضوع المقارنة المختار، فإذا ما قارنا اليوم بين شخص متحصلٍ على شهادة البكالوريا وآخر حائزٍ على شهادة التعليم الابتدائي في سنوات ما قبل الخمسينيات، تجد الأوّل غير متأكّد بأن له كتابة أفضل من الثاني ؛ وبالمقابل إذا قمنا بمقارنة جيل اليوم برمّته بجيل الأمس، ستجد من دون شك الفرق شاسعا جدّا، ذلك أن المعلّم لم يكن وقتها يقدّم لامتحان “السّيزيام” إلاّ تلاميذه المجتهدين، أما اليوم فالكل منتقلٌ لاجتياز امتحان شهادة البكالوريا.
معيارُ انتقاءٍ لا يمكن إنكارُه
بالإضافة إلى البرامج، تبقى مكانة الكتابة السليمة في نيل الشهادات من دون شك أفضلَ مؤشر يمكن أن تنتظره المؤسسة التربوية عموما من تلاميذها. إذا انطلقنا في حكمنا على المستوى التعليمي من مستوى الإملاء في طور المتوسط، فإننا سنجده دون التوقّعات المرجوّة. وهذه التوقّعات كانت لتكون من دون شكّ أكثر خيبة اليوم لو لم تشهد تلك الإملاءُ الوهمية التي قُدّمت في امتحان شهادة الأهلية لسنة 2000 ضجّةً كبيرة على المستوى التعليمي والاجتماعي. إذْ كان النّصُّ الموجَّهُ للإملاء لا يكاد يبدأ حتى ينتهي، بكلماته ال 63 التي يتضمَّنها حيث لا يوجد أيُّ كلمة بها “همزة متوسطة أو متطرفة” ولا يشكّل صعوبات كبيرة ؛ ويُضاف إلى هذا تنقيطٌ لا يقف على الأخطاء المرتكبة، وإنما على وضع نقاط على كلمات مكتوبة بشكل سليم ! وبات الموضوع يحتلُّ الصفحات الأولى من الجرائد الوطنية، وشهد امتحانُ سنة 2001 لنيل شهادة الأهلية نصًّا في الإملاء أطول مما كان بقليل، بعلامة 6 نقاط دائما على 40 نقطة الخاصة باللغة الفرنسية، ولكن يرفع من مستوى الكفاءة المتوقّع وبالتالي من مكانة الكتابة الخالية من الأخطاء طوال السّنة.
وما مكانة الإملاء على مستوى امتحان شهادة البكالوريا ؟ يبدو معظمُ المصحِّحين متّفقين على نزع تقريبا نقطتيْ من أوراق الاختبار التي بها أخطاء إملائية بيّنة. ولكن طوال السنة الدراسية، تجد أن العديد من المدرّسين المنشغلين بأن تبقى الكتابة أمرًا مهّمًا في نظر التلاميذ، لهم ممارسات أخرى.
يعدُّ غيتَ كوتَار Gaëten Cotard أحدَ مؤسسيِّ جمعية “إنقاذ الآداب” ] ،]Sauver les Lettres وهي جمعية متكوّنة من أساتذة تسعى للمحافظة على سلامة اللغة والكتابة ولها مواقفُ صارمةٌ بخصوص كل ما هو تعليمي ومدرسي. يعلن كُوتَار في أول لقاء له بتلاميذه في قسم الثالثة ثانوي عن سلّمه للتنقيط قائلاً: “لا أسمح إلا بثلاث أخطاء نحوية في الصفحة الواحدة، أو بستِّ أخطاء إملائية. وما تعدّى ذلك، سأنزع نقطة واحدة إلى أربع نقاط مقابل سلسلة ذات ثلاث أخطاء. تبدو الطريقة صارمة، لكن مكّنتني من الحصول على نتائج إيجابية، لأن التلميذ الذي يرى علامته 13 تُفض إلى 9 بسبب كتابته الخاطئة فإنه سينتبه جيدا ويعيد قراءة ما يكتب في المرة القادمة. ولي أمثلة عن تلاميذ كانوا يرتكبون أخطاء فادحة، لأنه ولا أحد كان صارما معهم، والآن هم يحسنون كتاباتهم ولا يرتكبون إلا القليل من الأخطاء”. تبذل طائفةُ “الجمهوريين” والأساتذةُ الآخرون غير المنتمين إلى هذه الطائفة، كل ما في مقدورهم ويسعون جاهدين من أجل أن يتحكّم التلاميذ في كتاباتهم بعيدين عن الأخطاء النحوية والصّرفية والإملائية.

