الرئيسية / ملف العدد / الإملاء تجارب إسبانية وإيطالية وفرنسية

الإملاء تجارب إسبانية وإيطالية وفرنسية


الإملاء بمعنى تعلّم الكتابة السليمة من الأخطاء التي يتخوَّف منها كل التلاميذ هي موضوع ساعات عديدة وشاقة من التعلّم، دون الوصول دائما إلى التحكّم فيها جيدا في نهاية أطوار التعليم. لكن في بلدان أخرى في أوروبا، للأطفال حظٌّ أوفرُ.. 
كلُّ المختصّين يؤكّدون أن الكتابة الفرنسية هي الأكثر تعقيدا في العالم. وبصفتها صادرة عن مؤثرات متضاربة بين اللغات الجرمانية واللاّتينية، فهي تبدو أكثر تعقيدا من الأسبانية والإيطالية أو الألمانية مثلا. وتتمثّل الصعوبة الكبرى في تعدّد الكلمات المتجانسة صوتيا، والحروف التي تميّز بينها تظهر للعيان ولا تُسمع صوتًا ؛ ومثالنا في ذلك الكلمات التالية:
sain”، “saint”، “sein”، “ceint” “، والتي تعني بالعربية حسب الترتيب: سَالٌِ أو سَلِيمٌ، قِدِّيسٌ أو مُقَدَّسٌ، نَدٌ أو حِضْنٌ، يُِيطُ أو مَُاطٌ. يقول جاك دافيد Jacques David وهو أستاذ بالمعهد الجامعي لتكوين المعلمين في فرساي-سيرجي أن “الكتابة الفرنسية جُعلت للقراءة، فهي معقَّدةٌ إلى أقصى حدّ لتسهيل عمل القارئ. بحيث كلّ شيء يُشار إليه خطيّا، كصيغة الجمع مثلا، بما في ذلك الأفعال والصفات” ؛ والنتيجة: لغتنا تحتوي على 36 صوتا (أصوات محدّدة بتغيير المعنى) كما تحتوي على حوالي 130 روْسما graphèmes (الوحدة الوظيفية للكتابة: حروف أو مجموعة حروف)، وقد يناسب صوتٌ واحدٌ العديدَ من الرّسوم الخطيّة.

تعلّمٌ طويل الأمد
أدركت السلطاتُ العمومية نهاية القرن التاسع عشر مع قدوم التعليم الإجباري، صعوبة تدريس الكتابة بضوابطها الإملائية. فقد “صُمّمت هذه الكتابةُ لنخبة  معيّنة وليس للشعب”، مثلما يقول جان بيير جافري Jean-Pierre Jaffré الباحثُ في مخبر الدراسات حول الصعوبات التي تعيق الأطفال في اكتساب اللغة ( LEAPLE, CNRS ). وفي 1901 سمح “قرار تساهل” ببعض التعديلات الإملائية بهدف التبسيط. غير أنه لقي اعترضًا شديدًا من قبل المحافظين المتشبّثين بالتقاليد، مما أعاق تطبّقه الفعلي. كما بقيت محاولاتٌ أخرى للإصلاح في 1976 ثم في 1990 دون أثر.
وأمام هذه الكتابة غير القابلة للنقد والغامضة تماما، تم تطويرُ شيئا فشيئا أداة لفكِّ الرموز وتوضيح النصوص وهي: النَّحوُّ ) la grammaire (. يقول جان بيير جافري أن “نائب الفاعل complément d’agent والمفعول به ،complément d’objet هما مفهومان قديمان ظهرا منذ قرن، وابْتُكرا لغرض تدريس الإملاء”. فقد حاز النّحوُّ بصفته وسيلة نافعة مخلِّصة من الكثير من العناء اللغوي، على مكانة معتبرة في تدريس اللّغة، وهذه ظاهرة خاصة بفرنسا.
وكلُّ كتابة معقّدة يقابلها تعلّمٌ طويل: وتعدُّ فرنسا من بين البلدان التي تخصّص وقتًا كبيرًا لهذه المادة التعليمية. “يبدو لي أنها مجبرة على فعل ذلك”، كما يؤكّد عليه مشال فايول Michel Fayol مديرُ مخبر علم النفس الاجتماعي للمعرفة وعلم النفس المعرفي( LAPSCO, CNRS) . ومع ذلك فالأوقات المخصّصة للإملاء تختلف بشكل ملحوظ حسب المدرّسين. فالبعض يستمرّ في منح هذه المادة قيمةً معتبرة، والبعض الآخر أقل. مثلما تحاول التطّوراتُ العديدة الحديثة هي من جانبها التقليل من تأثيرها. يرى مشال فايول أنه “مع إدخال نشاطات جديدة كشعبة اللغات الحية، يجب التقليص من الحجم الساعي للمواد الأخرى. ولا يمكن إنكارُ أن مادة الإملاء قد عانت من ذلك”. وبصفة شاملة أصبح الانشغالُ منذ سنوات منصبّا أكثر حول الأهداف ذات الأهمية الكبيرة مثل تعلّم القراءة والكتابة. وتشير دانيال مانيس Danièle Manesse أستاذة محاضرة في علوم اللغات في جامعة باريس 5 ومكلفة بالبحوث في المعهد الوطني للبحث التربوي ( L’INRP ) إلى أنه “لهذا السبب تمَّ الإنقاصُ من قيمة النشاطات الخاصة بالإملاء والنحو”. والحقيقة أن برامج الابتدائي لا تزال غامضة في هذا المجال، وفي هذا يقول جاك دافيد متأسّفا: “فهُم يحدّدون قائمة الكفاءات المرجوة في الإملاء دون توضيح كيف نصل إليها وما هي خطوات التعلّم التي يجب تتبّعها”.