يقوم المعلم مارك لوبري Marc Le Bris أحدُ أعضاء الجمعية المذكورة بإملاء على تلاميذه في السنة الرابعة والخامسة ابتدائي جملتيْ كل يوم. فبعد سنوات من اعتماده الطريقة الشاملة في الإملاء انطلاقا من النصوص، عاد مَارك إلى تعليم منهجي ونسقي للنحو والإملاء مستعينًا بالمبدإ القائم على المقاطع اللّفظية الذي ينمّي في نظره الوعي بالكتابة الإملائية السليمة. ومن جانبه، يعمد فاني كابل Fanny Capel الأستاذ الثانوي القائل “من أين جاءت هذه الفكرة الجنونيّة لتكسير المدرسة ؟”، إلى تدريس النحو والصرف لمدة ساعة في الأسبوع منذ سنتين ؛ هذا ويقول المدرّسان الاثنان مارْك وفَاني أنهما وجدا نفسيْهما يقدّمان نفس الملاحظة لمفّتشهما: “دراسة اللغة ليست غاية في ذاتها”.
“يواصل العديد من المدرّسين في تطبيق مع تلاميذهم في الأقسام تمارين في النّحو والإملاء، لكن على الألواح. وهذا لن يترك أي أثر” -ملاحظة قدّمها مفتّشٌ عام يعي جيدّا بأن الإملاء والنحو أصبحا اليوم مادتين لا يعار لهما كبير اهتمام، ولا حتى ليُحتجَّ بهما لأخذ علامات جيّدة ! وهذا يفسّر بوضوح ما هذب إليه المفتّشون العامّون في تقريرهم حول تعليم الفرنسية في طور المتوسط سنة 2002 : “يبقى تعلّم الكتابة الخالية من الأخطاء غير كاف حسب الملاحظات التي تصلنا من المفتّشين البيداغوجيين الجهويين ؛ وهذا يعدّ إشكالا حسب رأي الأساتذة الذين يفتقدون إلى الحلول في هذا الميدان”.
كانت المدرسة تتصرّف إذًا بشكل متناقض بعملها على إنقاص من قيمة تعلّم القواعد الإملائية، في حين أن عدم التحكم في هذه القواعد يشكّل عائقًا حقيقيًّا ما فتئ يتعاظم بمرور السنوات، وحيث أصبح علاج مثل هذه المسائل أمرا صعبا. لأن في الثانوية يُستهلك الوقتُ في غالب الأحيان في توزيع التعليمات والتوجيهات أكثر مما يُستهلك في دروس المعالجة والاستدراك ؛ وفي الجامعة يؤسف كثيرا للفجوات الملاحظة من دون معالجتها، بينما الجامعات الأمريكية وضعت منذ مدّة ركائزَ ودعائمَ التّحكم في اللغة المكتوبة. وبالمقابل لما نبتغي الشُّعب الانتقائية لن تعود هذه الكفاءة متغيّرًا يمكن إهمالُه، بل بإمكانها حتى لتحدّد الفرق بين مترشّحيْ اثنين في بعض الأحيان.
يوجد بفرنسا بعضُ المدارس العلمية ذات الشهرة ممن يأخذ بعين الاعتبار الكتابة ذات الضّبط الإملائي السليم في مسابقات الدخول التي تنظّمها. “لا يمكن لمصحّح أن يتغاضى عن الأخطاء الكثيرة أو لا يُنقص من العلامة. وتجد الكتابةُ القائمةُ على ضوابط الإملاء مكانتَها أكثر في امتحان اللغة الفرنسية، حيث يُكم على المترشح أولا من خلال أفكاره، وتأتي ملاءمةُ الإجابة التي يقدمها في المرتبة الثانية بالنظر إلى وضوح خطابه، مما يدخل صحة الكتابة في الحسابات”.
مثلما يعدّ اختبارُ اللغة أيضا شكلاً من أشكال قياس التّحكم في اللغة الفرنسية ما دام الأمر يتعلّق بنوع من الترجمة، مثلما يقول جيرار فونْتين Gérard Fontaine الأستاذُ بالمدرسة متعددة العلوم. فبمعامل 6 على مجموع 33 تحتلُّ اللغة الفرنسية مكانة لا يُستهان بها عند اتّاذ قرار قبول المترشّح من عدمه. مثلما هي تقوم به المدارسُ العلمية الكبرى على غرار المدرسة المركزية لباريس ( Centrale Paris ) حيث بإمكان المترشّح إليها أن يرى نقاطه منقوصةً بنسبة 10 % في حالة ما إذا أكثر من الأخطاء الإملائية أو النحوية ؛ فللكتابة إذًا تأثير كبير في هذه المسابقة، لأن تحرير النصوص قصيرة كانت أو طويلة يحتلّ نسبة 18 % في الامتحانات. كما يوجد مدارس أخرى كمدرسة الدراسات العليا للتجارة بباريس  ،(HEC) تعلِم مترشّحيها أنه يمكن للكتابة السليمة من الأخطاء أن تحدث الفارق، حتى وإنْ كان تقييم )إعطاء نقط( مقالة المترشّحين يقوم على أساس المضمون أكثر منه على الشكل.
والأمر أسوء في الحياة
إذا كان الضّعافُ في الإملاء من بين المترشّحين لا يحقّ لهم طبعا تمثيل هذه المدارس، يبقى مع ذلك بإمكانهم أن يبعثوا يوما ما بسيرهم الذاتيّة. وهنا لم يعد الأمر يتعلّق بنزع بعض النقاط: فبمجرد العثور على خطإ واحد يُرمى بالطّلب مباشرة في سلة المهملات ! على رأس موقع ” job.com ” الذي يعدّ من بين أكبر الخدمات على شبكة الإنترنت في ربط الاتصال بين طالبيّ الشغل والمستخدِمين مع مليونيّ زيارة في الشهر، تلاحظ سيريل جانين وتسمع ما لا يُقال: “يتمتّع القائمون على اختيار المرشّحين للتوظيف بحرية كبيرة إلى درجة رمي الطلب مباشرة في سلة المهملات بمجرد التقاط خطإ ما، حتى وإنْ كان المترشّح خريج أكبر المدارس.. حتى وإنْ كانت سيرته الذاتية تبدو كاملة لا ينقصها شيءٌ. أما الرسالة النموذجية التي سيتلقّاها، فلن تشرح له أبدا أنه لم يتم قبولُه لسبب أنه أخطأ مثلا في كتابة فعل المضارع المجزوم إذْ كان عليه حذف حرف العلّة”. ويبقى الموقع يكرّر لفائدة ال 100.000 مشترك تعليماته ذات الطابع المدرسي والتي تُفقد الناسَ مناصبَهم.
وهذه كرسْتين بيرس التي تعمل منذ مدة كمشرفة على استقبال طلبات العمل، تشير إلى مسألة الأخطاء المرتكبة في الرسائل التي تصلها يوميا: “أخطاء نحوية كبيرة.. ويبدو أن الطلبة يجهلون كليا كثيرا من القواعد”، حتى مع هؤلاء الطلبة الذين اتُّفق على ترتيبهم في أعلى المراتب !
هل يمكن إذًا للحياة الحقيقية أن تكون أكثر قسوة من المدرسة وطغيانها في منح العلامات ؟ هل يجب والحالة هذه إعادة إحداث الضغط على هذ ا التعلّم ؟ في الواقع، لما تتراخى المدرسة في هذا الميدان، فإنها لا محالة تترك مهمّتها بين أيدي العائلات المنشغلة بنجاح أبنائها وبأيدي الجهات الانتهازية بائعة الدعم. وهنا تحديدا تصبح الكتابة ميزة أو خاصيّة اجتماعيّة، لأن العائلات الأكثر حرصا على نجاح أبنائها تبحث دائما كيف تعالج النقائص التي يعانون منها، وغالبا ما تنجح في ذلك. ألمْ يصرّح الوزير لوك فيري Luc Ferry قبل أن يُعيّ على رأس وزارة التربية، لجريدة Le Point الفرنسية بتاريخ 25 جانفي 2002 ، أنه كان كلّ مساء يقوم بإملاء على ابنته نصًّا مختارًا ؟