تنوّعت جداولُ استعمال الزّمن لمختلف المواد كما تنوّعت الممارساتُ البيداغوجية منذ السّبعينيات. وكان تدريس الكتابة السليمة من الأخطاء يرتكز عهدَ الجمهورية الثالثة أساسا على تمرين واحد: وهو الإملاء، الامتحان الرّئيس لشهادة التعليم الابتدائي. وبعد عشرين عاما فقدت هذه المادة سيادتها وتغيّت و”أصبحت تمرينا تقويميا أكثر منه تمرين تعلّمي”، مثلما يرى جاك دافيد. وبالنسبة لمحتوى الإملاء فليس دوما نصّا مختارا لكاتب من الكتّاب مثلما كان معمولا به في السابق، إذْ أصبح غالبا ما يُعتمد على نصٍّ يرتكز على نقطة معيّنة من نقاط الإملاء مأخوذٍ من كتاب التلميذ أو محرّرٍ من قبل المدرّس. وفي بعض الأحيان تكون الإملاء موضوع تحضير مع دراسة مسبّقة للفخاخ الإملائية.
وفيما يخصّ التمارين الإملائية الأخرى، هناك كتبٌ جد كلاسيكية لا تزال تستعمل. كتبٌ تعتمد على الطريقة الاستنباطيّة، حيث يتمّ التصريحُ بالقاعدة وعرضها قبل تطبيقها، مع تمرين نموذجي لجميع التلاميذ. ويبقى التركيز على الاستثناءات عملاً محبّذًا إلى درجة يصبح فيها “الاستثناءُ أهمَّ من القاعدة أحيانا”، كما يقول جاك دافيد. وهناك طريقة أخرى لا تزال مهمّشة، تكمن في اعتماد إجراء معاكسٍ لما هو موجودٌ في كتب التلاميذ القديمة، حيث ينطلق فيها المعلم من جملة أو فقرة معينتين، ثم وبعد التمعّن في النصِّ المقترحِ المرتكزِ حول موضوع معيّ من مواضيع الإملاء يتمُّ استنتاجُ القاعدة. وبعد صياغة هذه الأخيرة، يُطلب من التلاميذ تطبّيقها في التمارين.
لكن يبقى التّماثلُ الصّوتي homophonie ومختلفُ التطابقات accords من بين أكبر الصعوبات التي تناولتها الدراسات اللغوية. ومع البحوث التي أُجريت في تعليمية اللغة الفرنسية، تطوّر نشاطٌ آخرُ بشكل ملفت في الثمانينيات والتسعينيات، وهو الإنْشَاءُ أو التَّعبِيرُ الكِتَابِّ. وهذا النشاطُ مدرجٌ على أية حال في التقويمات الوطنية للسنة الثالثة والسادسة ابتدائي والسنة الأولى متوسط. فلم يصبح التعبيرُ الكتابي الذي يعدُّ أداةً كاملةً في العملية التعلُّمية، حجّةً للتدقيق في صحّة اللغة المكتوبة كما كان سابقا ؛ وهذا التوجّه يراه البعضُ مساهمًا في إنقاص من قيمة الإملاء والكتابة السليمة. ويرى جاك دافيد أن هناك معارضين لا يستسلمون للأمر الواقع: “فلا يزال مدرسون يواصلون تقويم التعبير الكتابي على أساس الضوابط الإملائية”.