هل يجب إذًا مطالبةُ المعلمين بالعودة إلى مختاراتهم في الإملاء ؟ تختلف الآراء حول هذه المسألة، فالبعض يرى أن الإملاء يشكّل وسيلة فعّالة في التقويم، ولكن يبقى تمرينا سيِّئًا في التدريب ؛ والبعض الآخر يرى أن للإملاء فضائلَ وخاصيّاتٍ مناقضةً. وعلى أية حال فالكلُّ متّفق على أن الإملاء يعدّ تدريبًا جيدًا لتحسين انتباه التلاميذ وتركيزهم، وهذا من أجل إعادة إيجاد هذا “الزمن الداخلي” الذي حسب رأي كلود دونتون، “يعطي الرغبة في تسطير سطرا واحدا ثم عدّة أسطر لإيصال رسالة جنينيّة مفهومة الدلالة”. غير أن العديد من الملاحظين يرون أنه بمجرد استيعاب بعض القواعد الإملائية والنحوية، فإن الكتابة السليمة تبقى بعد ذلك مبدئيا وقبل كل شيء مسألة تركيز ؛ وفي هذه النقطة تتخلى المدرسة عن مسؤوليتها ليتحمّلها المجتمع، معلّلةً أنه لا يمكنها بخصوص هذا الموضوع أو بمواضيع أخرى تربيةُ الأطفال ضدّ أسرهم التي لم تعد تفرض عليهم هذه المادة. يبقى إذًا وأن المشكلة المطروحة في هذا النقاش ليست مسألة نهاية الإملاء أكثر مما هي مسألة صعوبة إيجاد ما يعوّضها، فالوقت الذي “حرّرته” هذه المادة ذهب إلى فائدة التعلّمات الأخرى الأكثر “مردودية” في أعين مجتمع يطلب دائما المزيد لأطفاله.
العديد من الأصوات ارتفعت لتقول أنه يجب الكثير من الوقت للتّحكّم في قواعد لغتنا المكتوبة، بمقدار ضعف الوقت الذي يحتاجه الإيطاليون واليابانيون بالنسبة للغتهم ! هذا بينما تتمسّك فرنسا أيضا بأن تبقى عنصرًا منافسًا على مستوى الكفاءات الأخرى التي يضعها البرنامج الدولي لمتابعة مكتسبات التلاميذ( PISA) للمقارنة بين أربعين دولة. في الواقع، يبقى المشكل متعذّرا حلُّه إذا ما لم نطرحه بشكل مختلف.
هل حان وقت الإصلاح أم لا ؟
هل يجب إصلاح من جديد كتابتنا وقواعدنا الإملائية أو علينا إدخال استعمال المصحّح الإلكتروني للكتابة إلى مدارسنا ؟ يُثير هذان السؤالان ضجّةً لأنهما يمسَّان وَتريْن جدّ حساسيْ في مجتمعنا المحافظ. يكفي أن نقدّم كردّ على السؤال الأول مصير الإصلاح الذي اقترحه مشال روكَار Michel Rocard سنة 1990 . حتى لو كانت التبسيطات المقترحة في طريقها لأن تُقبل -طالما هي مدمجة في البرامج الإلكترونية المصحّحة للكتابة لدى الناشرين- فإن البلد لا يبدو مستعدًا لتنقية ثانية. أما بخصوص المصحّح الإلكتروني فالأمر يختلف ؛ أكيد أن هذه التقنية سبق إدخالها في الأقسام التربوية ما دامت وثائقُ تطبيق البرامج لمستوى الرابع متوسط توضّح أنه: “إذا كان التلاميذ يكتبون نصًّا لغرض نشره، فإنهم سينتبهون جيدا لكتابتهم وسيكتشفون باهتمام كبير معالجة النصِّ والمصّحح الإلكتروني للكتابة”. لكن الأمر الذي يُشى منه أن يزيد إدخال هذه الأداة من الإهمال الذي تعاني منه مادة الإملاء، فعلى الأقل الحفاظ على مكانتها الرمزية على مستوى التعليم، لأنه وحدهم التلاميذ الذين لهم قاعدة صلبة في النحو والصرف يمكنهم استغلال هذه التقنية بفعّالية. ومن جانبها تقول سوازِيغ لوبايْ أن هذه الأداة تساهم بشكل طفيف في الإنقاص من الأخطاء في المخطوطات التي تقرؤها بمنشورات Thierry Magnier ، مما يؤدّي للدلالة أن الإملاء ليس تماما علم الحمير، وأنه يسمح ربما بالإنقاص من عدد المتعلمين المتّهمين ظلما بأنهم يعانون عُسرا في القراءة والفهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.