أوروبا: مقارباتٌ مختلفة
على الرغم من هذا الانحطاط النسبي، يبقى تدريس الإملاء في فرنسا يحتفظ بمكانة لا مثيل لها في أوروبا. “فرنسا هو البلد الوحيد حيث يُعتبر هذا التعلّمُ رياضةً مدرسيةً حقيقيةً !”، يقول جان بيير جافري مازحًا. وهذه المادة التي هي عندنا مشقّة وعناء، لها وجه لطيفٌ عند بعض جيراننا. ذلك أن “النظام الأبجدي المثالي الذي يربط بين كل رسم خطيّ وصوته( graphème/phonème)  لا نجده في مكان آخر، ولكن البعض يقتربون من ذلك”، كما يقول مشال فايول. وبهذا المنظور فالإسبانية والإيطالية هما لغتان “شفّافتان” تقريبا، إذْ أن الربط بين الرّسوم الخطّية وأصواتها للحروف هو ربطٌ منهجي وقطعيّ تقريبا، والكلمات المتماثلة صوتيا تبقى نادرة. يشير جان بيير جافري إلى أن “في اللغة الإسبانية يوجد ما بين 22 و 25 صوتا و 30 رسما خطّيا”. فاللغة تُنطق كما تُكتب، والعكس بالعكس. إلا أنه يُستثنى من هذا اللغةُ الكتالونيّة التي تتميّز قواعدها الإملائية بنوع من التعقيد.
والنتيجة هي أن القواعد الإملائية تكتسب بطريقة أسرع في إسبانيا وإيطاليا مما تُكتسب في فرنسا: فالمسألة قد تمَّ حلّها في هذين البلدين منذ المرحلة الابتدائية، بحيث يستطيع التلاميذ مبكّرا كتابة عدة كلمات لم يواجهوها من قبل، وهذا بالاعتماد على انتظام التطابقات بين مقاطع الحروف ومقاطع الأصوات. وجاء في تقرير صادر عن المعهد الوطني للبحث التربوي المؤرخ في 1999 أن “كتابة اللغة الإسبانية ليس لها مكانةٌ خاصة في التحكّم في القواعد الإملائية، وليست موضوع تقويم خاصّ في إطار معايير التصحيح في الكتابي”. هذا البحث الذي قادته دانيال مانيس يقارن بين وضعية تدريس اللغة في الثانوي بين ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وفرنسا.
وإذا كانت اللغة الألمانية تميل هي الأخرى نحو الأنظمة الأبجدية “الشفافة”، فإن تجزئة كلماتها وعدم انتظامها يجعلها معقدّة نسبيا. وعليه حاولت الحكومة الألمانية في 1995 تغيير ضوابطها الإملائية. ومثلما حدث في فرنسا، واجهت الهيئات الألمانية المعنية العديد من التحفّظات بشأن هذا التغيير. وحسب الدراسة التي أجريت من طرف المعهد الوطني للبحث التربوي، فإن تعليم الإملاء في الضفة الأخرى لنهر الرين هو “مستمر ومكثّف”، حيث البيداغوجيا تعتمد على عدة تمارين مرتبطة بالضبط اللغوي ومن بينها الإملاء.
في الواقع نجد اللغة الإنجليزية وحدها التي تنافس اللغة الفرنسية من حيث التعقيد اللغوي، أين يوجد مقابل نفس الصوت ( phonème ) العديدُ من الرّسوم الخطية ( graphèmes ). و”تبدو اللغة الفرنسية جدّ معقّدة في مجال الكتابة، من الأصوات إلى الرّسوم الخطيّة. أما اللغة الإنجليزية فهي مبهمة في الاتجاهين: القراءة والكتابة”، على حدّ تعبير مشال فايول. وفي الحاصل نجد هذه اللغة تحتوي على أربعين صوتا وأكثر من 1000 طريقة لكتابتها ! كما توضح دراسة المعهد الوطني للبحث التربوي أن “التعليم في بريطانيا يقترح التدرج في اكتساب المعارف الخاصة بالكتابة والإملاء بدءً بالكلمات أحادية المقطع إلى الكلمات متعددة المقاطع”. وتُقدَّم الإملاءُ في الغالب على شكل قائمة كلمات، والصعوبات تأتي أساسا من المفردات ؛ أما الهدف فيتمثّل في: الوصول إلى كتابة “مستقرّة” تُترم فيها الضوابط الإملائية عند التلاميذ البالغين سنّ الرابعة عشر.
ولكن يبقى التعلّم طويلا وصعبا، مع أخطاء متكرّرة لا تزول إلا بصعوبة. إلا أنه يبقى في بلادنا أن “معظم التلاميذ في سن ال 16 يجدون صعوبة كبيرة في تمييز التماثل الصوتي للصوْتَ ” é””، يقول جاك دافيد مؤكّدا. تبقى فرنسا إذًا حالة خاصة، في وضعية تشبه ذاك الذي مسّه فصامٌ في الشخصية، أو كما يقول جان بيير جافري: “الإملاء في فرنسا هي أكثرها مادة موجّهة للذين ينجحون بعنادهم وليس بذكائهم، منه أداةٌ في متناول الجميع. هذا ويوجد اليوم نوعان من الكتابة: الكتابة التي يقرأها التلاميذ في كتبهم المدرسية، والكتابة التي نستعملها مثلا في النقاشات التي تدور في مختلف المنتديات على شبكة الإنترنت”. فمتى يتمّ التوفيق بين الاثنتين ؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.